الطفل العدواني هل الضرب يردعه؟

 

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد:

أرجو من سعادتكم إفادتي بمشكلتي التالية: لديَّ طفل يبلغ من العمر سنتين ونصف يعاني من عصبية، ويقوم بضرب الأطفال الأصغر منه بطريقه عدوانية، ويعاود ذلك مع تكرار العقاب له، كذلك يقوم بتخريب الأشياء وتكسيرها، وهو أول طفل لديَّ يحب اللعب كثيراً وهو ذكي أيضاً، أستخدم معه أساليب عقاب مثل حرمانه من ألعابه عندما يقوم بأخطاء، كذلك يضع أشياء في فمه لا يحبها، وأيضاً أقوم بضربه لأنه يفقدني أعصابي، وهو ما جعله يخاف مني عندما أقبل لأضربه، ويضع يديه على عينيه مع أنني ووالده نعيش حياه سعيدة، وشكراً.

 

الحل:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

سيدتي الفاضلة دعيني أولاً ألخص سؤالك في عدة نقاط:

- العصبية الشديدة.

- العدوانية وتخريب الأشياء من حوله.

- الخوف منك في حالة عقابك له.

بالرغم من إنها عدة نقاط قد تبدو متفرقة ولكن يجمعها سبب واحد وعلاج واحد، دعيني أشرح لك الأمر بشيء من التفصيل:

الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة وما بعد الفطام هو "عجينة ليِّنة"، نشكلها نحن الآباء والأمهات بأصابعنا، وحتى لا أبدو كمن يحكي ألغازاً إليك مثال حسي لما أقول: النحات حينما ينحت تمثالاً معيناً أو مزهرية أو ما شابه من الطين ماذا يفعل، إنه يقوم بعدد من الخطوات التي تلي إحداها الأخرى.

1-: يفكِّر ويقرِّر ماذا يريد أن يصنع من هذه المادة التي بين يديه (مزهرية - لوحة عليها آيات قرآنية - تمثال: أي تمثال... إلخ).

2- يختار المادة الخام.

3- يعد المادة الخام بحيث تصير قابلة للتشكيل.

4- يشكِّل المادة الخام باستخدام بعض الأدوات والمواد المساعدة.

5- يقوم بالتعديلات النهاية FINISHING PROCESS فيجمِّل منتجه بالألوان أو التفاصيل الدقيقة.

هكذا الطفل الذي منَّ الله تعالى به علينا، ووضعه أمانة بين أيدينا نُسأل عنها يوم يقوم الأشهاد.

علينا أولاً أن نضع له تصوراً في أذهاننا ماذا نريد منه؟ هل أدبته كي يكون عالماً فقيهاً من ورثة الأنبياء، أم كي يكون إنساناً عادياً يأكل ويشرب ويعيش لا همَّ له سوى لقمة عيش؟ هل أريده لاعب كرة أم ملاكم كبير؟ هل أريده عالماً حائزاً على جائزة نوبل في العلوم أم أديباً يلهب الجماهير بعذب كلامه، وبريق سمعه، ونظم شعره؟

لا تتعجبي سيدتي، هكذا علمنا الصحابة والصحابيات الكرام - رضوان الله عليهم جميعاً -، هذا ما كان يدور في ذهن السيدة أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - عندما كانت تربِّي عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - ماذا أريده أن يكون؟

أليست الكلمة المأثورة لأجدادنا التابعين - رضوان الله عليهم -: "نربي أبناءنا ليعبدوا الله من بعدنا".

الهدف كان واضحاً وجلياً جلاء نور الشمس في السماء الساطعة، وبالتالي سيدتي: لم يكن تعاملهم مع صغارهم نابعاً من الفعل ورد الفعل، هو أخطأ فيُضرب، هو ضرب ألعابه فأحرمه منها، هو تعامل مع أصدقائه بأسلوب سيئ فأضع مر الطعام في فمه.

تعالي معي يا سيدتي لنتجول سويّاً في بستان السيرة العطرة؛ ليعلمنا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - كيف نتعامل مع الصغير الذي أخطأ.

قصة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع سيدنا أنس - رضي الله عنه -:

قَال أَنَسٌ كَانَ رَسُول اللهِ - صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ - مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلقًا، فَأَرْسَلنِي يَوْمًا لحَاجَةٍ فَقُلتُ: وَاللهِ لا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ - صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ -، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُول اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَال فَنَظَرْتُ إِليْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَال: يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ قَال: قُلتُ نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُول اللهِ، قَال أَنَسٌ: وَاللهِ لقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلمْتُهُ قَال لشَيْءٍ صَنَعْتُه: لمَ فَعَلتَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلا فَعَلتَ كَذَا وَكَذَا.

لم يكن هناك من كان سيعترض على ضربه - صلى الله عليه وسلم - لأنس - رضي الله عنه -؟ ولكن هل الضرب علاج؟ هو محاولة منا نحن الكبار لإثبات قدرتنا على الإمساك بزمام الأمور، ولكن حتى وإن أثبتنا فعلاً قدرتنا المزعومة هذه هل نظرنا إلى أضرار ومضار الضرب على المدى البعيد، أنت تروِّعينه.

الآن: ابنك يخاف منك، يضع يديه على عينيه، إنها البداية لتدهور العلاقة فيما بينكما.

سيدتي.. احذري وقفي قليلاً، فالحمد لله ما زال ابنك صغيراً، وما زالت الفرصة قائمة لإصلاح الوضع، عليك أولاً:

- تحديد هدفك من التربية للتعامل مع ابنك على أساسه.

- يقيناً أنك لا تريديه شخصية هزيلة خانعة خائفة مترددة غير واثقة من نفسها، فإن كنت تريديه غداً رجلاً صالحاً مصلحاً، هادياً مهتدياً فعليك أن تضعي هذا الهدف نصب عينك في كل لحظة.

عليك الآن بعد تحديد هدف التربية أن تنظري في القمة التي بين يديك، إنه عجينة لينة تتكَّشل كما تحبين وترغبين، كل ما عليك هو معاملتها بالحسنى، وبهدوء، وصبر، وأناة دون عصبية.

وإليك بعض النصائح علَّها تكون الأدوات والمواد المساعدة في عملية التشكيل التربوية لعالم الغد القريب - بإذن الله تعالى - أنبته الله نباتاً حسناً.

عليك بالتزام الهدوء أثناء تعاملك معه، وتذكري أنها سمات الطفولة، ابنك ما زال طفلاً لا يدرك الصحيح والخطأ، عليك أنت إرشاده وليس ردعه، حتى وإن كان الطفل يعلم بأن سلوكه هذا خطأ، وعاد الكرة مرة ومرتين؛ عليك التأكد أنه فهم ما قصدتِه، وفهم لماذا، فهناك عقل حي يُحترم، إن ضربت ابن الجيران فسوف يُؤذى، ويُجرح، والجرح والإيذاء شيء مؤلم، هل تحب الألم؟ لا أحد يحب الألم.

راعي سمات الطفولة والمرحلة العمرية التي يعيشها صغيرك من ناحية، ومن ناحية أخرى أعيدي إليه ثقته في نفسه، فالعدوانية، والتخريب، والعند، والتمرد تظهر عندما يفقد الصغير ثقته بأن من حوله يراعونه، يحترمونه، ويحسون بحقه في اللعب والانطلاق، ومن حقه أن يلعب وأن ينطلق، اشرحي له بودٍّ وحب أنك تدعين هذا الحق، وستساعدينه للاستمتاع بحقه هذا، بل شاركيه في لعبه وانطلاقه؛ لأنك من خلال مشاركتك له سوف تتاح لك فرصة التوجيه والإرشاد.

الحمد لله إنني في السعودية حيث الجو الدافئ، فهذا يعني أنه لا ضرر من اللعب في المياه مع بعض الألعاب توضع له في المكان المخصص بالاستحمام، فتلعبان سوياً، وتستمتعان وتضحكان سوياً، فيعرف ويدرك ويتأكد أن ماما بالرغم من أنها كانت - بالرجاء أن يبقى كان فعل ماض - تضربني، فإنها تحبني وتحترم حقي في اللعب، والنتيجة الحتمية ولكن ليس بشرط الفورية لهذه المحادثة الداخلية: سأحاول إسعادها، وعدم إزعاجها طالما تحبني بهذا القدر.

الأمومة متعة، لا تدعي هذه المتعة تتفلت من بين يديك بأسلوب تربوي قاسٍ مُنْبنٍ على ردود أفعال متسرعة وغير حكيمة.

حينما يعاود نوبات الغضب، والعدوانية، والتخريب لا تصدري فعل أمر أو نهي، لا تصرخي ولا تحدي يدك لضربه، الأمر أبسط من ذلك، وجِّهي طفلك إلى شيء آخر، هيا هيا سوف أشغل التلفاز لنشاهد سويّاً فيلماً من تلك الأفلام الجيدة (المنتقاة جيداً من قبل) معك العملية التربوية، ولن يكون المطلب صعباً، الأب - كما ورد في البيانات - يقضي 12 ساعة بالمنزل أي ليس هناك مشكلة وقت، لماذا لا يلعبان سويًّاً بالقطارات، بألعاب التركيب، أين فقرة النزهة الأسبوعية، ركوب العجل، لعب الكرة، الزيارات... إلخ.

عليكما سويّاً ألا تنظرا إلى ابنكما على أنه عبء ثقيل، أيها أثقل الحياة بدون طفل أم بطفل معاق، أم تحمل شيء من ضرورات التربية؟

- الاطلاع على أبحاث التربية المبسطة؛ وذلك لفهم طبيعة المرحلة وتطورها، وفي كيفية التعامل مع ما نراه - مشكلات شائعة - في كل مرحلة.

- هناك شيء ثانوي ولكن مع ذلك نحب التأكد منه:

هل يكثر ابنك أكل الحلوى؟ أثبتت الدراسات الحديثة أن هناك علاقة بين كمية الحلوى والسكريات التي يتناولها الصغار والنشاط الزائد، الإكثار من الحلوى شيء معروف بين الأطفال في السعودية؛ فما من زائر حتى يلاحظ سريعاً أن أول ما يقوله الطفل بعد الاستيقاظ: أمي أبغي حلاوة، وعادة ما تستجيب الأمهات لطلب الصغار، وهذا له تأثيره المباشر على زيادة الحركة والنشاط، لا نقول بالمنع ولكن الاعتدال في كم الحلوى مطلوب.

أعانك الله على تحديد الهدف، والأخذ بأسباب تحقيقه، والتربية قد تكون شاقة، ولكن هل الجنة التي تحت قدمك سيدتي بلا مقابل؟ ولك منا الدعاء بالتوفيق وكل عام وأنت بخير.

ولمزيد من المعلومات المفيدة حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى الاستشارات التالية:

-          التربية بالعواقب لا العقاب.

-          نحو استراتيجية تربوية طويلة الآمد.

-          طفل يصرخ افهموني أستجب لكم.

-          لنفهم أنهم أطفال.

http://www.islamonline.net:المصدر