فداك روحي يا رسول الله

3 ذو الحجة 1428هـ الموافق له 12-12- 2007م

 

أختاه.. أهلاً وسهلاً بك، عشنا في المقالات السابقة مع حبيبكِ وحبيبي مع سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعرفنا كم يحبنا ويشتاق إلينا، وشاهدنا القلوب التي أحبت الحبيب.

أخيتي: ألم يأن أن نحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وننصره، ونؤدي ما له علينا من واجبات، فهيا بنا نعرف ما واجباتنا تجاهه - صلى الله عليه وسلم -.

 

واجبنا تجاه الحبيب:

1- محبته أكثر من المال والأهل والولد:

بل من جميع الأنداد الثمانية التي قد تقف حجر عثرة أمام المسافر إلى ربه في طريق حب الله ورسوله، لذا وضع الله - تعالى- كل متعلقات القلب، وكل مطامع النفوس في كفة، وحب الله وحب رسوله في كفة فقال - تعالى-: ((قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ))[التوبة: ٢٤]

ويأتينا دليل عظيم وبليغ من قول الحق - جل وعلا -: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ))[الأحزاب: ٦]

*ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)[1].

*ومن الأدلة كذلك حديث رائع قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: (من أشد أمتي لي حباً أناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)[2].

فمحبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة نفسك التي بين جنبيك، وأنفاسك التي تردد، وقلبك الذي يخفق، فضلاً عن محبة الزوج، والأبناء، والأمهات، والأباء، إنها أعظم محبة لمخلوق من العالمين، وهي التي استحقها سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -، ووجبت على كل مؤمن بالله سبحانه.

 

2- لا تكوني بخيلة:

قال - تعالى-: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً))[الأحزاب: ٥6].

صلى عليك الله يا علم الهدى          ما حن مشتاق إلى لقياك

وعليك ملء الأرض من صلواتنا         وقلوبنا ذابت على ذكــراك

والصلاة على محمد جلاء الأبصار، ونور البصائر، وبهجة القلوب، وراحة الأرواح، وقرة العيون، ومسك المجالس، وطيب الحياة، وزكاة العمر، وجمال الأيام، وذهاب الهموم، وطرد الأحزان، وهي الجالبة للسرور، وانشراح الصدر، تكامل الحبور، وتعاظم النور.

بها يطيب السمر، ويحلو الحديث، ويحل الأنس، وتحصل البركة، وتتنزل السكينة، وهي علامة الحب، وشاهد المتابعة، وبرهان الموالاة، ودليل الصلاح، وطريق النجاح، يقول - صلى الله عليه وسلم -: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات)[3]، وقال: (رغم أنف من ذكرت عنده ولم يصل علي)[4]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)[5].

 

3- أدب واحتشام مع نبي الإسلام:

قال - تعالى-: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ))[الحجرات: ٢].

فالأدب معه - صلى الله عليه وسلم - شريعة (يثاب فاعلها، ويعاقب تاركها) فالأدب مع شخصه الكريم بإجلاله، وإعزازه، وتوقيره، وتقديره، واحترامه، وإنزاله المنزلة التي أنزله الله - تعالى - إياها، بلا غلو ولا جفاء، وعدم الاعتراض عليه - صلى الله عليه وسلم -، أو مناقضة أقواله بأقوال غيره من الناس، أو تقديم قول كائن من البشر مهما كان على قوله، أو أخذ حديثه على أنه كلام يصيب ويخطيء، بل هو كلام نبي معصوم.

أو التعرض لصفة من صفاته بجفاء، أو رد قوله بعد التأكد من صحة نسبته إليه، أو الشك في بعض قضاياه وأحكامه، أو مقارنته بالقادة والزعماء والملوك، فقد رفع الله قدره على الجميع، وأعلى منزلته على الكل.

بل يحرم كل من فهم الجفاء والنقص، والاعتراض عليه - صلى الله عليه وسلم -، والواجب مع على من رضي به رسولاً، واتبعه آمن به؛ حبه حباً صادقاً أعظم من حب النفس، والولد، والناس أجمعين.

وتصديق ما أخبر به، وامتثال ما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، والاهتداء بهداه، والاقتداء بسنته، والرضا بحكمه، والحرص على متابعته، وتوقير حديثه.

والصلاة والسلام عليه إذا ذكر - صلى الله عليه وسلم -، وعدم رفع الصوت عند ذكره وذكر حديثه، وعدم الضحك وقت تلاوة أخباره، وكلامه، وآثاره، والخشوع عند ذكر شيء من سنته، والتأدب عند الاستشهاد بقوله، والتسليم عند أمره ونهيه، والإيمان بمعجزاته، والذب عن جنابه الشريف، وأهل بيته وأصحابه، قال تعالى: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))[الأعراف: ١٥7].

فعلى المسلم أن يفعل فعل أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في التأدب معه، فمنهم من كان لا يتكلم عنده إلا بصوت خافض خاشع، وكان إذا تحدث كأن على رؤوسهم الطير، ومنهم من جلس في الطريق خارج المسجد لما سمعه يقول من داخل المسجد: (يا أيها الناس اجلسوا)[6]، ومنهم من لا يكلم ابنه حتى مات لأنه عارض حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[7].

 

4- طاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر:

قال تعالى: ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))[آل عمران: ٣١].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)[8].

فعلامة المحبة أن تطيع أمره، وتجتنب نهيه.

والآن يا حبيبتي في الله أجري اختباراً سريعاً لتعرفي كم حبك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

أمرك حبيبكِ بأن تغضي بصرك فلا تنظري إلى الرجال الأجانب، ولا إلى المسلسلات والأفلام المحرمة؛ فهل نفذت ما أمرك به حبيبك أيتها المحبة؟

· أمرك أيتها المحبة بالحجاب ارتديتيه؟

· أمرنا ببر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الجار؟

· أمرنا بترك الغيبة والنميمة فهل تركتيها؟

· أمرنا أمراً مهماً وهو صلاة الفجر؛ فهل تؤديها في وقتها أيتها المحبة؟

 

5- الغيرة على دينه وعرضه وسنته:

إن أي محب يغار على محبوبه؛ فينبغي أيها المحب لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن تغار إذا انتهكت حرمات الله، انظر إلى اليهود حين استولوا على القدس في عام (1967) عبروا عن فرحهم، وخرجوا في مظاهرات عارمة، وصاحوا قائلين: "محمد مات خلف بنات".

إنه الاعتقاد السائد لدى الغربيين عنا نحن المسلمين، أن رجال هذه الأمة ماتت في قلوبهم الغيرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودينه، وشريعته، وما فعلوه بعد ذلك من محاولات السب والتجريح، وإطلاق الرسوم الساخرة من نبينا - صلى الله عليه وسلم - أكبر دليل على ذلك.

إن هذه الكلمات، وتلك الأفعال؛ ينبغي أن تفجر في قلب كل محب لهذا الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - نار الغيرة عليه، وعلى دينه وسنته ليقوم ويصرخ في وجه الدنيا بأسرها: "محمد لم يمت بل خلف وراءه رجالاً ونساء يحملون هم هذا الدين، ويضحون من أجله بالغالي والنفيس".

ولكن مجرد صرختك لن تصل إلى هؤلاء، وإنما يصل إليهم فعلك الذي نريده أن يتمثل في ثلاث نقاط محددة حتى يكون له أبلغ الأثر في ردع أمثال هؤلاء:

· إصلاح حالك مع الله، والثبات على دينه، والتمسك بسنة الحبيب - صلى الله عليه وسلم -.

·أن تدل غيرك على الخير الذي هداك الله - تعالى- له بكتيب أو شريط، أو بكلمة طيبة، أو نصيحة صادقة.

· أن تعمل من أجل النبوغ والتفوق في مجال من مجالات النهضة، بحيث تكون رائدة فيه، وتصنع الحياة من خلاله تحت راية "لا إله إلا الله" حتى تنتشل أمتنا بسواعدنا من حضيض التخلف الذي تعيشه الآن.

 

6- مطالعة أخباره ودراسة سيرته في كل وقت:

فإن من يحب أحداً يريد أن يعرف عنه كل شيء، فماذا تعرف أنت عن حبيبك محمد - صلى الله عليه وسلم -؟

ولئن احتفى التافهون بسير اللاعبين واللاعبات، والراقصين والراقصات؛ أما تحتفي أنت بسيرة رسول رب الأرض والسماوات - صلى الله عليه وسلم -؟! إن استنشاق شذى سيرة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - سبيل عظيم لتربية النفوس وتهذيبها وفق منهج هذا الدين، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - إسلاماً يمشي على الأرض في أروع وأجل صورة يمكن أن تجد عليها بشر، فلو طالعت سيرته لرأيت العظمة مجسدة في إنسان، ولوجدت الرحمة والرأفة، والقوة والبأس؛ تمشي على قدمين، إنها الشخصية الوحيدة التي خلقها الله - جل وعلا -؛ وتجسدت فيها كل معاني القدوة الحسنة لكل البشر في كل جانب من جوانب هذه الإنسانية.

وهو أب وابن، زوج ورفيق، وأخ وصديق، قائد ورئيس، عابد وزاهد، مجاهد ومقاتل، مرب ومعلم، داعية وخطيب، عالم وفقيه.

إنها شخصية تحوي بين طياتها شخصيات، وقدوة تطوي بين جنبيها قدرات، فصلى الله على تلك المعجزة البشرية التي لا يقدر على صنعها إلا الذي يعلم حيث يجعل رسالته.

 

تزودي قبل الرحيل:

1- الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (من صلى علي حين يصبح عشراً، وحين يمسي عشراً؛ أدركته شفاعتي يوم القيامة)[9].

2- مطالعة كتاب في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل "نور اليقين في سيرة سيد المرسلين" للشيخ الخضري - رحمه الله -.

3- حصد ما تعلمتيه من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - للعمل على تطبيقها هذا الأسبوع.

4- عمل إيجابي لنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كتعليق ملصق في مدخل عمارتك عن سيرته، أو توزيع نسخ من شريط يتكلم في سيرته أو محبته، أو مطوية أو رسالة في ذلك.

______________________

[1] رواه البخاري.

[2] رواه مسلم.

[3] صححه الألباني في صحيح سنن النسائي.

[4] صححه الألباني في صحيح سنن النسائي.

[5] صححه الألباني في صحيح الجامع.

[6] صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

[7] هو ابن عمر حين عارض ابنه قوله - صلى الله عليه وسلم -.

[8] رواه البخاري.

[9] حسنه الألباني في صحيح الجامع.

http://islammemo.cc:المصدر