منهج قرآني في التعامل مع أخطاء المجاهدين(*)
عبد العزيز الجليل
إن الفتن العظيمة التي تموج اليوم في واقعنا المعاصر لَتفرضُ على المسلم أن يكون حذِراً يقِظاً متأنياً في أقواله وأفعاله ومواقفه؛ سائلاً ربه - عز وجل - الهداية للحق والثبات عليه. ومن أسباب الهداية للحق البصيرةُ في الدين وتدبّر كتاب الله - عز وجل - وسنَّة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والاستضاءة بهما في خضمِّ هذه الفتن التي تموج كموج البحر.
ومن هذه الفتن التي ظهرت في الآونة الأخيرة تلك المواقف المتباينة إزاء أخطاء بعـض المجاهـدين فـي الثغــور؛ ما بين مبرِّر لها ومدافع عنها وكأنه يدعي العصمة للمجاهـدين، وما بين مواقف مستعجلة من بعض الدعاة إزاء هذه الأخطاء لم يراعوا فيها التثبت أو لم يراعوا فيها مآلات أقوالهم وما يترتب عليها من المفاسد، ودون انتباه لما يقوم به العدو المتربص كافراً كان أو منافقاً من توظيفٍ لأقوالهم هذه في تبرير ضربهم للمجاهدين أو الشماتة بهم.
ولذا يتعيّن على كل من أراد لنفــسه الســلامة مــن الزلل والسقـوط في الفــتن، أن يتـرسّم القـرآن الكـريـم ويـتدبره ويجــعله منطلق مـواقـفه كلـها. وفـي كتـاب اللـه - عز وجل - آيات كريمة عظيمة ترسم لنا المنهج الحق العدل في التعامل مع أخطاء المجاهدين ووضعها في حجمها الطبيعي، دون أن يوظفها العدو في صــالحه، ومن هـذه الآيات قوله - عز وجل - : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْـحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 712].
وقبل أن نقف عند الدروس من هذه الآية وما فيها من منهج حاسم في التعامل مع أخطاء المجاهدين وأعداء المجاهدين، يحسُن بنا أن نقف على سبب نزولها كما جاء في كتب التفسير.
فقـد جـاء فـي روايات متعددة أنـها نـزلت فـي سريِّة عبد الله بن جحش - رضي الله عنه - وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه مع ثمانية من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار، ومعه كتاب مغلق، وأمره ألا يفتحه حتى يُمضي ليلتين، فلما فتحه وجد به: «إذا نظرت في كتابي هذا؛ فامضِ حـتى تنـزل بطـن نـخلة ـ بين مكة والطائف ـ ترصد لنا قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم..ولا تُكرِهَنَّ أحداً على السَّير معك من أصحابك».وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى، فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعاً وطاعة.ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أمضي إلى بطن نخلة أرصد بها قريشاً حتى آتيه منها بخبر، وقد نهى أن أستكره أحداً منكم؛ فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كرِه ذلك فليرجع، فأنا ماضٍ لأمــر رسـول الله - صلى الله عليه وسلم -. فمضـى ومضى معه أصحابه لم يتخلف أحد منهم، فسلك الطـريق علـى الحجـاز، حتى إذا كان ببعض الطريق ضلَّ بعير لسعد بن أبي وقـاص وعتـبة بن غـزوان - رضي الله عنهما - فتخلفا عن رهــط عبد الله بن جحش ليبحثا عن البعير، ومضى الستة الباقون؛ حتى إذا كانت السَّريَّة ببطن نخلة مرّت عِير لقريش تحمل تجارة، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون، فقتلت السَّريَّة عمراً ابن الحضرمي، وأسَرَت اثنين، وفرّ الرابع وغنمت العير. وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة؛ فإذا هي في اليوم الأول من رجب، وقد دخلت الأشهر الحُرُم التي تعظمها العرب، وقد عظمها الإسلام وأقرّ حرمتها. فلما قدمت السَّريَّة بالعير والأسيرين على رسول اللـه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام! » فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فلما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُقِط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال) ا. هـ[1].
يقول الشيخ السعدي - رحمه الله تعالى -ـ عند هذه الآية:
(ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسـرية عبد الله بن جحش، وقتلِهم عمرو بن الحضرمي، وأخذِهم أموالهم وكان ذلك ـ على ما قيل ـ في شهر رجب؛ عيّرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحُرُم، وكانوا في تعييرهم ظالمين؛ إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيّروا به المسلمين. قال - تعالى -ـ في بيان ما فيهم: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، أي: صدُّ المشركين مَنْ يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتُهم مَنْ آمن به، وسعيُهم في ردهم عن دينهم، وكفرُهم الحاصل في الشهر الحرام والبلد الحرام، الذي هو بمجرده كافٍ في الشر؛ فكيف، وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟!
{وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ}، أي: أهل المسجد الحرام وهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ لأنهم أحق به من المشركين، وهم عُمَّاره على الحقيقة، فأخرجوهم [منه] ولم يمكِّنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد.
فهذه الأمور كلُّ واحد منها: (أكبر من القتل) في الشهر الحرام؛ فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعُلِمَ أنهم فسقة ظلمة في تعييرهم المؤمنين. ثم أخبر - تعالى - أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضُهم في أموالهم وقتلهم، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفاراً بعد إيمانهم؛ حتى يكونوا من أصحاب السعير) ا. هـ.
ويقول سيد قطب - رحمه الله تعالى -ـ في هذه الآية أيضاً:
(نزلت هذه النصوص القرآنية فقطعت كل قول، وفصَلت في الموقف بالحق، فقبض الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأسيرين والغنيمة.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْـحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}..
نزلت تقرر حرمة الشهر الحرام، وتقرر أن القتال فيه كبيرة، نعم! ولكن:
{وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 712].
إن المسلمين لم يبدؤوا القتال، ولم يبدؤوا العدوان، إنما المشركون هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل الله، والكفر به وبالمسجد الحرام. لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل الله، ولقد كفروا بالله وجعلوا الناس يكفرون، ولقد كفروا بالمسجد الحرام وانتهكوا حرمته؛ فآذوا المسلمين فيه وفتنوهم عن دينهم طوال ثلاثة عشر عاماً قبل الهجرة، وأخرجوا أهله منه، وهو الحرم الذي جعله آمناً، فلم يأخذوا بحرمته ولم يحترموا قدسيته..
وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام.. وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند الله من القتل. وقد ارتكب المشركون هاتين الكبيرتين، فسقطت حجتهم في التحرُّز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام، ووضح موقف المسلمين في دفع هؤلاء المعتدين على الحرمات؛ الذين يتخذون منها ستاراً حين يريدون، وينتهكون قداستها حين يريدون! وكان على المسلمين أن يقاتلوهم أنّى وجدوهم؛ لأنهم عادون باغون أشرار، لا يراقبون حرمة، ولا يتحرجون أمام قداسة. وكان على المسلمين ألا يَدَعوهم يحتَمون بستار زائف من المحرمات التي لا احترام لها في نفوسهم ولا قداسة!
لقد كانت كلمةَ حق يراد باطل، وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرَّدَ ستار يحتمون خلفه؛ لتشويه موقف الجماعة المسلمة وإظهارها بمظهر المعتدي.. وهم المعتدون ابتداءً، وهم الذين انتهكوا حرمة البيت ابتداء..
هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون، لا يقيمون للمقدسات وزناً، ولا يتحرَّجون أمام الحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلقٍ ودين وعقيدة، يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء، ويخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام.. ! ثم بعد ذلك كله يتستّرون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم المحرمات والمقدسات، ويرفعون أصواتهم: انظروا ها هو ذا محمد ومَنْ معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام!) ا. هـ.
نخلُص من سبب نزول الآية والتوجيه الرباني فيها إلى الموقف السليم في التعـامل مع أخطاء المجاهدين المتمثل فيما يلي:
أولاً: عدم ادِّعاء العصمة للمجاهدين، بل هم بشر يخطئون ويصيبون، والخطأ لا يُدافَع عنه بل يُقال: إنه خطأ ومخالفة، وهذا ما ذكره الله - عز وجل - في الآية المذكورة وذلك بقوله - تعالى -ـ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْـحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ... }، فذكر - سبحانه - أن قتال المجاهدين في الشهر الحرام خطأ كبير، ولكن هذا الخطأ لا يُهدَر به جهاد المجاهدين وبلاؤهم الحسن ومقصدُهم الحسن في جهادهم؛ وهو ابتغاء مغفرة الله ورحمته، بل يُوضَع في حجمه الطبيعي. ولذلك ذكر بعض المفسرين أن الله - عز وجل - طيَّبَ قلوب هؤلاء المجاهدين المخطئين بعد ذلك بقوله - سبحانه - في السياق نفسه: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 812]. وهكذا يكون التعامل مع أخطاء المجاهدين بحيث يُنكَر عليهم خطؤهم ولا يُقَرُّون عليه، وفي الوقت نفسه لا يُنسى لهم بلاؤهم وجهادهم، وتنكيلُهم في عدوهم، وهجرُهم لأهلهم وأوطانهم، وهذا ما يتضح بجلاء في هديه - صلى الله عليه وسلم - في تعامله مع أخطاء بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أثناء جهادهم في سبيل الله - تعالى -.
فهذا أسامة بن زيد - رضي الله عنه - عندما قتل المشرك الذي شهد أن لا إله إلا الله بحجة أنه قالها متعوذاً وخوفاً من السيف، عاتبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عتاباً شديداً وأوقف أسامة على خطئه، ومع ذلك بقي هو حِبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقيت مكانته عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تتغير، حتى إنه أمَّرَه قبيل وفاته - صلى الله عليه وسلم - بالجيش المعروف بجيشِ أسامة؛ ومعه أبو بكر وعمر، - رضي الله عنهما -.
وهذا خالد بن الوليد - رضي الله عنه - عندما عنّفه النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبرأ من فعلِه وقَتْلِه لمن أظهر الإسلام من بني جذيمة، لم يمنعه ذلك من إبقائه في قيادة العمليات الجهادية المتتالية في عهده - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر وعمر، - رضي الله عنهما -.
فهل بعد هذا الهدي النبوي في تعامله مع أخطاء المجاهدين من عُذرٍ لبعض الدعاة ـ هداهم الله ـ الذين ينسون جهاد المجاهدين وبلاءهم الحسن، ويسعون إلى إقصائه بمجرد أن يصدر منهم خطأ ومخالفة شرعية في قولهم أو فعلهم؟! إن هذا ليس العدل! يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله - تعالى -ـ في تعليقه على قصة عبد الله بن جحش وما نزل فيها من الآيات القرآنية: (والمقصود: أن الله سبحانه - حَكَم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرِّئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام؛ فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة ولاسيما أن أولياءه كانوا متأوِّلين في قتالهــم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل:
وإذا الحبيبُ أتى بذنب واحدٍ *** جاءت محاسنُه بألف شفيعِ
فكيف يقاس ببغيضٍ عدوٍ بكل قبيح، ولم يأتِ بشفيع واحد من المحاسن؟)[2].
وفي ختام هذه الفقرة، أوصي إخواني المجاهدين بأن يتقوا الله - عز وجل - في جهادهم، وأن يبذلوا الوِسع في توقِّي الذنوب وما يُسخط الله - عز وجل - فإن الذنوب أخطر على المجاهدين من عدوهم، وهي سبب الهزائم والخذلان، ويكفينا تذكُّرُ ما حصل للمسلمين في غزوة أحد. وإن من أخطر وأكبر الذنوب التي تهدم الجهاد وأهله؛ التنازعَ والتفرق المؤديين إلى الاستهانة بالدماء المعصومة والتعلقِ بأدنى شبهة لاستحلالها؛ وإذا كان الله - عز وجل - سمّى قتلَ المشركين المحاربين في الشهر الحرام كبيراً {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}؛ فكيف بقتل مسلم لأدنى شبهة؟!
إن مثل هذه المخالفات الكبيرة لهي من أسباب فشل المشروع الجهادي وهزيمته من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يصب في مصلحة الكافر المعتدي والمنافق المتربص؛ حيث يفرحون بها ويشمتون بها، ويوظفونها أحسن توظيف لهم في حربهم على الإسلام والمسلمين.
فاتقوا الله أيها المجاهدون في جهادكم وفي أمتكم: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 64].
ثانياً: ومن المواقف المهمة المستوحاة من الآية الكريمة في الحديث عن أخطاء المجاهدين، الحذرُ الشديد من توظيف الكفرة والمنافقين الكلامَ عن أخطاء المجاهدين في الشماتة بهم وبالمسلمين، وبالتنفير من الجهاد وأهله.
ولقطع الطريق على الكفرة والمنافقين من توظيف الحديث في صالحهم والتنفير من المسلمين والمجاهدين؛ نرى في الآية الكريمة أن الله - سبحانه - عندما ذكر أن القتال في الشهر الحرام كبيرة؛ أتبعه في الآية نفسها بالتشنيع على الكفار وما يقومون به من العدوان والصـد عن سبيـل الله - تعالى -ـ مما هو في جُرْمِه وشناعته أكبرُ وأشد من خطأ المجاهدين، ويوضح الله - عز وجل - ذلك في قوله - تعالى -ـ: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ.. } [البقرة: 712].
أي أن ما يقوم به الكفار من صدِّ الناس عن سبيل الله وكفرِهم بالله وإخراج المسلمين من المسجد الحرام والشرك بالله، (أكبر عند الله من القتل).
وبهذا يُقطَع الطريق على الكفرة والمنافقين من أن تتم فرحتهم بأخطاء المجاهدين؛ بأن تُذكر فضائح الكفار وعدوانهم وصدهــم عــن سبــيل الــله - عز وجل -، وعنـــدئذٍ لا يستطيعون استغلال الحديث في صالحهم ضد المسلمين.
فيا ليت إخواننا الدعاة الذين يتحدثون اليومَ عن أخطاء المجاهدين، ينهجون هذا المنهج الرباني؛ فيقرنون حديثهم ونقدهم لأخطاء المجاهدين بذكر ما هو أكبر وأشنع؛ مما يقوم به اليومَ الكفرة الغزاة وأولياؤهم والمنافقون من قتلٍ وتشريدٍ وسجن وتجويع وحصار خانق على المسلمين، وصدٍّ عن سبيل الله - عز وجل -؛ وقبل ذلك كفرهم بالله ومحادَّتهم للإسلام وأهله في بلاد العراق وأفغانستان والشيشان وفلسطين والصومال.
هذا هو المنهج القرآني المستوحى من آية البقرة الآنفة الذِّكر.
أما أن يُفرَد المجاهدون بالنقد، ويُترَك الكفرة المعتدون والمنافقون الخائنون لا تُذكر فضائحهم، ولا يذكر عدوانهم وإرهابهم وصدهم عن سبيل الله؛ فهو من جانبٍ: منهجٌ جائر ينظر بعين واحدة. ومن جانب آخر: يسهِّل الطريق على الكفرة الغزاة والمنافقين معهم في الشماتة بالمجاهدين، ويوظِّف ذلك في مصالحهم وأهدافهم وخططهم.
أسأل الله - عز وجل - أن ينصر المجاهدين في كل مكان، وأن يجنِّبهم شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، وأن يؤلِّف بين قلوبهم، ويكبت عدوهم من الكفرة والمنافقين، والحمد لله رب العالمين.
----------------------------------------
(*) أقصد بالمجاهدين هنا أولائك الذين قاموا بأداء فريضة العين؛ وذلك بجهاد الدفع عن البلاد التي غزاها الكفرة واحتلوها، كما هو الحال في أفغانستان والعراق والشيشان وفلسطين.
[1] انظر كتب التفسير عند هذه الآية.
[2] زاد المعاد، 3/170.