طفلي الأول يغار .. زيديه حبّاً وحناناً
أ. عزة تهامي
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله.
جزاكم الله خيراً عما تقدمونه من نصائح وإرشادات، وجعله في ميزان حسناتكم - إن شاء الله -.
مشكلتي مع ابني الذي يبلغ من العمر خمس سنوات؛ أعرف أني السبب الأساسي فيها، وللأسف لا أعرف حلاًّ لها؛ فابني أصبح عنيداً معي جدّاً، ومستفزّاً لي لأقصى حد، فكلما طلبت منه كتابة واجبه رفض بشدة على الرغم من أنني أطلب منه بهدوء، وعند رفضه أصرخ في وجهه، وقد أضربه أحياناً فيستجيب لي على مضض، ويكتبه ببطء شديد لدرجة أنه ينام قبل أداء واجبه، وتحذره المُدرِّسة بالعقاب، وعندما يأتي من المدرسة تعاد القصة مرة ثانية، على الرغم من أنه شاطر جدّاً في المدرسة، ولكن المُدرِّسة تشتكي من بطئه في الكتابة فقط، أما في المنزل فأصبح يضرب أخته الصغيرة 3 سنوات لأي سبب، ومهما حذرته من هذا الفعل يكرره دائماً، أما مع والده فيسمع كلامه؛ لأن والده يكلمه دون عصبية.
سبب عصبيتي معه أنني أمر بأزمة وهي حملي وإجهاضي مرتين متتاليتين منذ شهر، أول حمل عرف الولد بأني حامل فأصبح عدوانيّاً معي، وكان يؤذيني، فلأول مرة ضربني على رأسي وأنا نائمة، وأصبح في هذه الفترة يتبول على نفسه وهو نائم، وكنت أقابل هذا بهدوء، وأعرفه خطأه، لم يستمر الحمل سوى شهر ونصف، وحدث الإجهاض بمجرد ما عرف الولد أن "البيبي" مات توقف عن كل هذا، وكأن شيئاً لم يكن.
ثم حدث الحمل الثاني مباشرة، وسألت طبيبة نفسية عن إخبار ولدي عن الحمل الثاني فنصحتني بألا أخبره عنه، وأن أعطي ابني شيئاً من الاهتمام، وفعلت هذا بقدر المستطاع على الرغم من أني كنت مجهدة من الحمل الثاني، وبعد شهرين ونصف حدث الإجهاض الثاني، وحتى الآن لم يعرف ابني بذلك، لا أعرف حلاًّ لمشكلتي مع ابني، ولا حتى مع نفسي، وعصبيتي الزائدة معه وأنا في هذه الحالة، جزاكم الله خيراً لسعة صدركم، وجعله في ميزان حسناتكم؛ وشكراً.
مشكلات شقية, غيرة وشجار الأشقاء الموضوع
الحل:
سيدتي؛ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جزاكم أنتم خيراً لثقتكم بنا، وجعلنا أهلاً لهذه الثقة.
واسمحي لي في البداية أن أذكرك بالأجر العظيم الذي ستنالينه - بإذن الله -، فما من شوكة يشاكها المؤمن إلا وله بها أجر، فما بالك بأمر كالإجهاض وحدوثه مرتين، وما يحمله من ألم نفسي ومادي، فالثواب والأجر أضعاف مضاعفة - إن شاء الله -، وسيعوضك الله عن ذلك خيراً.
سيدتي عندما قرأت استشارتك لا أكذبك قولاً بأنني احترت بماذا أرد عليك؛ لأنك بالفعل تعلمين الداء والدواء معاً، فتعلمين أن ما يعاني منه ابنك بسبب الغيرة الشديدة من أخته الصغيرة، وخوفه - الذي تحول إلى عدوانية - من وجود منافس جديد، وبسبب عصبيتك معه، وعدم تحمله، وقد أقررت بأنه يستمع لوالده ويطيعه؛ لأن والده يتحدث معه بهدوء، إذن فقد عرفت الطريق فليس لك سوى التدريب على الهدوء، وعدم العصبية، إلى جانب الاهتمام بولدك، وبالطبع أنا أقدر تماماً ما تعاني منه من أزمة نتيجة الإجهاض مرتين متتاليتين، لكن أرجو أن تردي على هذا التساؤل ما ذنب ابنك في هذا؟ كل ذنبه أنه كان الطفل الأول الذي حظي بالرعاية والاهتمام، وتربع على عرشكما، وتملك قلبيكما أنت ووالده دون منافس مدة عامين كاملين، وقبل أن يحاول استيعاب أن له منافساً يشاركه كل هذا الاهتمام بميلاد أخته، إذا به يُصدم بخبر حملك مرة أخرى، أنا بالطبع لا أشجعك على تأجيل الإنجاب الآن، ولكن عليك أن تقومي ببعض الخطوات التي تساعدك على علاج الموقف مع ولدك، ومن قبله مع نفسك إلى أن يأذن الله بأمر حمل آخر، وهذه الخطوات هي:
أولاً: علاج العصبية:
1- لا بد من الاستعانة بالأشياء التي من شأنها أن تهدئك مثل الانتظام في ممارسة رياضة بدنية، فلها تأثير رائع على الاحتفاظ بالهدوء، ورفع الروح المعنوية، كما أن هناك بعض التدريبات الرياضية التي تساعد على الاسترخاء، منها: أخذ شهيق عميق بالعد إلى رقم 4، ثم حبس هذا الهواء بصدرك لمدة وجيزة جدّاً، ثم إخراج زفير من الأنف والفم معاً بالعد إلى 8، وهناك العديد من تدريبات الاسترخاء يمكنك الاطلاع عليها من موقع البحث google.com.
2- ألا بذكر الله تطمئن القلوب، إن الاستعانة بالله والدعاء لهما أكبر الأثر في تهدئة النفوس.
3- حاولي وضع نفسك مكان ابنك، وأنك كنت تحظين باهتمام وحب، ثم تبدل الأمر، وأصبح هناك من ينتزع منك مكانتك ويحظى بنفس الاهتمام وربما أكثر، حينما تتخيلين ذلك ستكونين أكثر رفقاً به.
4- عليك بتذكر أنه كائن صغير لا حول له ولا قوة، وأنه لولا قدرتك عليه ما استطعت أن تطلقي لنفسك العنان في عصبيتك معه، فنحن حينما نزعم أننا لا نستطيع أن نملك أنفسنا عند الغضب فإننا في الواقع نستطيع مع من هم أقوى منا مركزاً أو قوة؛ فإذا تخيلت مثلاً أنه إذا أغضبك أحد والديك أو زوجك أو أحد حمويك هل كنت ستنفسين عن غضبك بنفس القدرة والقوة التي تفعلينها مع ولدك؟ الإجابة بالطبع لا ليس لأنك فقط تحترمين هؤلاء الناس لمكانتهم ولسنهم، بل في الواقع؛ لأنك تخشين قدرتهم عليك أيضاً، وأنك تدركين عواقب هذا التنفيس.
5- عليك أيضاً بتخيل ابنك بعد عدة سنوات وهو على مشارف المراهقة، وأنت تتعاملين معه بنفس العصبية والحدة، ويمكنك أيضاً ملاحظة أو سؤال من لديهم أولاد في سن المراهقة، وتعاملوا مع أولادهم بعصبية ونفاد صبر، ستلاحظين أن أولادهم يتعاملون معهم بنفس الأسلوب بعصبية وتطاول، وتبجح ونفاد صبر، فهل ترضين أن يسلك ابنك هذا السلوك؟ وهل ترضين هذا الوضع لنفسك؟ بالطبع لا؛ لذا ذكّري نفسك بأن أمر تهذيب ابنك وبرّه بك متوقف على سلوكك معه وهدوئك في توجيهه.
ثانياً: التعامل مع ابنك:
1- سيدتي إن الأطفال يستجيبون سريعاً للمعاملة الطيبة، وهذا ما حدث من ولدك حينما عدتِ للاهتمام به، إذن فكل ما عليك الآن هو إظهار هذا الحب والاهتمام مرة أخرى، ولكن ليس بطريقة مبالغ فيها حتى إذا حدث حمل آخر لا يصدم ولا ينزعج، ويكون هذا الاهتمام ممثلاً في: اللعب معه - التنزه - إضفاء روح المرح والفكاهة على البيت - الرفق في إلقاء الأوامر وفي العلاقة بينكما بوجه عام - الحزم في غير عنف أو عصبية.
2- حينما تقومين بما سبق سيحاول إرضاءك؛ ولذا سيكون أفضل على المستوى الانفعالي والنفسي مما ينعكس ذلك على دراسته وعلى أدائه الواجبات؛ لأنه سيفهم ضمناً أنه سيحرم من كل المزايا السابقة إذا ما أهمل في واجباته (دون أن تذكري ذلك كشرط فلا يجب أن تذكري له مثلاً بأنك لن تلعبي معه إذا لم يؤدّ واجباته)، ورغم أنني لا أعرف ما الواجبات الكثيرة التي يمكن أن تكون على طفل عمره خمس سنوات (فالمفترض أن يكون بالروضة) ورياض الأطفال في الغالب لا يكلفون الطفل بأعباء كثيرة، وإذا فعلوا فيمكن الاتصال بهم، والتفاهم معهم في هذا الشأن.
3- لا تنهريه حينما يهمل في أداء واجباته، لكن عليك تبصيره بالعواقب الناتجة عن هذا الإهمال، منها أنك لن تكوني مسرورة على الإطلاق من هذا التصرف.
4- لاحظت - سيدتي - في رسالتك أنك تمدحين ذكاء ابنك ومهارته بالدراسة لولا أنك ومدرسيه تشكون من بطئه في الكتابة فإن كان في رياض الأطفال فلا أظن أن الأمر يحتاج أكثر من التروِّي، وعدم استعجاله؛ لأنه ما زال في مرحلة يلتبس عليه بعض الحروف المتشابهة، ولم يتمكن من الكتابة بعد، أما إذا كان في السنة الأولى من المرحلة الابتدائية فعليك بملاحظته في الوقت الذي يكتب فيه الكلمات، وهل يعاني في محاولة تذكر الحروف، أو أن هناك ضعفاً ما في عضلات يده، أو أنه يشرد سريعاً وهو يكتب، وهل بالفعل هو أبطأ من زملائه أم أن المدرسين حكموا سريعاً عليه بالبطء، وهل يدرس لغة أجنبية أم عربية، وهل هذا البطء في كتابته باللغتين أم مقتصر على لغة دون أخرى، ولا بد أن تكون هذه الملاحظة وهو في حالة نفسية ومزاجية جيدة حتى لا يكون البطء بسبب حالته النفسية.
5- علِّمي ودربي ولدك أن يلعب بمفرده ومع أخته دون أن تلعبي معهما.
6- اكتشفي قدرات ومهارات ابنك المتعددة ونميها له.
7- وانتهزي فرصة إنجاب إحدى القريبات أو المعارف، أو مشاهدة فيلم به طفل وليد؛ لتتحدثي معه عن الأطفال الصغار، وأنهم نعمة عظيمة، ولولاهم لما استمتعت بوجوده وبوجود أخته، واستمعي له حينما يخبرك بمشاعره تجاه أخته حتى لو كانت سيئة ولا تصادريها بأن تنصحيه نصيحة مباشرة كأن تقولي له: إن أخته تحبه، ولا داعي لإيذائها، ولكن دعيه يتحدث دون أن تعلقي.
8- حينما يشاكس أخته لا تذكريه بأنه الأكبر، وعليه أن يلاعبها بدلاً من ضربها، ودعيها تدافع عن نفسها، ولا تتدخلي إلا إذا كان على وشك إيذائها إيذاءً شديداً نفسيّاً أو ماديّاً.
9- قُصّي عليه قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، وركّزي على دعوته إلى الله بأخ يعينه ((وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً))(طه: 29 - 34)، ووضحي له كيف آزره هارون - عليه السلام -، واحكي له القصص التي تؤيد معنى المؤازرة والمساندة والحب من الإخوة، ولكن اجعلي هذه القصص ضمن مجموعة قصص تعالج موضوعات وقيم أخرى، ولا تقتصري على معنى وقيمة الأخوة فقط.
10- كل ما سبق هو تمهيد لابنك حتى إذا ما حدث حمل آخر - إن شاء الله - سيكون أكثر تقبلاً له، ولست من أنصار أن تخفي عليه أمر حملك، لكن عليك التمهيد له، وكل ما سبق هو جزء من هذا التمهيد.
11- حينما يحدث الحمل، وتشعرين بالتعب اطلبي المساعدة من زوجك أو من والدتك، أو أختك أو صديقتك في إدارة شئون البيت، واستمري في الاهتمام بولديك على قدر استطاعتك.
12- عند ذهابك للولادة اجلسي أنت وزوجك لتخبرا ولدكما دون إبداء تعاطف مبالغ فيه.
13- وعند العقيقة اكتبوا قائمة بالمشتريات، ويقوم طفلك مع والده بشرائها، وعليكما شراء بعض الهدايا له ولأخته لتقديمها لهما في نفس اليوم.
14- ملاحظة أخيرة أود أن أنهي بها رسالتي لك، لا تنسي ابنتك في خضم اهتمامك به، كما أنه لا بد أن يساعدك زوجك في كل الخطوات السابقة.
ويمكنك الرجوع إلى الموضوع المعنون "مرحباً طفلي الثاني"، بالإضافة إلى العديد من الاستشارات التي نشرت على صفحتنا حول علاج عصبية الأمهات، وعن الغيرة بين الأبناء، وكيفية التعامل معها، وأخيراً أدعو الله أن يعينك ويهديك سواء السبيل، وفي انتظار متابعة أخرى.
مواضيع ذات صلة:
عصبية أطفالي كيف أتعامل معها؟
عصبية الأبناء مرآة الآباء.
عصبية الآباء والأبناء.. لكل داء دواء.
نصائح ذهبية لعلاج العصبية.
عصبية الأم....هل من علاج؟
عصبية وأخاف من الفشل في تربية أبنائي.
لا تعاندي ابنك فتزيدي من عصبيته.
أنا عصبية.. وطفلي عنيد!
عصبية الأطفال.. الأسباب والعلاج.
إنها الغيرة.. مرة أخرى.
الغيرة أزمة لا بد منها.
ثورة الغيرة
طفلي الأول.. لن تخرج من جنتي.
استقبال المولود الثاني فن له أصوله.