حياة المدرسة حرق دم

أ. عزة تهامي

السؤال:

السلام عليكم؛

أنا أم لثلاثة أطفال، ابنتي الكبرى ست سنوات، ولدينا أختها 3 سنوات، وطفل رضيع، وأنا أحمد الله عليها، فهي طفلة طيبة ومسالمة، وعاقلة بالنسبة لأختها وللأطفال الآخرين، ولا تعرف العدوانية ولا العنف، ولا إعادة الألفاظ السيئة التي تسمعها بالخارج، وهي تدرس بالصف الأول الابتدائي بمدرسة إسلامية تدرس المناهج الأمريكية إلى جانب التربية الإسلامية واللغة العربية.

وقد كنت أرى أني أريح ابنتي بإبعادها عن تكدس المناهج المصرية لكني اكتشفت أن مرحلة الدراسة تتحول إلى عذاب يومي لي، ولعل المشكلة تتمثل أساساً في ضيق الوقت؛ فابنتي تعود كل يوم في حوالي الساعة الرابعة، وطبعاً هي كأي طفلة تنتهي من اليوم الدراسي وتريد أن تلعب، بينما أكون أنا كل همي هو أن تبدل ملابسها، وتستحم، وتتناول الغذاء، وتنتهي من حل واجباتها؛ حتى تذهب للفراش في الساعة الثامنة، ولكنها كأي طفلة تهرب من الالتزام، وتظل تماطل وتتلكأ، وتريد اللعب دائماً وهذا طبيعي، ولكني لا أستطيع أن أتركها وشأنها، ومع ضيق الوقت ومماطلة ابنتي، ومطالب إخوتها أشعر بالتوتر، وأتعامل معها بعصبية أو بشدة؛ وذلك يحزنني جداً، ولكن تتكرر المأساة كل يوم منذ عودتها من المدرسة حتى تنام متأخراً عن موعدها كالعادة؛ حتى صارت تلك الفترة من اليوم هي فترة توتر عصبي بالنسبة لي.

المشكلة مع ابنتي في أنها بطيئة جداً في كل شيء، ومتلكئة جداً جداً بشكل مثير للأعصاب، ولا تهتم بتنفيذ ما أقوله لها حتى أصيح فيها، والمشكلة الأخرى هي أن قدرتها على الحفظ ضعيفة جداً، بينما المدرسة تسير على منهج معين لحفظ القرآن بمقدار حوالي ثلاث آيات في اليوم، بينما هي تحفظ الآية الواحدة بمجهود، ولولا اضطرارنا لمسايرة نظام المدرسة، وعدم تأخرها عن زملائها لاكتفيت بآية واحدة يومياً، وأنا لا أعاني معها في أداء الواجبات إلا بسبب بطئها وتلكئها؛ لأني أرى أنها تفهم وتستوعب الدروس والحمد لله، ولكني أعاني كثيراً من أجل تحفيظها.

وأختها الصغرى مظلومة معها؛ لأنها تحفظ جيداً؛ لكني لا أتفرغ لها للأسف؛ لأن الكبرى تستهلك كل جهدي، وتجعلني أمل مسألة التحفيظ، وليست المشكلة الوحيدة في عدم قدرتها على الحفظ، بل أيضاً لأنها لا تركز معي، ولا تهتم بذلك، بل تشغل نفسها بأي لعبة، أو بأي شيء بينما أنا أحاول تحفيظها، وهذا أمر مثير للأعصاب، وتجعلني أحتد عليها؛ حتى تنصت إلي، وتدع ما في يدها؛ فتهتم للحظات، ثم تعود للانشغال بأي شيء آخر، وإن لم تفعل ذلك تظل تحدثني في أمور أخرى، وتخرج عن الموضوع بين كل آية والثانية، بينما يكون الوقت ضيق بالنسبة لي ولها؛ فأضطر أن أشتد عليها أو أعاقبها، ويعلم الله لا أحب أن تكون علاقتي بأبنائي على هذه الشاكلة، ولكن لا أجد حلاً آخر إلا أن أتركها ولا تحفظ شيئاً، وهذا هو الخيار الأسهل لكن لا يطاوعني قلبي عليه، ومع ذلك فكل هذا المجهود المبذول معها يؤدي في النهاية إلى أن تحفظ حفظاً دون المتوسط.

الآن أتساءل: هذه هي الابنة الأولى، ولا تزال في بداية الدراسة؛ فماذا أفعل حينما يكبر إخوتها؟ هل ستكون حياة المدرسة "حرقة دم بهذا الحال؟" وكيف أتمكن من تحفيظ ثلاثة آيات إن كان تحفيظ واحدة فقط على هذا الحال؟ وفي نفس الوقت أنا لا أريد أن أضحي بحفظ القرآن؛ فللأسف لا يضحي أحد بالمواد الدراسية، وقد يبذل الأهل المستحيل إن تأخر طفلهم في الدراسة، أما إن تأخر في القرآن فلا بأس، ولا أحب أن أجعل حفظ القرآن في ذيل الأولويات، وفي نفس الوقت لا أدري ما العمل؟ أرجو إرشادي ومساعدتي، وجزاكم الله خيراً.

 

الحل:

وعليكم السلام ورحمة الله

مرحبا بك - سيدتي - على صفحة معاً نربي أبناءنا، وأهلاً بك في مصاف الشاكين من المدارس والمناهج التعليمية (أو كما يقولون بالإنجليزية: welcome to the club) خاصة مع ما ابتلينا به من مدارس كل همها استقطاب أكبر عدد ممكن من الآباء، فتقدم كل ما يغريهم، فهي تقدم الدين والقرآن، واللغات مرة على الطريقة الأمريكية، ومرة على الطريقة الإنجليزية، ومرة ناشيونال، ومرة إنترناشونال، وربنا يستر، على كل حال ليس هذا مجال حديثنا.

سيدتي؛ هناك عدة قضايا متشابكة ومتداخلة طرحتها في رسالتك حيث: ضيق الوقت، وكثرة الأعباء المدرسية، مع رغبة الطفلة في اللعب (وهذا أمر طبيعي) مما يجعل الطفلة تمل من الالتزام، وخاصة أنها تعود إلى البيت في الرابعة مساء، وهذا من شأنه أن يجعلها متباطئة متلكئة لكن في نفس الوقت يصاحب هذا البطء قلة تركيز، وضعف في الحفظ، الأمر الذي يجعل هناك احتمالات وجود مشكلة ما لدى طفلتك، ولذا سأقترح عليك ما يلي:

أولاً اقتراحات خاصة بك أنت:

- لابد أن ترددي على مسامعك أن علاقة الود والحب والعطف بينك وبين ابنتك أهم بكثير من تميزها الدراسي، أو من أداء واجباتها المدرسية.

- وعليك أن تكرري لنفسك حتى تتكون لديك قناعة بأن واجبات ابنتك ليست واجباً عليك أنت، ولا هماً ثقيلاً على عاتقك، فإذا ما انتهت منها سقطت عن كاهلك.

- بعد نوم أطفالك قومي ببعض تمرينات الاسترخاء حتى تهدئي (يمكنك الاطلاع عليها من موقع google.com).

 

ثانياً كيف تتصرفين مع ابنتك:

- في أثناء تنفيذك ما سبق عليك حينما تعود طفلتك من المدرسة استقبالها بابتسامة وترحاب وشوق، ولا تذكريها بما عليها من خلع ملابس واستحمام، وأداء واجبات حتى لو تلكأت.

- جهزا معاً المائدة، وتناولوا الغداء جميعاً، وأنتم تتبادلون النكات والضحكات والألغاز التي ستفيدك في توجيههم جميعاً.

- أخبريها أنه من الآن فصاعداً سيكون هناك جدول بالمهام المطلوبة قبل النوم (دون تحديد وقت لأداء هذه المهام بدقة خانقة، بل لا بد أن يتميز الجدول بالمرونة، على أن يكون بالجدول وقت للعب، كما أن هذا الجدول ستضعينه معها بعد أن تقيسا معاً متوسط الفترة الزمنية التي تستغرقها في أداء كل مادة حتى لا ترهقيها من أمرها عسراً؛ فمثلاً ستقوم بأداء واجبات اللغة العربية في مدة 20 دقيقة، وهذه المدة هي متوسط سرعتها لأدائها كمًّا معيناً من الواجب؛ ولأنها ما زالت لا تجيد القراءة فيمكن عمل الجدول بألوان مختلفة لكل مادة لون).

- وحينما تبدأ في المذاكرة فعليك توضيح ما المطلوب منها فقط دون أن تجلسي بجوارها، ولكن يمكنك التواجد بنفس الحجرة التي تذاكر بها، مع أدائك مهمة ما مثل قراءة كتاب، أو طي الملابس إن كان الصغيران نائمين، أو يلعبان في حجرتهما، أما إذا كانا يقظين أو يحدثان ضجيجاً فيمكنك أخذهما بحجرة أخرى، وتحفيظ الوسطى بعض آيات القرآن، وإعطاء الصغير لعبة يندمج فيها.

- عليك إبعاد أي شيء يشتت تركيز طفلتك أثناء تأدية الواجبات، فلا بد أن يكون مكتبها بسيطاً ليس عليه أدوات إلا ما تستعمله، متجهاً لحائط ليس عليه أي لوحات.

- لا تعنفيها كي تحفظ الثلاث آيات، كما يمكنك تشغيل المسجل على الآيات المطلوب حفظها قبيل نومها، وبعد الانتهاء من قراءة قصة لأطفالك.

- أسلوبك وطريقتك معها يكون حازماً ودوداً بعيداً عن القسوة والاستعطاف في آن واحد، بمعني أنك حين تشرفين على أدائها للواجبات لا تنهريها حينما تخطئ أو تتباطأ، ولا تستعطفيها (تتحايلي عليها) كي تكمل ما بدأت، لكن عليك أن تنبهيها إلى أن تنظر للجدول لتعرف ما يجب عليها، وإن تلكأت أو رفضت فاتركيها دون أن تعلقي بشيء.

- اتركيها تلعب فترة ما بين 5: 10 دقائق بين كل مادة وأخرى ألعاباً بسيطة تشاركينها في بعضها مع أخويها مثل لعبة (x – o) أو لعبة التفكير في أسماء فواكه أو خضراوات أو لعبة عروستي... إلى آخر هذه الألعاب التي لا تستغرق وقتاً طويلاً.

- ربما تأبى ابنتك هذا النظام في بادئ الأمر لكن أعلميها أن كلاً منكما يؤدي مهامه حتى تتقابلوا جميعاً على العشاء لتلعبوا ثانية، (يراعى مشاركة الأب في ذلك) كما حدث في وقت الغداء، وحتى تتمكن هي من اللعب وفق الجدول الذي وضعتماه، على ألا يكون كل هذا بصيغة الشرط فلا تقولي لها مثلاً: "إذا لم تنتهي من أداء واجبك فلن تلعبي أو لن ألعب معك اليوم".

- شجعيها كلما أنجزت مهمة ما.

- كما يمكن الاستعانة بإحدى صديقاتك أو أقاربك للتعاون معك في رعاية الصغيرين بعضاً من الوقت، والأب أولى.

إن فعلتِ ما سبق برغبة صادقة في إعادة جسور المودة والمحبة بينك وبين طفلتك (والتي أفسدت بسبب المدرسة) فستجدين استجابة رائعة منها.

ربما تظنين - سيدتي - أن ذلك فوق طاقتك وقوة تحملك، أو أنه ضرب من الخيال أن تتركيها دون أن تلحي عليها في أداء الواجبات ويضيع الوقت دون إنجاز ما عليها، لكن أود أن أطمئنك أنني قمت بتدريب العديد من الأمهات لهن نفس شكواك، وأشرت عليهن بما أشرت عليك به؛ فوجدن نتائج طيبة على مستوى علاقتهن بأبنائهن، أو على المستوى الدراسي.

كما أنه من المهم جداً - سيدتي - تطبيق الاقتراحات السابقة بصبر ومثابرة حتى تأتي بالثمار المرجوة، وبناء على ما سبق ستحرص طفلتك على إرضائك، وسيكون لديها الرغبة الشديدة في عدم التلكؤ، وستحرص على الحفظ والتركيز، أما إذا ظلت على حالها دون تقدم بعد تنفيذ ما سبق فإن هذا ربما يكون مؤشراً لوجود ما يسمى بضعف التركيز attention disorder، واضطرابات في الذاكرة، وهذا يحتاج إلى: اختبار لقياس الانتباه، والقدرة على الحفظ لدى طفلتك من متخصصين في مجال صعوبات التعلم، وهناك أكثر من مركز بمصر لهذا الغرض منها مركز: learning resources أو معهد الطفولة بجامعة عين شمس، وفيه يشخصون أين الخلل بالضبط، ويوضحون لك أساليب التعامل مع طفلتك والحالة هذه.

ولمزيد من الاستفادة يمكنك الاطلاع على العديد من الموضوعات التي طرحت على هذه الصفحة تناولت موضوع المذاكرة مع الأبناء وكذلك موضوعات عن صعوبات التعلم مثل:

-          عالم الدراسة.. خبرات وتجارب.

-          تجنبي التوتر بتنظيم الوقت وترتيب الأولويات.

-          صعوبات التعلم.. تعرّف لتشخص!

مع أخلص دعواتي لأن يلهمك الله من أمرك رشداً، ورجائي المتابعة معنا.

http://www.islamonline.net:المصدر