في سن العامين أنا أتحرك إذن أنا موجود

أ. وفاء أبو موسى

 

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشكر القائمين على هذا الموقع جعل الله ما تقومون به في ميزان حسناتكم، مشكلتي تتعلق أولاً بابنتي التي عمرها سنة و6 أشهر؛ فهي شقية جداً، ودائمة البكاء على أي شيء، وتجعلني أخرج من طوري، وأمد يدي عليها في بعض الأحيان؛ فعندما أكون بالمطبخ تذهب إلى غرفة الجلوس، وتفتح الأدراج، وتخرج كل شيء، ثم أنبهها وأعيد كل شيء إلى مكانه، ثم تذهب إلى التليفون وترميه على الأرض، ثم إلى التلفاز، ثم أوراق أبيها الخاصة، ثم إلى دولاب المطبخ، وعندما أمنعها من هذا الشيء تبكي وتتعلق بي بشده، وهذا يجعلني أحملها، ودائماً إذا وبختها تريني أصبعها، وتتألم لكي أنتبه إليها، وأنا متأكدة أن لا شيء في أصبعها ولكن هذه العادة تكررها مراراً خلال اليوم، حتى عندما تستيقظ تريني أصبعها وتتألم لا أعرف لماذا؟

وعند الأكل هذه معركة أخرى، فهي لا تقبل أن أضعها في كرسيها فتجلس تبكي طوال الوجبة، وتقذف بالأكل، وتسكب العصير على الأرض، وعلى ملابسها، تحب أخاها الذي يكبرها (عمره 4 سنوات) وهو يحبها جداً ويلعبان معاً.

أشعر أنني أطلت عليكم، ولكن مشكلتي مع ابنتي أنها شقية لأبعد حد، ولو تركتها في غرفه الجلوس لمدة قليلة أرى كل الدنيا مقلوبة، أريد معرفة أساليب التربية في هذا السن (مع أن أخاها هادئ جداً ولله الحمد) وكيفية جعلها أهدأ مع أنها اليوم تقريباً طوال الوقت تبكي؟ أقل شقاوة؟ في الأكل وتخريب المنزل، نحن لا نخرج كثيراً بحكم الغربة، فقط للتسوق ونادراً ما نزور أحداً، والدها يحبها جداً ويدللها كثيراً فعندما تشتكي له من أصبعها يبدي خوفه ولا يريدها أن تبكي، ما الحل أرجوكم أعصابي تلفت كثيراً، وأنا أرى هذا التناقض بين سلوكها وسلوك أخيها عندما كان في سنها؟ آسفة جداً على الإطالة.

 

الحل:

عزيزتي الأم:

الطفل الشقي غالباً ما يمتلك ذكاءً عالياً، وهنا سأحاول توضيح بعض القضايا الخاصة بالطفل التي تدفعه ليقوم بتلك السلوكيات الغير مرغوب فيها:

أولاً الطفل والغربة:

الطفل في كنف العائلة المغتربة يعيش حياة مستقلة نوعاً ما، تساعده على تطور شخصيته بشكل جيد، وينمو في ظل متغيرات تدفع بنموه إلى الاعتماد على الذات والاستقلالية، وهو شخص مبادر في أغلب الأحيان.

للغربة شق آخر وهو سلبي على الطفل أن العائلة المغتربة غالباً عائلة منعزلة عن المحيط نوعاً، وهو ما يجعل أطفالها قليلي الاختلاط بالآخرين، مما يترك لديهم الوقت الكثير مع أنفسهم ومع البيت الذين يعيشون فيه خاصة عندما ينشغل الأب والأم عنهم في أغلب الأوقات، مما يفتقدهم كثيراً من أوجه الترفيه التي من شأنها أن تطور من نمو شخصياتهم بشكل أفضل.

لذلك يعاني بعضهم من الحركة الزائدة، أو الانعزال والانطواء، كما يعانون من افتقادهم لجل اهتمام الوالدين بحجة العمل المستمر، كل تلك العوامل الاجتماعية لها مردود نفسي على الطفل يظهر في شكل الأعراض التالية:

• كثرة الحركة وعدم الاستقرار، أو الانطواء والانزواء.

• العصبية الزائدة أو البرود والتبلد.

• استخدام العنف في السلوك أو إبداء سلوكيات اللامبالاة.

• التفكير في اكتشاف الأشياء بشكل غير ملائم (كقلب الديكورات، والتفتيش في الأدراج، واللعب في الأوراق).

• الالتصاق الشديد بأحد الوالدين أو كليهما.

تلك الأعراض التي تظهر على سلوك الطفل ليس مرضية إنما هي سلوكيات مؤقتة في ظرف مؤقت، فإذا تم تغيير هذا الظرف تغيرت سلوكيات الطفل نحو الإيجابية، إذن تلك السلوكيات ما هي إلا إشارات تنبثق من ذات الطفل للمحيطين به كوميض هدفه جذب الانتباه (انتباه الوالدين والأسرة) أي أنني كطفل لدي مشكلة عليكم الانتباه لها، ومساعدتي لأنها تشكل توتراً وقلقاً بالنسبة لي، فالكبار يعبرون عما يؤلمهم أو يقلقهم بالكلام لأن قدرتهم على التعبير اللغوي ناضجة، أما الأطفال فيعبرون بالحركة لأن قدرتهم اللغوية لم تنضج بالمستوى الكافي لتعبر عما تخفيه أنفسهم، فهم نفسهم لا يدركون مخاوفهم، ولا يعرفون معناها ولا مبرراتها، وحركتهم الزائدة واستخدامهم السلوك العنيف طبيعي لذواتهم في تلك الحالة.

عزيزتي الأم:

يبدو لي من رسالتك أن طفلتك في غاية الذكاء، لأن الأذكياء لا يستجيبون لتعديل السلوك باستخدام الضرب أو العنف كالتوبيخ مثلاً، والعنف في التربية نتائجه سيئة على مستقبل شخصية الطفل، طفلتك بأشد الحاجة لمساندتك لها ومساندة أبيها أيضاً عليكما محاولة إتباع الخطوات التالية معها:

- ملاطفتها والتقرب منها في الوقت المناسب.

- فهم احتياجاتها وهواياتها الشخصية وتنميتها.

- تقبل السلوك الخاطئ منها، وضبط الأعصاب خاصة وقت المشكلة.

- جعلها تتحمل مسئولية خطأها، وتعديله بنفسها قدر الإمكان.

- مناقشتها بالخطأ في وقت تكون الحالة الانفعالية لها جيدة.

- أوصي باستخدام القصة قبل النوم للطفل، وأن تكون القصة من خيال الأم أو الأب، وتتحدث عن أشياء تلمس سلوكيات الطفل ومعالجتها بشكل ترفيهي جميل.

- مهما كانت درجة انشغال الوالدين في العمل عليهما تنظيم الوقت من أجل سلامة الأسرة، والجانب الترفيهي مهم للطفل على الأقل في العطلة الأسبوعية، وهام جداً له الاندماج مع الأطفال من حين لأخر.

وتضيف أ. مديحة حسين:

عزيزتي الأم أقدر ما قالته أ. وفاء حول حال الطفل في الغربة، وهو أمر قلما تنتبه له كثير من الأمهات خاصة المغتربات حديثاً ممن ليس لديهن خبرة، وإذا أضفنا إلى ذلك أنك أم صغيرة ووحيدة في الغربة، لا تجدين العون من دعم الأهل بخبرتهم ولا مساعدتهم في رعاية الأطفال ولو لبعض الوقت لوجدت لك كل التعاطف.

لكن عليك أن تهدئي، فهدوئك سيعطيك القدرة على التحمل والروية في اتخاذ القرار، والاستماع بتربية أبنائك حتى الجانب المرهق منه، وهذا الهدوء يأتي من عدة جوانب:

1- معرفة خصائص المرحلة العمرية التي تمر بها طفلتك.

2- وكيف تتعاملين معها وكيف تمتصين طاقتها.

3- وكيف توازنين بين رعايتها ومهامك الأخرى.

4- وكيف تتغلبين على معوقات البيئة التي تعيشين فيها.

لن أفرد في خصائص هذه المرحلة، وسأورد لكِ بنهاية الرد موضوعات فيها المزيد عن هذا الأمر؛ لكن الأهم أن تدركي أن الطفل حين يشعر بأول انطلاقة لساقيه يشعر بأول قدرته على الاستقلال عن الأم؛ فيبدأ في تدعيم هذا الشعور واختباره، ومع ذلك يعود للالتصاق بأمه خوفاً من فقدانه لحمايتها وعطفها وحنانها، وهو ما تعبر عنه بألم أصبعها، فاربطي على ظهرها واحتضنيها وأكثري من لحظات المرح، ومشاركتك الألعاب والأشغال، فبدلاً من تركها في الغرفة وحيدة وأنتِ في المطبخ خذيها للمطبخ، واجعلي لها كرسياً آمناً مثل كرسي الطعام، وضعي لها عليه قطعة من العجين لتشكله، وتساعدك في صنع الكيك أو الخبز، واحكي لها كل شيء تصنعيه، وعرفيها على المواد المختلفة والخضراوات لتشاركك الاهتمام، وتتعلم في ذات الوقت وتوظف طاقتها في المفيد، وأعطيها فوطة لتمسح في النهاية كرسيها قبل الخروج من المطبخ لتتعلم المسئولية بمرح وحب ولتدعمي علاقتك بها.

اجعلي بيتك صديقاً لابنتك، وكيفيه عليها لا تكيفيها هي عليه، أحسني غلق الأدراج، أو نزع مقابضها، وأخفي ما تخشين عليه، وخصصي لها كراسة وألواناً، فإذا طلبت أوراق والدها فقولي لها بمرح هذه: كراسة فراشتي، واستمتعا معاً بالشخبطة، وعلقي رسوماتها على الثلاجة وعلى الأبواب، واجعليها تشاركك التنظيف بإعطائها فوطة، وعلميها كيف تمسح المنضدة في دوائر ستسعد وتتعلم.

أما عن تنظيم أولوياتك فاجعلي الأولوية الأولى لرعاية أطفالك، أما الباقي فابتكري في إنجازه، إما في تفويض مسئوليته أو اختصار الوقت المنفق فيه، أو الاستغناء عنه إذا لم يكن ضرورياً.

ولا تنسي حظ نفسك من الاسترخاء بحمام دافئ مع كوب من المشروب الدافئ، وتلاوة القرآن والقراءة والتذكر حتى ولو نصف ساعة يومياً بعد نومهم، أرجو أن أكون قد أفدتك، وأضفت ما يستحق بعد كلام أ. وفاء أكرمها الله.

ويمكنك مطالعة الموضوع المعنون "مفاجأة.. ابن سنتين أيضاً له أنشطته"، كذلك طالعي الروابط الموجودة أسفل الاستشارة، أعانك الله على حسن تربية طفلتك، وتابعينا بأخبارك.

- طفلي والكهرباء اجعلي بيتك صديقاً له.

- في سن العامين.. الحياة لعبة!

- طفلي يصرخ أفهموني أستجب لكم - متابعة.

- غربة وأمومة لأول مرة.

- لعب الأطفال.. نمو.

- أمي: ارحمي غيرتي وغربتي.

- برنامج مميز للوقت المميز.

- علاج الغيرة بإعادة ترتيب الأولويات.

- 2000 أمر يومي لابن السنتين.

http://www.islamonline.net:المصدر