كيف نرد على فلم " فتنة "؟
د. محمد مسلم الحسيني
أنتج الزعيم اليميني المتطرف غيرت ويلدرز في هولندا فلما قصيرا لا يزيد عن خمس عشرة دقيقة أسماه (فتنة). يتعرض فيه للإسلام ويتهمه بأنه دين خطير، وعلى أوربا أن تتخلص من آثاره.
وغيرت ويلدرز محامي هولندي وزعيم لحزب الحرية اليميني وهو من الأحزاب المتطرفة في هولندا.
أراد غيرت ويلدرز من خلال عرض هذا الفلم أن يحدث صدمة في المجتمع الهولندي، على حد قوله، لمنع انتشار المد الإسلامي وأسلمه هولندا. لقد طالبت بعض الحكومات الإسلامية والكثير من المنظمات الدولية من الحكومة الهولندية ومن القضاء الهولندي التدخل ومنع عرض هذا الفلم الذي يمس بمشاعر المسلمين ويتعرض إلى رموزهم. كما توقعت بعض الأوساط الإعلامية أن تحصل ردود أفعال عنيفة في الشارع الهولندي بوجه خاص وعلى صعيد العالم أيضا في حالة عرض هذا الفلم.
الحرب الكلامية والإعلامية تتشابه في وجوه عديدة مع الحروب العسكرية الكلاسيكية، ومن أوجه التشابه هذه إن يهاجم العدو خصمه رافعا شعارات برّاقة لا تمت إلى الحقيقة بصلة، الهدف منها استهواء وإغواء البسطاء وجرّهم إلى الهدف المطلوب. كما وفي أغلب الأحيان يتم الهجوم العسكري بطريق المناورة بحيث لا يفهم المدافع مكان ووجهة الهجوم الحقيقي وما هي الأهداف الإستراتيجية التي يتوخاها المهاجم. القائد المحنّك والعسكري الذي يجيد الدفاع عن قطعاته يستطيع أن يكشف أهداف خصمه ويحاول إفشال خططه، حتى لا يقع فريسة سهلة في شباك حيلة الحرب ومكرها!
الأمر ينطبق تماما على الحرب الإعلامية والكلامية التي يثيرها البعض ضد الآخر، حيث يظهر المهاجم أسبابا معلنة ويخفي أسباب هجومه الحقيقية. كما أنه يهاجم من باب صغيرة وهدفه الحقيقي هو الباب الكبرى. فعلى المدافع أمام الهجوم الإعلامي أن يتوخى الحذر والحيطة وأن يكشف أهداف الهجوم الحقيقية كي لا يقع في الحفرة التي صممت له ويكون ضحية الخديعة والمكر.
عرض الفكر الإسلامي منذ القدم إلى كثير من الانتقادات والتشهير والاستهزاء من قبل بعض وسائل الإعلام الغربية وبعض الكتّاب المسلمين وغير المسلمين. إلاّ أن انتشار وسائل الإعلام الحالية بشكلها المتطور الحالي قد جعل من العالم مدينة صغيرة واحدة يشهد فيها الداني ما يقوله أو يعمله القاصي وبنفس اللحظة، حيث تنتشر الكلمة أو الخبر كانتشار ضوء الشمس على ربوع الطبيعة. كما أن أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 م وبعض الحوادث الإرهابية التي تعرضت لها بعض المدن الأوربية والتي اتهمت فيها بعض المجاميع الإسلامية، كانت قد أثارت سخطا ومخاوف كثيرة لدى المواطن الأوربي تجاه الإسلام والمسلمين بشكل عام.
هذه النظرة العامة في دول الغرب قد وفرت فرصة ملائمة وأرض خصبة لبعض المتشددين والمتطرفين من روّاد الحركات العنصرية أو الصهيونية لنشر أفكارهم ورؤاهم من أجل كسب أصوات المواطنين الغربيين ومن ثم الوثوب على السلطة وتمرير أجندتهم المتشددة إلى حيز الواقع والوجود.
أمثلة هؤلاء الزعماء المتطرفين الذين استفادوا من وقائع الأمور وكسبوا أصوات المواطنين كثيرة. فقد وصل الزعيم العنصري المتطرف جان ماري لوبان إلى المركز الثاني في نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002م كما صعد الزعيم النمساوي اليميني المتطرف جورج هايدر إلى المشاركة الفعالة في سدة الحكم عام 2000م.
وفاز نيكولا ساركوزي في انتخابات فرنسا الرئاسية عام 2007م حينما رفع شعارات برّاقة ضد هجرة الأجانب. كما فاز الملياردير السويسري كرستوف بلوشر حينما رفع شعارات تطالب بمنع بناء المنائر في الجوامع والمساجد الإسلامية. ولولا اغتيال الزعيم الهولندي المتطرف بيم فورتين عام 2002م لكانت نسبة الأصوات التي حصدها بين أصوات الهولنديين كبيرة إلى درجة أن توقع المحللون فوزه الساحق!.
كما أن الرسوم الكاريكاتيرية لشخص الرسول(ص) التي نشرت في الدنمارك وكتابات سلمان رشدي التي نشرت في بريطانيا وكتابات بعض الكتاب العرب وأقوالهم التي تستهجن آيات السيف في القرآن الكريم وغبرها من الندوات واللقاءات، تدور في نفس المدار المخطط له من قبل هذه الدوائر المتطرفة ذات الأجندات العميقة في غاياتها وتفاصيلها والتي تحاول الاستيلاء على السلطة وكسب النفوذ.
لم يكن غيرت ويلدرز مختلفا عن أولئك الزعماء السياسيين الذين يسعون إلى توسيع رقعتهم الانتخابية وكسب الأصوات على حساب محاربة ونبذ الأجانب. فقد عرف من أين تؤكل الكتف وكيف يضرب على الأوتار الحساسة. وهكذا خرج اليوم بفلمه "فتنة" عسى أن يحدث فتنة بين المسلمين القاطنين في هولندا وهم الأقلية والهولنديين الأصليين وهم الأكثرية فيكون نجمه قد سطع وأفكاره قد حققت صحتها حينما حذر من خطر الإسلام والمسلمين على الحضارة الغربية.
أن الرد على هذا الفلم بالطرق الغوغائية وبالضجيج والعنف سوف لن ينفع قضية المسلمين في أوربا ولن يحل مشاكلهم بل يزيدها صعوبة وتعقيدا. كما أن هذا هو الهدف بعينه الذي يسعى لتحقيقه غيرت ويلدرز والذي ينتظر من ورائه إحداث الضجة التي ستخيف الهولنديين من أعمال المسلمين وأفعالهم فيدلون بأصواتهم إليه ويربح سباق الانتخابات القادمة!
الدليل القاطع على ما أذهب إليه هو أن هذا الفلم هو من لبنات خيال زعيم يميني متطرف برنامجه موجها ضد الأجانب ويسعى للوثوب الى السلطة رافعا شعارات تخلب عقل الناخب الهولندي وستغويه. سيرة غيرت ويلدرز وأحاديثه وحواراته مع وسائل الإعلام المختلفة المحلية والأجنبية هي برهان دامغ على أن لهذا الرجل أجندة سياسية يسعى لتمريرها. فقد صرّح في شهر فبراير (شباط) المنصرم لجريدة الغاردين البريطانية بأن الإسلام هو دين خطير والقرآن يجب أن يمنع من التداول في الأسواق والمساجد والبيوت في هولندا لأن فيه آيات تحرّض على قتل غير المسلمين وهو كتاب فاشي ليس له مكان في المجتمعات المتحضرة وقد شبهه بكتاب هتلر" ماين كامبف"! أو "كفاحي".
على هذا الأساس فإن غيرت ويلدرز يرى ضرورة منع هجرة المسلمين إلى هولندا وطرد المسلمين المقيمين فيها وإعطائهم شيئا من المال لتصفية أمورهم في بلدانهم الأم لأنهم يشكلون خطرا ماحقا على المجتمع الهولندي. كما أفصح عن رغبته في إجراء تغييرات هامة في القانون الهولندي تجاه المسلمين المتجنسين بالجنسية الهولندية. من هذه التغيرات المزمع طرحها هو سحب الجنسية الهولندية من المسلمين الذين يقترفون جرائم وإرسالهم فورا إلى من حيث أتوا. كما أبدى تخوفات واضحة من اليوم الذي قد تتأسلم به هولندا بسبب الأعداد المتزايدة من المسلمين الذين يقطنون في أراضيها والذين يتسمون بخصوبة النسل وسرعة التكاثر!
بعدما فهم السبب الحقيقي القابع وراء هذا الفلم ألا وهو تحفيز المسلمين على إحداث ضجة وأعمال عنف يظهر فيها بعض المسلمين بأنهم أناس غير متحضرين ويجب التخلص منهم بأسرع وقت، وقبل أن يزداد عددهم ونفوذهم، فإنه من الواضح ألاّ تنجر الجالية المسلمة في هولندا إلى المنزلق الذي صمم لها. كما أنه على شعوب العالم الإسلامي أن تتصرف بحكمة وصبر تجاه هذه القضية وغيرها من القضايا الأخرى التي هي أصلا موجودة على الساحة أو التي يحضّر لها على طريق المستقبل والتي تهدف إلى إثارة المسلمين وتحفيزهم على القيام بأعمال عنف يكون المستفيد الأوحد منها هم أصحاب تلك الأجندات الملغومة.
الحل الأمثل والأنجع في نظري هو الإهمال والصمت والسكوت والاكتفاء بملاحقة المعتدي قضائيا بتهمة المساس في مشاعر الآخرين، ثم كشفه وتسقيطه معنويّا أمام عيون المتأثرين به وأمام عيون العالم أجمع. فطالما تكون هناك ردود أفعال منفعلة وغير حضارية لمثل هذه الأمور فسوف يتشجع أصحاب النوايا المرسومة على المضي قدما في ابتداع وخلق أزمات جديدة أخرى تدور بنفس المحور. كما أن الاحتجاجات الرسمية والضغوط الحكومية على الحكومات الأوربية وضمن القنوات الدبلوماسية المتعارف عليها ستكون فعّالة بشكل كبير وستحفظ سمعة المسلمين في العالم ولا تظهرهم مظهرا مخيفا أو متلبسين بردود أفعال متطرفة يستفيد منها من يتصيّد في الماء العكر....