الإسلام الصوفي 2-2

د. محمد يحي

13 نوفمبر 2007م

الترويج الغربي لكيان معين يكاد يكون مصطنع اصطناعاً، ويدعى "الإسلام الصوفي" هو ترويج إعلامي وسياسي موجه بالمقام الأول والعاجل والمباشر إلى خدمة عملية الاندماج للمسلمين في أوروبا ولاسيما في أوروبا الغربية، وهي عملية لا تعني الاندماج في المجتمعات هناك بمعنى الاندماج المعروف في التجربة الأمريكية مثلاً، حيث يحتفظ الطرف المدمج - وهو المجموعة العرقية أو الثقافية أو الدينية لهوية وكيان - بل هو أقرب إلى التذويب والإلحاق في موقع التبعية والذيلية للكيان المدمج داخل الكيان الأكبر الذي يندمج فيه.

والتصور الذي يضفيه الغرب لهذا الإسلام الصوفي على أنه مجرد كيان روحي هلامي، ليس له تميز خاص في المجال الاجتماعي، وليس له هوية سياسية أو فكرية، بل ليس له اتصال دنيوي بأشكال مادية متحققة من النظم أو المؤسسات؛ هو التصور الأمثل لتحقيق عملية الاندماج أو التذويب هذه.

لكن طرح مفهوم أو كيان الإسلام الصوفي بهذه الأهمية والإلحاح، وطرحه على مستوى ومجال أوسع من مجرد المسرح الأوروبي، بل والترويج له داخل البلدان الإسلامية ذاتها - وبالتحديد البلدان الإسلامية غير العربية - يشير إلى عوامل وأهداف أوسع من مسألة التذويب للأقليات المسلمة في بلدان أوروبا الغربية، وهذا السياق والهدف الأوسع هو دمج وإدخال العالم الإسلامي بأسره وليس فقط الجاليات الإسلامية المهاجرة في نطاق العولمة والنظام العالمي الذي هو مجرد غطاء تنكري للسيطرة الأوروبية الكاملة - وليس فقط العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية - على العالم بأسره.

فإذا كانت عمليات نشر العلمانية بالحديد والنار، وسلطة الأنظمة الدكتاتورية هي الأدوات الأشهر والأكثر بروزاً في عملية إخضاع عالم الإسلام لنظام العولمة، وهيمنة الغرب الشاملة، وإذا كانت عمليات التغريب على المستويات الاجتماعية والفكرية والثقافية المختلفة، وعلى كل الأصعدة؛ هي من الأدوات القديمة والمتجددة للغرب في إخضاع العالم الإسلامي للنظام الاستعماري سابقاً وللنظام العولمي حالياً، فإن طرح مفهوم وكيان الإسلام الصوفي المفتعل والوهمي وغير ذي الصلة بالمفاهيم والممارسات والتاريخ الأصيل للصوفية في الإسلام - أياً كان الموقف النقدي منها - هو أحد الأدوات المستجدة لإكمال ودفع عملية إخضاع العالم الإسلامي لنظام العولمة بقيادة أمريكا وأوروبا الغربية.

والسبب في ذلك لا يخفى، فالصياغة المخصوصة للمفهوم الإسلامي الصوفي حسب ما تروج له الدوائر الإعلامية والأكاديمية الغربية يؤدي في الحقيقة إلى إلغاء أية هوية أو تميز أو فكر أو تجسد مادي للإسلام باستثناء بعض الأشكال التي يمكن وصفها بالفلكلورية، والتي لا تنبع حتى من الإسلام نفسه بقدر ما تنبع من أحوال محلية تاريخية لها جذور قد ترجع إلى ما قبل الإسلام كما في حالة "الإسلام الجاوي" مثلاً.

وهذه العمومية والهلامية، وعدم التحدد وفقدان الهوية المتميزة التي يراد لها أن تكون هي السمة الغالبة للإسلام في بلاده من خلال العلمنة والتغريب، والحديث عن الإسلام الصوفي هي الأنسب لتسهيل دمج المسلمين وعالمهم ودينهم - أو ما تبقى منه - في نظام العولمة، لاسيما وأن هذا النظام لا يمانع في استيعاب الأشكال الفلكلورية، والبقايا الأنثروبولوجية من الحضارات والثقافات الأخرى حيث أنها لا تهدد كيانه، بل على العكس يستخدمها كوقود له من ناحية أنها تضفي عليه نوع من التنوع والتعدد المظهري الذي يخفي حقيقة الأحادية الدكتاتورية الصارمة التي يتسم بها ذلك النظام، والقاضية بفرض الثقافة الغربية بكامل أبعادها وتفاصيلها بكل شمولية وانطباق، وحتى بصرف النظر عن هذا العامل الأساسي في مسألة تشجيع ما يسمى بالإسلام الصوفي؛ فإن مجرد استخدامه كأداة لتخريب الإسلام في حد ذاته هو سبب كاف لكي يجعل الغرب يبشر به.

وهكذا فالإسلام الصوفي يطرح في آسيا الوسطى مثلاً كبديل عن التيارات الإسلامية التي تحاول أن تربط بلادها الإسلامية بالعالم الإسلامي المجاور لها، كما يطرح في تركيا في وجه تيارات تحاول العودة إلى التراث والتاريخ التركي الإسلامي، وتعمل على إعادة التدين التركي الإسلامي إلى مصادر تركية ما قبل إسلامية إلى آخر القائمة.

http://www.islamicnews.net:المصدر