بعد الزواج وقعتُ أسيرة لآخر!

المجيب حنان بنت سليمان

 

السؤال

أنا امرأة متزوجة، عشت فترة حرمان عاطفي في طفولتي بسبب قسوة والدي - رحمهما الله - وغفر لهما، وبعد زواجي من رجل فاضل عوضني ما افتقدته في بداية حياتي، ثم بدأت مشاعره بالفتور، خصوصاً بعد خمس سنوات من الزواج، بعدها تعرفت على الإنترنت والمحادثات، وللأسف تعلق قلبي بها وبمن فيها، وتعرفت على شباب كنت أحدثهم عبر الهاتف، وأسمع منهم ما تطيب به نفسي مما أفتقده، إلا أنني ولله الحمد لم أقع في الكبائر.. الآن أنا اعتزمت التوبة، وقطعت اتصالي بهم جميعا عدا واحداً اعتبرته طيلة هذا الوقت الأب والأخ والصديق، ولم يضرني مذ أن عرفته..أريد أن أتوجه لربي بقلب خالص نقي تائب توبة نصوحاً ولكن لا أستطيع مع هذا بالذات.. أرجوكم ساعدوني فأنا تائبة لله وأحمد الله أن ربي سترني طيلة هذه الأعوام إلى أن هداني، وبقيت عندي هذه المشكلة التي لا أجد لها حلاً بسبب تعلقي الشديد بهذا الشاب، وتعلقه هو أيضا بي..

أرشدوني ماذا أفعل كي أتخلص منه وهل في بقائه عائق لتوبتي؟

 

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد:

حياك الله أخيتي، وأنا أشكر فيك هذه الرغبة الصادقة إن شاء الله في التوبة والإنابة، وهذا شأن المؤمن يذنب ثم يعود إلى ربه بالتوبة والاستغفار "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" [الزمر: 53].

ولي مع كلماتك عدة وقفات:

1- قولك: "عشت فترة حرمان عاطفي" لا ينبغي أن يكون هذا مبرراً لك، فكم من شخص عاش اليتم والفقر والظلم والقهر ولم يمنعه ذلك من التفوق والتقدم في كبره.

2- قولك: "بدأت مشاعره بالفتور". أولاً: احمدي الله كثيراً على نعمة الزواج والاستقرار، فكم من فتاة تتلظى بنار العنوسة. ثم أخيتي ألم تسألي نفسك: لماذا فترت مشاعر زوجك تجاهك؟ قد يكون ذلك بأسباب بسيطة لو عولجت منك أو منكما جميعاً لاستمرت حياتكما ملؤها السعادة والاستقرار، المهم أن تضعي في بالك أن هذا أمر معتاد في الحياة الزوجية ولابد من حدوثه.

3- ذكر عن ابن القيم - رحمه الله - قوله: "إن في القلب وحشة لا يملؤها إلا الأنس بالله" نعم أختي الفاضلة إذا لم يملأ القلب بحب الله وذكره ومحبة أوامره ومحبة اجتناب ما نهى عنه وتلاوة كتابه الكريم وحسن تدبره فصدقيني لن يمتلئ هذا القلب أبداً، وسيظل يلهث خلف السراب كمن يشرب من ماء البحر فلا يزيده ذلك إلا عطشاً.

4- إن تعلقك بهذا الشاب أكبر عائق لك عن التوبة، ولا أراه إلا خطوة من خطوات الشيطان ليوقعك فيما لا تحمد عقباه وإن تأخر ذلك قليلاً "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [النور: 21]، إن ستر الله عليك طيلة هذه المدة نعمة عظيمة من الله - تعالى -، ولا تجازى النعمة إلا بالشكر عليها.

أنا مقدرة جداً لمشاعرك وأتفهم ذلك ولكن لا أوافقك أن هذه المشكلة ليس لها حل، بل إن حلها أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولكن يتطلب منك عزيمة صادقة على قطع العلاقة نهائياً مهما كانت الظروف، وأبشرك أنك بمجرد أن تصدقي في التوبة وتخلصي قلبك لله - تعالى -فستجدي حلاوة وسعادة لم تشعري بها أبداً "ومن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".

ومما يساعدك على الثبات التقرب لله بالطاعات عموماً وبالذات الدعاء والمناجاة وخاصة في الأوقات الفاضلة "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر: 60]، وسؤال الله الثبات، والبحث عن رفقة صالحة تأمرك بالمعروف وتعينك عليه، وتنهاك عن المنكر وتحذرك منه، وحسن التبعل لزوجك واحتساب الأجر في ذلك فهو جنتك ونارك.

وأوصيك بالإكثار من تلاوة القرآن والوقوف عند معانيه العظيمة ومخاطبة النفس بها، وكذلك أكثري من قراءة كتب الإمام ابن القيم - رحمه الله - خاصة فيما يتعلق بمشكلتك، فستجدين ما تطيب به نفسك بإذن الله.

وأخيراً احذري من اتباع الهوى "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً" [الفرقان: 43].

ولك مني إن شاء الله دعوات في ظهر الغيب، وأتمنى أن أقرأ رسالة قادمة تبشر بالخير وتغير الأحوال.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

 09/12/1428هـ  

 

http://www.islamtoday.netالمصدر: