دائماً وأبداً عالجي الغيرة بالحب

أ. عبد السلام الأحمر

 

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أولاً أشكركم على مجهوداتكم الجبارة.

لدي طفل عمره سنتان ونصف وهو مشاغب جدّاً، وكثير الحركة، وازداد شغبه لما جاءت أخته التي يكبرها بسنة و10 أشهر، وأصبح لا يطيع، ويضرب أخته وأولاد الجيران، فالغيرة فعلت فيه الأفاعيل؛ وكلما حاولت أن أحتويه أفشل لأنه يطلب الكثير من الاهتمام، وإن لم أقل كل الاهتمام لكن هذا صعب؛ فالرضيعة لصيقة بي: تغيير الحفاظة، استحمام، إرضاع، والرضاعة الطبيعية تستغرق وقتا أطول، أما غير ذلك فهي دائماً في مهدها من أجل الاهتمام بمروان، مع العلم أني أشركه معي في العناية بأخته، فاستخدمت معه جميع الأساليب من الضرب إلى كرسي العقاب، وقد استدعيت مساعدة التربية إلى بيتي؛ لأني تعبت فتحسنت الحالة قليلاً، لكن حينما ذهبت إلى بلدي وعدت تكسرت كل القواعد، وزاد شغبه؛ وخاصة إذا ذهبت إلى أحد أو أتى إلى أحد لأبدأ من الأول.

وبفضل استشاراتكم والمعلومات التي تقدمها مكتب الاستشارات هنا في هولندا فقد أعانني الله على تطبيق الكثير منها، وبدأت الحالة تتحسن من جديد، فوجدت أن أفعال أطفالنا هي ردود أفعال لأفعالنا.

أما الأسئلة فهي:

1- كيف أحببه في أخته؟ وأجعله لا يضربها ولا يضرب الأطفال الآخرين؟

2- حينما أخاصمه أو أضربه في بعض الأحيان يأتي إلي حالاً ويقبلني وهو يبكي، ويلصق وجهه بوجهي، وأنا أدور عنه لأبين له أنه أخطأ، ما هو التصرف الصحيح في هذه الحالة؟

3- حينما يخطئ فألومه وأنصحه يخرج اللعاب من فمه، ويلعب به، وفي بعض الأحيان يمسح به وجهه وهذا يستفزني، ما هو التصرف الصحيح تجاهه؟

أفيدونا جزاكم الله خيراً، وعذراً على الإطالة.

 

الحل:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

مرحباً بك أم مروان، وأتمنى لك التوفيق في تربية بنتك وولدك مروان الذي يغار من أخته غيرة زائدة عن الحد الطبيعي.

وقبل الإجابة عن سؤاليك أود أن أقول لك إن الغيرة بين البشر منها المحمود ومنها المذموم، أما محمودها فهو عندما تكون شعوراً بما لدى الآخرين من مزايا وخصائص لا نملك مثلها أو نملكها ولكن بدرجة أقل فيحملنا ذلك على معرفة ذاتنا، وما تملكه وما تفقده، فإن كان ما تفقده ممكن المنال سَعَينا في طلبه بطرقه المشروعة، وإن كان يستحيل بلوغه رضينا بقسمة الله تعالى، وأكبرنا حكمته في توزيع الفوارق بين الناس، وكان عزاؤنا بأننا من غير شك عندنا مميزات ليست عند من أثار غيرتنا، فلا كمال لأحد إلا الله سبحان - جل وعلا -، ومذموم الغيرة هو عندما تدفعنا إلى الشعور بالنقص تجاه الآخر، ومن ثم رفضه والغضب منه باعتباره سبباً لضيقنا وتنكرنا لذاتنا، وازدرائنا لحالها، وتطلعنا إلى اختفائه من محيطنا، أو تمني زوال ما به من نعم بل هلاكه لنرتاح منه.

ولقد سقت لك هذا الوصف للغيرة لكي تفهمي حقيقتها، وكل ما يمكن أن تؤدي إليه من عدوانية وأنانية، وانزواء أو تخريب، وثورة وعناد شديد، إلى جانب سلوكيات أخرى أقل شراسة مثل: تقليد الطفل الصغير - سبب الغيرة - في بكائه وتناوله الرضاعة، ونومه بقرب أمه وبين ذراعيها؛ لأنه يحس بأنه أصبح يتقاسم معه حب الوالدين، وفائق اهتمامهما ورعايتهما، وهو الذي كان يستأثر بكل ذلك وحده.

نرجع الآن لسؤالك الأول وهو كيف تحببين لمروان أخته، وتجعلينه لا يضربها وغيرها من الأطفال:

1- لكي تمنعي ابنك من سلوك معين لا بد أن تفهمي سببه، وما الذي يحمله على القيام به، وها أنا الآن أؤكد لك أن السبب في ذلك هو غيرته من أخته الصغيرة التي صارت تأخذ من عنايتك قسطاً موفوراً فشغلتك عنه ولو جزئيّاً.

2- عدم إظهار الغضب من تصرفاته الحانقة والمشاغبة؛ لأن ذلك من شأنه أن يغريه بالاستمرار في هذا المسلك ما دام يخلق متاعب لك أنت التي تؤثرين أخته عليه، لعل ذلك يثنيك عن التمادي في ذات النهج، ومن جهة أخرى عليك باتباع الخطوات التالية لكي تصرفيه عن غيرته الحادة.

3- تجنبي كل مظاهر الرعاية والاهتمام بأخته مثل الاحتضان والتقبيل، والانفراد بها بحضور مروان إلا ما كان ضروريّاً من ذلك، وخصوصاً في فترة تعديل سلوكه، والرجوع به إلى حد الاعتدال، فعليك أن تَزِني حركاتك وكلماتك للبنت الصغيرة، إذ كل ما زاد منها عن الحاجة الشديدة سيؤجج الإحساس بالغيرة عند الولد.

4- وعندما ترين أنه لا مناص لك من احتضان البنت لإرضاعها أو تغيير لباسها، أو أي خدمة أخرى؛ فابدئي بملاطفة الولد وضمه إليك بحرارة، وقبليه مرات عديدة، وأدنيه منك، واستمري في مداعبته والكلام معه ومع أخته في نفس الوقت، حتى تجعلينه يطمئن بأنك لا تنصرفين كليةً إلى أخته، وتهملينه كليةً، وهو الأمر الذي تقع فيه كثير من الأمهات وهن لا يشعرن بما يؤدي إليه من إحساس الأخ أو الأخت الكبيرين بالتخلي والهجر، وعدم العدل في توزيع المحبة والاهتمام.

5- عودي طفلك على تقاسم محبتك وحبك وعنايتك مع أخته، وهو ما يعين عليه ما ذكر في الخطوة الرابعة، أي العمل على المساواة بين الأولاد في التعبيرات عن الحب والحنان في اللحظة نفسها رفعاً لكل التباس أو غموض، ويعزز هذا السلوك بكل ما يخدم هذا الاتجاه ويحقق هدفه مثل تقديم لعبتين متشابهتين له ولأخته، وتكليفه بأن يختار منهما واحدة ويسلم الثانية لأخته، وأن نضع ملابس أخته أو أي شيء يتعلق بها في مكان معين، ونطلب منه أن يحضره لها مثل رضاعتها، أو نصيبها من الحلوى أو لعبتها، ثم نظهر ابتهاجنا بكل تواصل إيجابي يقوم به إزاء أخته، ونحفزه على مواصلته بالثناء عليه وشكره وتقبيله.

6- انتهاز كل فرصة مواتية لإشعاره بقيمته داخل الأسرة، والانتباه إلى كل عمل يمكن أن يزعزع ثقته بنفسه وبمحبة والديه له، فتحرصين على تجنبه أو عند تعذر الاجتناب تَسعين إلى التخفيف من آثاره الضارة على نفسية الولد، وكوني سيدتي على يقين بأنه إذا اعتدلت غيرة مروان تجاه أخته فلن يظهر - إن شاء الله - منه أي عدوانية تجاه الأطفال الآخرين، ولن يُدلك وجهه بلعابه الذي ليس إلا تعبير عن تذمره من نفسه المهزومة أمام الأخت المحبوبة والأم المحبة لها.

7- ومما ننصح به الأمهات عند فطام الولد الأول إذا كان في أثناء وجود ولد ثان أصغر منه أن يتدرجنَّ في عملية الفطام ولا يوقعنها بشكل مفاجئ وصادم لنفسية الأول الأكبر مما قد يثير فيه غيرة عارمة على الثاني الأصغر.

والآن دعيني أقول لك إنك لم تكوني موفقة عندما ترفضين استعطاف مروان لك إثر مخاصمتك له، والتماسه منك التفهم والصفح عما صدر منه، والذي عبر لك على كونه أدرك أنه خاطئ فيما بَدر منه، والتجأ إليك ضارعاً معتذراً طامعاً في عفوك وسماحتك، وأنت تَرُدينَه خائباً خاسراً، إن سلوك ابنك ذلك هو أروع شيء حَكيته لنا عنه، وكان رد فعلك سيكون مثله جمالاً وروعة لو أنك أدركت أنه تاب إلى رشده، واستشعر ما ارتكبه من تصرفات مشينة.

فأسأل الله العلي المتعال أن يأخذ بأيدينا حتى نؤدي حقوق أبنائنا علينا، ويرزقنا التوفيق والسداد حتى نربيهم تربية صالحة ننال بها رضاه، ونتبوأ من جنانه الفردوس الأعلى إن شاء الله، وفي انتظار متابعتك لنا.

http://www.islamonline.net:المصدر