مع المراهق عد إلى البداية

أ. نيفين عبدالله صلاح

 

السؤال:

لدي ابن مراهق يبلغ من العمر 14 سنة، كتوم وصبور، ولا يتحدث كثيراً، ونظن أن شخصيته حسب تقسيمات شخصيات التنمية البشرية: أنه ودود، محلل، كما أنه عنيد منذ صغره.

قد نكون تعاملنا معه بصورة غير صحيحة في بعض الفترات العمرية لعدم العلم بالطريقة الصحيحة للتعامل، فهو عندما يكون معترضاً على شيء يفعل أشياء لا نحبها مثل اللعب على الجيمز، والإنترنت فترات طويلة جداً قد تصل إلى عشر ساعات متواصلة، وبدأ في الفترة الأخيرة عدم المواظبة على الصلاة، بل إنني أجزم أنه تركها تماماً في الفترة الحالية بالرغم من أننا في رمضان، ويكثر من لعب الجيمز حتى في رمضان، وقد يسهر طوال الليل يلعب ولا ينام إلا قبل أن يؤذن الفجر، وقد ظننت أنه يفعل ذلك لأنه يعلم أن ذلك يجعل والديه غير راضين.

ومن صفاته أنه إذا لم يسترح من شيء ولو صغير جداً يقوم بأعمال مثل التي حكيت عنها، أو أخرى على نفس الخط، ومن أمثلة ذلك أنه ظل سنة دراسية كاملة لا يقوم بالمطلوب منه دراسيّاً بالرغم من سهولته، خاصة أننا أدخلناه التعليم الأمريكي لكي يكون أسهل نسبياً خاصة في السنة الأولى، ولكن عدم وجود كراسي جيدة في المدرسة، أو تأخره في العودة؛ يجعله يعلن اعتراضه كما فهمنا بصورة التمادي في لعب الجيمز أو غيرها.

وقد طلب منا في الفترة الأخيرة آلة موسيقية "الجيتار"؛ لأن له أصدقاء عندهم هذه الآلة، وقد أعجبته، ويقول: إن لديه موهبة اكتشفها مؤخراً وهو ينوي تطويرها، كما اكتشف أن صوته جميل، وأنه يحتاج إلى تنمية، لذلك يحتاج إلى شراء هذه الآلة.

مبدئياً قلت له: لا مانع من تعلم الموسيقى، ولكن إحضار هذه الآلة إلى المنزل قد يكون غير صحيح؛ لأن صوته عال ومزعج، ولكنه لم يقم بتعلم هذه الآلة، ويصر على شرائها، ويقوم بنفس الأمور من الإكثار من لعب الجيمز والسهر في رمضان حتى الفجر، وترك الصلاة، وقراءة القرآن حتى منذ فترة، وأنا أخشى عليه من أن يكون تعلمه هذه الآلة دافعاً للانحراف، وخاصة أن أصدقاءه ليسوا على المستوى الجيد من التدين، ولم نفلح في إيجاد أصدقاء متدينين له، بل إنه يهرب من أمثال هؤلاء بحجج مختلفة فما رأيكم؟ هل أشتري له هذه الآلة؟ وهل أربطها بتفوق دراسي مثلاً أو غير ذلك؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

 

الحل:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سأبدأ من حيث جملتك الدالة: "أعتقد أننا تعاملنا معه بطريقة خاطئة نظراً لأننا لم نكن نعرف".

أخي الكريم..

صحيح ما ذكرت من أننا كثيراً ما نتعامل بطريقة خاطئة مع الأبناء نظراً لأننا لا نعلم؛ فكثير منا لا يعلم الكثير عن خصائص المرحلة التي يمر بها أبناؤنا؛ ولا سماتهم الشخصية المميزة؛ ولا ميولهم المفضلة؛ ولا ذكاءاتهم الأعلى، ولا أي شيء مما أحب أن أطلق عليه "كتالوج" الطفل، فضلاً عن معدم معرفتنا ببعض المهارات والأدوات الوالدية اللازمة لتكفل لنا أرضاً مشتركة من التفاهم والعلاقة.

وفعلياً تعد معرفة الكتالوج هي المحطة الأولى وليست الأخيرة؛ حيث إن هذه المعرفة لا تساوي أي شيء ما لم ينبنِ عليها خطة عمل، وتستخدم في البحث عما يوافقها من طرق للتفعيل والتنمية، أما أن نسمي الابن شخصية كذا؛ أو كذا أو كذا فلا يفيد في كثير أو قليل، وهذا في حقيقة الأمر هدف القيام بأي نوع من التشخيص أو التقييم: المعرفة الدقيقة لبناء خطة عمل.

ولذا أعتقد أخي الكريم أنني أود أن أعود بك للوراء قليلاً، وأستأذنك أن تبدأ في فهم ابنك فهماً حقيقياً عن قرب؛ ودعنا نكون عوناً لك في ذلك؛ حاول أخي أن تعرف عن المراهقة معرفة تكفل لك أن تفهم ما يمر به ابنك؛ حاول أن تعرف احتياجاته الوجدانية الأساسية التي بتلبيتها تكبر احتمالية السلوك الصحيح، حيث إنه من المعلوم أن "كل سوء سلوك وراؤه احتياج غير ملبى"، وهو ما يجعلنا نجد ونجتهد في التعرف على الاحتياجات التي تكمن وراء السلوك الظاهر لنتعامل مع السبب الرئيسي وليس العرض الذي يظهر.

إذن أجمل لك:

تجاوز مسألة "الجيتار" الآن، وابدأ من الخلف، حيث معرفتك معرفة حقيقية بابنك؛ وبناء علاقة قوية تسمح لك بالتواصل معه، ولا أخفيك تطل علامات احتياج لبعض القوانين التنظيمية في أسرتكم، ووضع عواقب للاختيارات؛ فالحياة دون قوانين واضحة وعادلة تمثل مشكلة كبيرة.

وربما تسألني: ماذا عن المشكلة القائمة الآن؟

أقول لك على خط النار أخي لا يوجد تدريب؛ فأعتقد أن التدريب على الاختيار الصحيح، وكيفية اتخاذ القرار الصحيح - الذي أعتقد أنه لب التربية - لا يكون أثناء مواجهتنا مع مشكلات الأبناء على خط النار؛ وإنما يكون على مدار اليوم والليلة، وما مواقف المواجهة إلا تدريب بالذخيرة الحية.

عد أخي لتدرب ابنك على كيفية اتخاذ القرار؛ وكيفية التعبير عن الغضب أو غيره من المشاعر السلبية، ولن يتم ذلك إلا ببدء رحلة فهم حقيقية له، وبناء علاقة معه تكفل لك القيام بهذا الدور التدريبي المهم جداً جداً.

ونحن معك، عد إلينا لتخبرنا بالمزيد عن علاقتكم بابنكم؛ وما تلاحظونه عليه؛ سلوكياته عموماً؛ والجديد في حياته هذه الفترة لندقق معاً، ونفهم معاً، ونتحرك معاً.

أعتقد أخي أن السؤال الأجدى والأهم لن يكون أنشتري الجيتار أم لا نشتريه؟ وماذا بعد الجيتار؟ ألن يكون هناك أشياء أخرى يريدها ويلعب جيمز وقتاً طويلاً من الساعات ليصل لها؟! ألن يواجه الكثير من الأمور المتشابهة مع الجيتار؛ ألن يقوم في رأسه عدد آخر من الأفكار يود أن ينفذه؟

أخي

ننتظر منك المشاركة في رحلة بناء العلاقة والفهم لابنك.. نحن معك، والله المستعان.

http://www.islamonline.net:المصدر