دعوها فإنها مُنتنة
مساكين هي شعوبنا الإسلامية المغلوبة على أمرها، فلا تكاد تُطفأ نار للحرب أشعلها الأعداء حتى تبدأ شرارة لإيقاد نار أخرى في بقعة أخرى تأكل الأخضر واليابس، مشعلوها هم أنفسهم من أشعل الفتن وأوقد نيران الحروب من أيام الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - إلى الفتن التي جرت في عهد صحابته الكرام إلى يومنا هذا، والخاسر في البداية والنهاية أبناء الدين الواحد. والمؤسف أن الأمة لم تستفد من تجاربها الماضية، ولا اتعظت من لدغة الجحر نفسه مراراً وتكراراً رغم وصية الشرع لها ألا تلدغ من جحر مرتين، فمع أنها عرفت عدوها وخبرته، وعرفت أساليبه وخدعه إلا أنها تسقط كل لحظة في أحابيله، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
نصبح هذه الأيام ومجالس المكر قد عقدت تحت رايات الإلحاد والكفر، تخطط وتدبر بليل لتوقع بين الأشقاء في بقعة عزيزة من أرض الإسلام، كانت في الأيام الخوالي ميادين نزال للفرسان الموحدين، وعلى أرضها مزقت رايات الكفر الحاقدة حتى اندحرت، وأبدلها الله برايات التوحيد الخفاقة. عاش في وديانها وعلى ضفاف أنهارها وبحيراتها إخوة متحابون، تقاسموا حلو الحياة ومرها، كانوا شعوباً وقبائل فتعارفوا وتحابوا وتصاهروا بقول الحق وكلمة التوحيد، حتى غدوا أمة واحدة كرداً وتركاً، إنهم أبناء صلاح الدين قاهر الصليبين، ومحرر بيت المقدس من ظلم المجرمين، وهم أبناء السلاطين من آل عثمان المكرمين، الذين فتحوا القسطنطينية ونشروا عدل الإسلام، ما بالهم اليوم يستمعون لوساوس الخناس، ويستجيبون لنداءات أبناء القردة والخنازير، لينادوا: السلاح السلاح، وكأنهم عن أمر ربهم غافلون، وعن توجيه نبيهم معرضون، ولدروس التاريخ منكرون؟! أين هم من قول الحق- تبارك وتعالى -: {وَقُل لعبادي يَقُولُواْ التي هي أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَـانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَـانَ كَانَ لِلإِنْسَـانِ عَدُوّا مُّبِينًا} [الإسراء53].
وأين هم من توجيه نبيهم العظيم - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه".
وعن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابن عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ يعني عليًّا ـ قال: فقال لي: يا أحنف، ارجِع، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قال: فقلت أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه قد أراد قتل صاحبه".
ولعمر الله لا أدري كيف يهدأ لمسلم بال، أو يقر له جفن على حال، وهو يعد العدة لقتال أخيه المسلم الجار، بغض النظر عن جنسه أو أصله أو لونه؟!
إنها دعوة قومية منتنة منبعها اتباع وساوس الخناس، لا تليق بأتباع محمد بن عبدالله - عليه الصلاة والسلام - بأية حال، فلقد أمر الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بتركها والابتعاد عنها بقوله "دعوها فإنها منتنة". وتوعد بقوله: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم".
إننا أيها الأخيار في هذه الفتنة نأمل من العقلاء والخيرين من الكرد والترك، ومن هم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - يعملون، أن يتحركوا على وجه السرعة لإطفاء نار ستهلك الحرث والنسل، لا أشعلها الله.
ونأمل من عقلاء العالم الإسلامي والدعاة ورابطة العالم الإسلامي والجمعيات الإسلامية وحقوق الإنسان أن يتحركوا جميعاً على وجه السرعة، للقضاء على الفتنة، وللتقريب بين إخوتهم قبل أن يستفحل الأمر ويفوز العدو الجائر بالغنيمة، خيرات البلاد، وخلق العداوات، وتفريق الجماعات.
كما نأمل من القيادات السياسية ومن بيدهم القرار في الشعبين الشقيقين أن يتقوا الله في شعوبهم، وأن يقدموا صوت الحق والعدل والسلام على ضجيج السلاح وأزيز الطائرات، التي تخلف القتل والحرق والتدمير.
كما نرجو من كل مسلم غيور على إخوانه أن يكثر من الدعاء والابتهال إلى الرب الرحيم ليطفئ نار الفتنة، ويكشف الغمة، ويوفق لإقامة العدل. ألا ليت قومي يعلمون! ..
22 /10/ 1428 هـ
03 /11/ 2007 م