تحكيم الشريعة عبر التاريخ الإسلامي
علي محمد الصلابي
في حديث الناس عن الشريعة والعقد الاجتماعي للشعب الليبي أو غيره من المجتمعات يكثر الحديث عن شبهة لا أساس لها من الصحة أمام الباحث النزيه، والواقف على الحقائق في تاريخ الأمة الإسلامية، وهذه الشبهة العارية من الأدلة لها حضورها الثقافي والفكري في حديث الشعب وأوساط المثقفين وهي أن الشريعة الإسلامية طبقت في عهد الخلفاء الراشدين فقط؟ وهي تدل على جهل وعدم معرفة دقيقة لتاريخ الأمة وشعوبها ولي تجربة شخصية فيما يتعلق بالحيل النفسية ومحاولة إقناع المثقف لنفسه بالمعرفة في كتابته أو أحاديثه أو خطابه وهي أنني عندما نلت شهادة الدكتوراه وهي أطروحتي فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، كنت أظن أنني مستوعب للسيرة النبوية والخلافة الراشدة والدولة الأموية والتاريخ الإسلامي ولكن عند تفرغي للبحث والتنقيب اكتشفت جهلي بالسيرة النبوية وتاريخ الإسلام ومرحلة الحروب الصليبية وعهد الدولة العثمانية والمرابطين والموحدين والدولة الفاطمية.
أقول للإخوة الذين يرون أن الشريعة الإسلامية لم تطبق إلا في عهد الخلافة الراشدة أو أنها توقفت مع بداية الدولة الأموية...إن الحقائق التاريخية تخالف ما تذهبون إليه وإليكم التفصيل:
الحلقة الأولى
أولا: عهد الدولة الأموية:
تمت مبايعة معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - بعد تنازل خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - فأصبح الخليفة للدولة الإسلامية وكان الفضل لله - عز وجل - ثم للسيد الشريف الخليفة الراشد الحسن بن علي بن أبي طالب إذ وضع مشروعاً إصلاحيا كبيراً خضع لمراحل وكانت له دوافع وتم على صلح واضح الشروط ومن ضمن هذه الشروط العمل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين ولم يكن معاوية بن أبي سفيان ممن يجهل فوائد الشريعة والأخذ بها، وما كان يصدر في المهمات إلا عن مشورة من ذوي الرأي ووجوه الناس وأشراف القوم وأهل العلم وكانت المرجعية للإسلام.
وقيادة معاوية للدولة لم تكن فردية خالصة، فاللامركزية في الحكم والإدارة هي الأغلب، ومشاركة الرجال من أهل الرأي والخبرة في حمل المسؤولية والقيام بأعباء الدولة في السلم والحرب وفي المركز والولايات.
ووجود الإسلام في حياة الفرد والمجتمع والدولة سلوكاً ونظام حكم منذ عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين قلل من مظهر القيادة الفردية ومساوئها وعزز مظهر الشورى وغلبة الاتجاه العام الثابت في السياسة والقيادة والإدارة وتصريف الأمور ورعاية المصالح، كما أن تحول الخلافة الراشدة إلى ملك وراثي لم يكن يعني تحولاً كاملاً عن شورى الراشدين أو ارتدادا عن أوامر الإسلام ومنهجه في الحكم ولقد بقيت في عهد معاوية والعصر الأموي، كما يقرر بن خلدون: مغالى الخلافة من تحري الدين ومذاهبه، والجري على مذاهب الحق، ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان ديناً ثم انقلب عصبية وسيفاً، وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والدولة الأموية له حسنات ولها سيئات ولم يكن خصماً للشريعة ولا معطلا لأحكام الله وإليك الأدلة:
أ- القضاء في العهد الأموي:
كان العهد الأموي وخصوصاً عهد معاوية امتداد للعهد الراشدي في عدة جوانب فبقي كثير من الصحابة إلى العهد الأموي، وشاركهم في العلم والفقه والقضاء، وغيرها كبار التابعين، ثم صغار التابعين، كما بقي بعض قضاة العهد الراشدي يمارسون القضاء في العهد الأموي وبعضهم طال قضاؤهم كشريح بن الحارث - رحمه الله -، وبقيت في العهد الأموي آثار التربية الدينية وسمو العقيدة، وآثار الإيمان والالتزام بالدين والتقيد بالأحكام الشرعية. وظهر في العهد الأموي عدد كبير من المجتهدين الذين كانوا صلة الوصل بين الصحابة والمذاهب الفقهية، وكان العلماء والمجتهدون في العهد الأموي أساتذة لأئمة المذاهب التي ظهرت في العهد العباسي، وكان لهذه الصورة الفقهية الزاهية أثرها الكبير والمحمود على حسن سير القضاء والعدالة في العهد الأموي، وظهر التوسع بالاجتهاد كما بدأت حركة تدوين العلوم الإسلامية والانفتاح على الحضارات الأخرى وترجمة الثقافات والعلوم من الأمم المجاورة وكان القضاء في العهد الأموي مستقلاً عن أي سلطة أخرى حتى سلطة الخليفة أو الوالي وما على الخلفاء أو الولاة إلا تنفيذ الأحكام التي يصدرها القضاة، واعتمد القضاة على المصادر نفسها التي جرى عليها القضاء في العهد الراشدي وذلك بالالتزام بالكتاب والسنة والإجماع والسوابق القضائية والاجتهاد مع الاستشارة وكان الالتزام بالقرآن والسنة هو الأساس وهو ما تلتزم به الخلافة وتتم عليه البيعة وكان القضاة مجتهدين في إصدار الأحكام القضائية ولهم الحرية المطلقة في استنباط الأحكام من القرآن والسنة ومقاصد الشريعة ولم يتقيدوا برأي الخلفاء.
ب الفتوحات الإسلامية:
كانت الفتوحات في عهد الدولة الأموية كبيرة جدا حيث قامت الدولة مع حركة الأمة الواسعة بدورها الرسالي فكانوا ينشرون الهدى في مكان الضلال والنور في محل الظلام، وينشرون العبودية الصحيحة لله في مكان المعبودات الزائفة للحكام والكهنة والأوثان ويحررون المستعبدين في الأرض ويردون إليهم إنسانيتهم الضائعة، ويرفعونهم إلى المكان اللائق بالإنسان، وكانوا ينشرون قيماً من العدل والأخوة والتسامح والتكافل للبشرية بها من قبل، ولا رأتها من بعد في غير الإسلام، وينشرون حضارة حقيقية شاملة شامخة ولو لم يكن الفاتحون مسلمين حقاً، بمعنى الإيمان بهذا الدين وممارسته في عالم الواقع والتمكين منه عقيدة وسلوكاً وحركة ما حدثت هذه الفتوحات الكبرى في عهد الدولة الأموية خصوصاً في الشمال الإفريقي وحتى الأندلس وبلاد المشرق وخراسان وما حولها وغيرها من الفتوحات.
إن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - حمى وعزز منجزات الموجة الأولى من حركة الفتح الإسلامي التي قادها وخطط لها الخلفاء الراشدون، فالموجة الثانية لحركة الفتوح هي التي بدأت في عهد معاوية نفسه واستمرت فيما بعد لكي تبلغ أقصى اتساعها في عهد الوليد بن عبد الملك. ولقد كان معاوية - رضي الله عنه - يملك فكراً استراتيجياً في إدارة الدولة وتطوير مؤسساتها فقد طور المؤسسة العسكرية وخصوصاً الأسطول البحري بحيث أصبح رادعاً لأسطول الدولة البيزنطية وضيق الخناق على الدولة البيزنطية بالحملات المستمرة براً وبحراً، وقد أرهق البيزنطيين وأذاقهم ألوان الفتك والخوف وأنزل بهم خسائر فادحة، وواصل معاوية فتوحاته في الشمال الإفريقي وانطلقت حملة معاوية - رضي الله عنه - في عهده وبرز اسم عقبة بن نافع في تلك الفتوحات وقام ببناء مدينة القيروان بتونس اليوم وكان ذلك في عهد معاوية وقد أصبحت القيروان مركز الإشعاع الحضاري الإسلامي بالمغرب وعاصمتها العلمية وقد خضعت حركة الفتوحات الإسلامية في عهد الدولة الأموية لأحكام الشريعة الإسلامية، وإن كان هناك بعض التجاوزات في معاملة الرعايا كما حدث في عهد عبد الملك على يد الحجاج بن يوسف الثقفي..
الحلقة الثانية
الحكم من الشورى إلى الوراثة في عهد معاوية
صحيح أن النظام الإسلامي للحكم لم ينص على طريقة معينة لاختيار ولي الأمر ولكنه وضع الأساس الذي لا تجوز الحيدة عنه، إلا في حالات الضرورة والاضطرار وهو الشورى، وليس للشورى أسلوب خاص أو طريقة واحدة لا تتحقق إلا بها ولكن تتحقق بأساليب شتى كما بينت في كتب عن الخلفاء الراشدين، ولئن قصد معاوية - رضي الله عنه - بإحداث ولاية العهد في نظام الحكم الإسلامي جمع كلمة المسلمين وحقن دمائهم إلا أنه كان قادراً على أن يجعل العهد بعده لغير ولده من كبار الصحابة الموجودين في تلك الفترة، وكان فيهم كفاءات لو أسند إليهم الأمر، فقد كان الحسين بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وغيرهم موجودين في هذا الوقت ولكن معاوية - رضي الله عنه - عدل عن هؤلاء وقصد لولده ليكون خليفة من بعده وبذلك حصل التغيير الحقيقي في نظام الحكم الإسلامي فليس التغيير في إيجاد نظام ولاية، ولكن التغيير في أن يكون ولي العهد هو ولد الخليفة أو أحد أقاربه، حتى أصبحت حكومة ملكية بعد أن كانت خلافة راشدة، وإذا كنا مأمورين باتباع سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، فإن التزام نظام الوراثة ليس من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من سنة خلفائه الراشدين، كما أن ترشيح يزيد لم يكن موفقا لأسباب منها: أن المجتمع الإسلامي يومئذ كان فيه من هو أحق وأولى بالخلافة من يزيد في سابقته وعلمه ومكانته وصحبته، كعبد الله بن عمر، وابن عباس والحسين بن علي - رضي الله عنهم - وغيرهم، فأين الثرى من الثريا.. ومنها: مبدأ توريث الحكم من الأب لابنه وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب، فضلاً عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون إن للذنوب أسبابا تدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة وغير ذلك، وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم، ومعاوية - رضي الله عنه - من خيار الملوك الذين غلب عدلهم ظلمهم وما هو ببرئ من الهنات، والله يعفو عنه، والذي يجب أن نعتقده في معاوية أن قلوبنا لا تنضوي على غل لأحد من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل نقول: 'وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ' (الحشر: 10) ونقول بأن معاوية اجتهد للأمة خوفاً عليها من الانقسام والفتن ولا يمكن أن يحمل تبعات كل أخطاء الملوك والأمراء الذين جاؤوا من بعده، كما قرر بعض الباحثين وإذا كان معاوية قد حول الخلافة من الشورى إلى الملك فإن حفيده معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ثالث خلفاء الأمويين قد أعاد الخلافة من الملك العضوض إلى الشورى الكاملة، وإنه من الإنصاف أن تصاغ القضية على هذا النحو بدلاً من التركيز على الشق الأول الخاص بتوريث الخلافة فقط، ولم تستطع الأمة التي أعطيت حقها في اختيار خليفتها أن تعود إلى شكل من أشكال الاختيار السابق في عصر الراشدين وبرز بوضوح دور العصبية الإقليمية والقبلية، وحسم في النهاية الصراع الدائر حول منصب الخلافة لمصلحة البيت الأموي واستطاعت الشام أن تحقق الحسم التاريخي بعمق الالتحام بين بنائها القبلي والوجود الأموي بها. وقد حاول بعض الناس أن يلفقوا على معاوية - رضي الله عنه - تحسره من بيعة يزيد، فنقلوا عنه أنه قال: 'لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي' والسند من طريق الواقدي وهو متروك ونسبوا إليه أيضاً أنه قال ليزيد: 'ما ألقى الله بشيء أعظم في نفسي من استخلافك' والسند من طريق الهيثم بن عدي، وهو كذاب ولقد اعتمد بعض الكتاب على هذه الروابط وتحامل على معاوية تحاملاً قاسياً، ولقد تورط الكثير من الباحثين في الروايات الـضعيفة والموضوعة فيما يتعلق بتاريخ صدر الإسلام نتيجة لجهلهم بعلم الجرح والتعديل وبنوا عليها تصورات وأفكاراً وأحكاماً تحتاج إلى إعادة نظر من جديد.
ومع ما وقع من انحراف في تغيير النموذج الأعلى لنظام الحكم الإسلامي الذي تتمثل فيه روح الإسلام كاملة وهو الخلافة واستبدال الملك العضوض به إلا أن الطابع الإسلامي هو الصفة الغالبة على مظهر الدولة وتصرفات الحكام فالصلاة تؤدى في أوقاتها والزكاة تحصل من أربابها والصوم فريضة لا يُعارض في أدائها وإقامة الحدود والقصاص دون هوادة لم يقف شيء دون تنفيذها والجهاد في سبيل الله فريضة ماضية بين رجالها، وبالجملة كانت تعاليم الإسلام مطبقة بحذافيرها.
دولة بني أمية وسهام وسموم بعض الكتاب
لقد تعرض معاوية - رضي الله عنه - ودولة بني أمية عموماً لسهام بعض الكتاب وزعم بعضهم أنها دولة مدنية، وقال بعضهم إنها كانت عربية ولم تكن إسلامية، بل قال بعضهم أنها كانت دولة علمانية لاصلة لها بالدين ولا بالأخلاق وهذه فرية تكذبها حقائق الدين وشواهد التاريخ، أما حقائق الدين فقد بدأت دولة بني أمية سنة 40 هـ من الهجرة واستمرت إلى سنة 132هـ، فقد شملت القرون الثلاثة التي هي خير قرون الأمة (قرن الصحابة وقرن التابعين وقرن أتباع التابعين) وهي التي جاءت بها الأحاديث الصحاح المستفيضة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث ابن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: 'خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم'، ومعنى قوله قرني أي عصري، وهم الصحابة ثم قرن التابعين ثم قرن الأتباع وبعض الشرّاح حددوا القرن بزمن، فقال بعضهم: القرن أربعون سنة وبعضهم قال ثمانون سنة وبعضهم جعله مائة سنة وهو الذي اشتهر في الاستعمال الآن وأمسى حقيقة عرفية.
ومنطق الواقع التاريخي يدل على انه من عصر الصحابة وعصر التابعيين وعصر أتباع التابعيين ومن الأحاديث الصحيحة التي يستدل بها على منزلة الدولة الأموية حديث أم حرام: أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا (أي فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة) قالت أم حرام: قلت يا رسول الله أنا منهم؟ قال أنت منهم ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم فقلت يا رسول الله أنا منهم قال: لا.. ومدينة قيصر هي القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية: قال الشراح في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، وذلك في خلافة عثمان، وما زال معاوية يشجعه بالغزو في البحر، حتى استجاب له وبدأ الأسطول الإسلامي منذ عهد عثمان، ثم اتسع وازداد في عهد معاوية وفي هذه الغزوة مات أبو أيوب الأنصاري وكان في هذا الجيش، فأوصى أن يدفن عند باب القسطنطينية والذي يهمنا هو أن هذا الجيش المغفور له بالجملة كان في عهد بني أمية، إذ كانت هذه الغزوة سنة اثنتين وخمسين من الهجرة النبوية، أي في عهد معاوية... ومن نظر في سيرة معاوية بعد أن آلت إليه الخلافة وبعد تنازل الحسن بن علي - رضي الله عنه - وتأمل هذه السيرة بإنصاف وجد الرجل حريصاً على إقامة الإسلام في شعائره وشرائعه وعلى اتباع السنة النبوية في مجالات الحياة المختلفة.
قال عنه ابن كثير: وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين، فلم يزل مستقلاً بالأمر في هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو وقال عنه: كان حليماً وقوراً رئيساً، سيداً في الناس كريماً، عادلاً شهماً، وقال عنه كان جيد السيرة، حسن التجاوز، جميل العفو كثير الستر - رحمه الله تعالى -.
وقال الذهبي - رحمه الله -: أمير المؤمنين، ملك الإسلام وقال: معاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو ببريء من الهنات، والله يعفو عنه، وحسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم هو ثغر، فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضى الناس سخطه وحلمه.. فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه وقد ألفت في معاوية كتاباً مستقلاً ذكرت فيه ما له وما عليه بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وكذلك كتبت كتاباً عن الدولة الأموية من مجلدين وسميته الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار وهي كتب منشورة وموجودة على الشبكة الليبية للإنترنت يستطيع القارئ تحميلها وغيرها من كتب بدون مقابل وصدورنا تتسع للنصح والنقد إلينا.
معاوية بن أبي سفيان يعترف بذنوب
عن عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافداً على معاوية بن أبي سفيان فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال يا مسور ما فعل طحنك في الأئمة؟ فقال المسور: دعنا من هذا واحسن فيما قدمنا له. فقال معاوية: لا والله لتكلمني بذات نفسك، والذي تعيب علي: قال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينته له. قال معاوية: لا بريء من الذنب، فهل تعد يا مسور مالي في الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب وتترك الحسنات قال المسور: والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلك أن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فوالله لما إلى من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أُخير بين أمرين وبين الله وغيره إلا اخترت الله - تعالى -على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل ويجزي فيه بالحسنات ويجزي فيه بالذنوب إلا أن الله يعفو عمن يشاء فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها وأوازي أموراً عظاماً لا أحصيها ولا تحصيها من عمل لله في إقامة صلوات المسلمين والجهاد في سبيل الله - عز وجل - والحكم بما انزل الله - تعالى -، والأمور التي ليست تحصيها وإن عددتها لك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر. قال عروة: فلم يُسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له.
وكان معاوية - رضي الله عنه - يفرق بين المعارضة السلمية والمسلحة، فهو يطلق حرية الكلام والتعبير عن الرأي ما دام ذلك في حدود التعبير عن الرأي، أما إذا انقلب الأمر إلى حمل السلاح وسلّ السيوف، فإنه لا يجد مفراً من مواجهة هذه الثورات، فقد روي أنه قال: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا وقد ذكرت في كتابي عن معاوية الكثير من المواقف التي تدل على حرية التعبير، وحق المعارضة السلمية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمعاوية وكيف يستقبل تلك الانتقادات.
وقد ظفر معاوية بتقدير زعماء المسلمين من أبناء الصحابة رغم نقد بعضهم المرير له، وكان كثيراً ما يقول: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكثر من حلمي، أو عورة لا أواريها بستري، أو إساءة أكثر من إحساني وكان أحياناً يتمثل بهذه الأبيات.
تعفو الملوك عن الجليل من الأمور بفضلها
ولقد تُعاقِبُ في اليسير وليس ذلك لجَهلهَا
إلا ليعرف فضلها ويخاف شدة نكلها
لقد كانت الشريعة مطبقة في الدولة الأموية والقضاء مستقلاً وحريصاً على إرساء قيم العدل ومحاربة المظالم ورد الحقوق إلى رعايا الدولة وحركة الفتوحات ارتبطت بالعقيدة والقرآن الكريم وهداية الناس ودعوتهم للإسلام والفتوحات من أعظم أعمال الدولة الأموية.
الحلقة الثالثة
عهد عمر بن عبد العزيز الأموي والشريعة الإسلامية
عمر بن عبد العزيز من البيت الأموي ومن الأسرة الحاكمة، عمه عبد الملك بن مروان وابن عمه الوليد وكذلك سليمان وهم من الخلفاء الأمويين. ويسلم الكثير من المثقفين وأصحاب الفكر وبعض النخب بأن عمر بن عبد العزيز يعد من الأمثلة الرائعة في تحكيم الشريعة، ومن أهم ما يميزه في دولته حرصه على العمل بالكتاب والسنة ونشر العلم بين رعيته وتفقيههم في الدين وتعريفهم بالسنة ومنطلقه في ذلك فهمه لمهمة الخلافة أو رئاسة الدولة، فهي حفظ الدين وسياسة الدنيا به، فهو يري أن من أهم واجباته تعريف رعيته بمبادئ دينهم وحملهم على العمل بها، فورد عنه أنه قال: في إحدى خطبه: إن للإسلام حدوداً وشرائع وسنناً فمن عمل بها استكمل الإيمان ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فلأن أعشى أعلمكموها وأحملكم عليها. وقال أيضاً: فلو كان لكل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة يعيشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيراً. ونقف معه بعض الوقفات:
أولا: الاعتصام بالكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين:
لما ولي عمر بن عبد العزيز كتب: أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله ولزوم كتابه والإقتداء بسنة نبيه وهديه وليس لأحد في كتاب الله ولا في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - أمر ولا رأي إلا إنفاذه والمجاهدة عليه... فإن الذي في نفسي في أمر أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تتبعوا كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد، من عمل بغيرهما فلا كرامة ولا رفقة له في الدنيا والآخرة وليعلم من عسى أن يذكر له ذلك، ولأن تموت نفسي في أول نفس أحب إلى من أن أحملهم على غير اتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم التي عاش عليها من عاش توفاه الله عليها من توفاه الله عليها إلا أن يأتي علي وأنا حريص على اتباعه- وإن أهون الناس علي تلفا وحزنا لمن عسى أن يريد خلاف شيء من تلك السنة. وقال: سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها الاعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها، ومن اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاَه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وقال: يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملت به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو، حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي وكتب إلى الخوارج في عهده:... فإنني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
فهذه الآثار توضح إتباع عمر للكتاب والسنة ولزومهما، وبذل الجهد والطاقة في تطبيقهما وإن أدى ذلك إلى قطع الأعضاء، وإزهاق النفس. وما ذهب إليه عمر هو أصل الدين وأساسه قال - تعالى -: (فلا ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) (النساء: 65) وقال - صلى الله عليه وسلم -: يا أيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنتي.
ولقد تمسك عمر بن عبد العزيز بكتاب الله وسنة رسوله وخلفائه الراشدين وأعاد للخلافة الراشدة معالمها وملامحها وسار على هديها وعض على سننهم بالنواجذ ورجع إلى أقوالهم عند النزاع وأخذ بها في الحكم على أهل القبلة وأهل العهد، كما أخذ بها في العبادات والمعاملات وقد أولى الخليفة الأولى والثاني أبا بكر وعمر جل اهتمامه، وعد ّ الأخذ بسنتهم أخذاً بسنة رسول الله كما أخذ بسنة الخليفة الثالث عثمان واعتصم بسنة الخليفة الرابع على وخصوصاً في معاملة الخوارج، حيث ناظرهم وكتب إليهم فلما تمادوا حاربهم وحكم على أموالهم وذراريهم وأسراهم بقضاء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، بل يرى عمر بن عبد العزيز أن من خرج عن سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين - رضي الله عنهم - فهو خارج عن سبيل المؤمنين وهو من الفرقة الهالكة وكل ما سنه الخلفاء الراشدون فإنه من سنته - صلى الله عليه وسلم - لأنهم سنوه بأمره، ولا يكون في الدين واجباً إلا ما أوجبه ولا حراماً إلا ما حرمه ولا مستحباً إلا ما استحبه ولا مكروهاً إلا ما كرهه ولا مباحاً إلا ما أباحه، واتباع سنة الخلفاء الراشدين في العقائد والأحكام هو ما عليه السلف الصالح وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة قال - تعالى -: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) (النساء آية: 115) وقال - صلى الله عليه وسلم -: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة.
2- منهج عمر بن عبد العزيز الأموي في إدارة الدولة من خلال خطبته الأولى:
صعد عمر المنبر وقال في أول لقاء مع الأمة بعد استخلافه أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين واني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فولّ أمرنا باليمن والبركة. وهنا شعر أنه لا مفر من تحمل مسؤولية الخلافة فأضاف قائلاً يحدد منهجه وطريقته في سياسة الأمة المسلمة: أما بعد فإنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا إن ما أحل الله حلال إلى يوم القيامة، ألا إني لست بقاض ولكني منفذ، ألا واني لست بمبتدع ولكن متبع ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله، ألا إني لست بخيركم ولكني رجل منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملاً: أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس، وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ويعيننا على الخير بجهده ويدلنا على الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية ولا يعترض فيما لا يعنيه. أوصيكم بتقوى الله - عز وجل - فإن تقوى الله خير من كل شيء وليس من تقوى الله خلف، وأعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لأخرته كفاه الله- تبارك وتعالى -أمر دنياه، وأصلحوا سرائركم ليصلح الله الكريم علانيتكم وأكثروا من ذكر الموت وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هادم اللذات وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها - عز وجل - ولا في نبيها - صلى الله عليه وسلم - ولا في كتابها وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم واني والله لا أعطى أحدا باطلاً، ولا أمنع أحداً حقاً، ثم رفع صوته حتى أسمع الناس فقال: يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، وإن من حولكم من الأمصار والمدن فإن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا وليكم وإن هم نقموا فلست لكم بوال ثم نزل، وهكذا عقدت الخلافة لعمر بن عبد العزيز في ذلك اليوم، ويظهر لنا من هذه الخطبة السياسية التي قرر عمر بن عبد العزيز اتباعها في الحكم فوائد وهي:
أ- التزام بالكتاب والسنة، وأنه غير مستعد للاستماع إلى أي جدل في مسائل الشرع والدين على أساس أنه حاكم منفذ وأن الشرع بين من حيث تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله ورفضه للبدعة والآراء المحدثة.
ب- حدد لمن يريد أن يتصل به وبعمل معه من رعيته أن يكون اتصاله معه لخمسة أسباب:
- أن يرفع إليه حاجة من لا يستطيع أن يصل إلى الخليفة، أي إنه جعل المقربين منه همزة وصل بينه وبين من لا يستطيعون الوصول إليه، فيعرف بذلك حوائج الناس وينظر فيها.
- أن يعينه على الخير ما استطاع، أي أن علاقة هؤلاء به تقوم على أساس نزعة الخير يعين الخليفة عليه، وبالتالي يحذره من أي شر.
- فرض على من تقرب إليه فريضة أن يرشده، ويهديه إلى ما فيه خير الأمة.
- نهى من يريد أن يتقرب إليه، عن أن يغتاب عنده أحد.
- أن لا يتدخل أي مقترب منه في شؤون الحكم، وفيما لا يعنيه عامة.. لقد كان يدرك مدى تأثير البطانة والمقربين من الحاكم على الحاكم وعلى الرعية وعلى أسلوب الحكم، فآثر أن ينبه الناس حتى يتركوه يحكم بما ارتضى من نطاق شرع الله، دون أن يبعدهم نهائياً لأنه أجاز لهؤلاء المقربين أن يدلوه على الخير ويعينوه عليه وأن ينقلوا إليه حاجة المحتاج.
- كما أنه حذر الناس من عواقب الدنيا ولو أساءوا فيها وطلب إليهم أن يصلحوا سرائرهم ويحذروا الموت ويتعظوا به.
- قطع على نفسه عهداً بأن لا يعطي أحد باطلاً ولا يمنع أحداً حقاً، وأنه أعطاهم حقاً عليه، وهو أن يطيعوه بما أطاع الله، وأنه لا طاعة له عليهم إذا عصاه - سبحانه وتعالى -.
هذه هي الخطوط العريضة لسياسة عمر، ذكرها في أول لقاء له مع الرعية وأهل الحل والعقد في المسجد بعد بيعته. فدولته قد حددها بالسير على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد آثر أن لا يدع لأي عامل من عماله حجة عليه بعد ذلك، ففصل ما أجمل في خطبته الأولى في كتب أرسلها إلى عماله وقد كانت هذه الكتب نوعين:
- كتاب إلى العمال يبصرهم بما يجب عليهم أن يلتزموا به في مسلكهم الشخصي والخاص إزاء الرعية.
- وقد بينت ذلك في كتابي (الخليفة الراشد والمصلح الكبير عمر بن عبد العزيز ومعالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة).
- وكتب إلى عماله حددت سياستهم وطريقة تعاملهم مع أفراد الرعية من المسلمين وغير المسلمين، ممن كانوا يسكنون دار السلام.
3- الشورى في دولة عمر بن عبد العزيز:
قال - تعالى -: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) (الشورى، آية38)... لقد اهتم عمر بن عبد العزيز بتفعيل مبدأ الشورى في خلافته ومن أقواله في الشورى: إن المشورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة لا يقتل معهما رأي ولا يفقد معهما حزم، وكان أول قرار اتخذه عمر بعد ما ولي أمر المدينة للوليد بن عبد الملك، يتعلق بتطبيق مبدأ الشورى وجعله أساساً في إمارته، حين دعا من فقهاء وكبار علمائها، وجعل منهم مجلساً استشارياً دائماً، وحري بمن جعل آكد مباديء إمارته حين كانت مسئوليته جزئية أن يطبقه وقت المسئولية الكاملة والمهمة العظمى، ألا وهي ولاية أمر المسلمين كافة وقد تبين مبدأ الشورى من أول يوم في خلافته، وقال للناس: أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فوَل أمرنا باليمن والبركة، وبذلك خرج عمر بن عبد العزيز من مبدأ توريث الولاية الذي تبناه معظم خلفاء بني أمية إلى مبدأ الشورى والانتخاب، ولم يكتف عمر باختياره ومبايعة الحاضرين، بل يهمه رأي المسلمين في الأمصار الأخرى ومشورتهم، فقال في خطبته الأولى عقب توليه الخلافة- وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم، وإن هم أبوا فلست لكم بوال، ثم نزل. وقد كتب إلى الأمصار الإسلامية فبايعت كلها.
وكان عمر بن عبد العزيز يستشير العلماء، ويطلب نصحهم في كثير من الأمور أمثال سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة وغيرهم، فقال: إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا عليّ، كما كان يستشير ذوي العقول الراجحة من الرجال، وقد حرص عمر على إصلاح بطانته لما تولى الخلافة فقرب إلى مجلسه العلماء وأهل الإصلاح وأقصى عنه أهل المصالح الدنيوية والمنافع الخاصة ولم يكتف - رحمه الله - بانتقاء بطانته، بل كان زيادة على ذلك يوصيهم ويحثهم على تقويمه، وقد كان لهذا المسلك أثر في تصحيح سياسته التجديدية ونجاحها، حيث كان لبطانته أثر في شد أزره وسداد رأيه وصواب قراره، فمن أسباب نجاح الخليفة عمر بن عبد العزيز تقريبه لأهل العلم والصلاح وانشراح صدره لهم ومشاركتهم معه لتحمل المسئولية فنتج عن ذلك حصول الخير العميم للإسلام والمسلمين.
4- العدل في دولة عمر بن عبد العزيز:
قال - تعالى -: (يأيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً) (النساء آية: 135) لقد قام أمير المؤمنين عمر بهذا الركن العظيم والمبدأ الخطير على أتم وجه... وكان يرى أن المسؤولية والسلطة في نظر عمر هي القيام بحقوق الناس والخضوع لشروط بيعتهم، وتحقيق مصلحتهم المشروعة، فالخليفة أجير عند الأمة وعليه أن ينفذ مطالبها العادلة على حسب شروط البيعة وقد أحب الاستزادة من فهم صفات الإمام العادل وما يجب أن يقوم به ليتصف بهذه الخصلة الفريدة الحميدة فكتب إلى الحسن البصري يسأله في ذلك فأجابه الحسن: 'الإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، ويكتب لهم في حياته ويدخرهم بعد مماته، والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البّرة الرفيقة بولدها حملته كرهاً ووضعته كرهاً، وربته طفلاً، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه ترضعه تارة وتطعمه أخرى، وتفرح بعافيته وتغتمّ بشكايته، والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصىّ اليتامى، وخازن المساكين يربي صغيرهم والإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدّد، وشرّد العيال، فأفقر أهله وفرّق ماله'.
ولقد قام عمر بن عبد العزيز في رد الحقوق لأهلها واتبع سياسة رشيدة صالحة ليومنا هذا في رد المظالم وبدأ بنفسه وأهل بيته وبني أمية وعزل جميع الولاة والحكام الظالمين، وأبدلهم بالأخيار من ذوي العلم والكفاءة ورفع المظالم عن الموالي وأهل الذمة وجعل من مجتمعه نموذجاً ومثالاً رائعاً نفاخر به أمام المدنيات الحديثة في إقامة العدل ورفع الظلم ومحاربته بكافة أشكاله وأنواعه.. وقد ضربت أمثلة عديدة على ذلك في كتابي عن عمر بن عبد العزيز.
الحلقة الرابعة
5- الحريات في دولة عمر بن عبد العزيز
من أراد أن يتعلم من التجارب الإنسانية في إعطاء الحريات للشعوب والمجتمعات نقول له: هلم إلينا لتتعلم من حضارتنا وتاريخنا ما نباهي به شعوب الأرض وتراثها وحضاراتها.
إن مبدأ الحرية من المبادئ الأساسية التي قام عليها الحكم في دولة عمر بن عبد العزيز، ويقضي هذا المبدأ بتأمين وكفالة الحريات العامة للناس كافة ضمن حدود الشريعة الإسلامية وبما لا يتناقض معها، فقد أهتم عمر بكافة صور الحرية الإنسانية، فجاء مستعرضاً لأنواع وصور الحرية، فأقر ما كان فيها موافقاً لتعاليم الإسلام، وأعاد ما لم يكن كذلك إلى دائرة التعاليم الإسلامية فمن الحريات التي دافعت عنها دولة عمر بن عبد العزيز.
(أ) الحرية الفكرية والعقدية: حرص عمر بن عبد العزيز على تنفيذ قاعدة حرية الاعتقاد في المجتمع، وكانت سياسته حيال النصارى واليهود تلتزم بالوفاء بالعهود والمواثيق وإقامة العدل معهم ورفع الظلم وعدم التضييق عليهم في معتقدهم ودينهم انطلاقاً من قوله - تعالى -: (لا إكراه في الدين) (البقرة: 256) وكان عمر ينهج أسلوب الدعوة مع ملوك الهند، والقبائل الخارجة عن الإسلام، ولم يكره عمر أحداً من النصارى أو غيرهم على الدخول في الإسلام، وأما حرية الفكر من حيث التعبير، فقد أخذت نطاقاً واسعاً في إدارة الدولة، وقيادته لعماله ورعايته، فقد أتاح لكل متظلم أن يشكو من ظلمه وأطلق للكلمة حريتها وترك للناس حرية أن يقول كل فرد ما يقول.
(ب) الحرية السياسية: أعلن عمر استئناف الحرية السياسية التي منحها الإسلام للمسلمين، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حتى وإن كان حاكماً أو والياً، فقد أعلن عمر في أول يوم من أيام حكمه الحرية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منكراً على الناس واقعهم المظلم وأن الإسلام لا يرضى السكوت عن الظلم، فقد خطب الناس يوماً فقال: ألا لا سلامة لامرئ في خلاف السنة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا وإنكم تسمون الهارب من ظلم إمامه! العاصي، ألا أولاهما بالمعصية الإمام الظالم... ومما يدل على إعطاء عمر للناس الحرية السياسية أن أول إجراء اتخذه عقب إعلان العهد له بالخلافة تنازله عن الخلافة، وطلب من الناس أن يختاروا خليفة كما بينا سابقاً.
(ج) الحرية الشخصية: عمل عمر بن عبد العزيز على تحقيق وتدعيم الحرية الشخصية لأفراد الأمة الإسلامية، فقد فتح باب الهجرة لمن يريد وهي ما يسمى بحرية التنقل أو الغدو والرواح.
(د) حرية التجارة والكسب: فقد أكد في كتاب له إلى عماله على ضرورة منح الناس حرية استثمار أموالهم والاتجار بها في البر والبحر على حد سواء وتشدد في أمر السلع المحرمة ومنع القصاص بها، فالخمر من الخبائث التي لا يجوز التعامل فيها بين المسلمين، لحرمتها ولضررها حيث يؤدي شربها إلى استحلال الدم الحرام وأكل المال الحرام، ولقد كانت الحرية في دولة عمر بن عبد العزيز مصونة ومكفولة ولها حدودها وقيودها ولذلك ازدهر المجتمع وتقدم في مدار الرقي، فالحرية حق أساسي للفرد والمجتمع ليتمتع بها في تحقيق ذاته وإبراز قدراته، وسلب الحرية من المجتمع سلب لأهم مقوماته فهم أشبه بالأموات، إن الحرية في الإسلام إشعاع داخلي ملأ جنبات النفس الإنسانية بارتباطها بالله، فارتفع الإنسان بهذا الارتباط إلى درجة السمو والرفعة، فأصبحت النفس تواقة لفعل الصالحات والمسارعة في الخيرات ابتغاء الفضل من رب الأرض والسماوات، فالحرية في المجتمع الإسلامي دعامة من دعائمة تحققت في دولة عمر بن عبد العزيز في أبهى صورة انعكست على صفحات الزمن، والحرية لا تعطى ولا توهب وإنما تنتزع انتزاعاً.
6- اهتمامه بالدعوة الشاملة:
ركز عمر جهوده بالبناء الداخلي للدولة لترسيخ وحدتها وأمنها ونشر العلم وتوصيله لكل أفراد الأمة ما أمكن لذلك سبيلا كما اهتم بنشر العدل بين الرعية وإزاحة الضغائن والأحقاد من بين المسلمين وقد استهدف عمر بن عبد العزيز قلوب الناس وعقولهم ونفوسهم بتعاليم الإسلام ووضع مشروعاً كبيراً لتحقيق ذلك الهدف العظيم ولم يكن عمر بن عبدا لعزيز بالإنسان الذي تستهويه المشاريع الكبرى، فيقف عند حدود الخيال لا يتعداه بل حول مشروعه إلى برنامج عملي قابل للتطبيق بعد أن مهد الظروف وأحاط برامجه بالضمانات العملية وهيأ له الأسباب مما جعله يحيله إلى واقع مشهود وقد ساعده على مشروعه التربوي الدعوى العملي أمور منها:
- وضع قانون التفرغ للعلماء والدعاة والفقهاء.
- حض العلماء على التعليم والتربية ونشرها.
- وجه الأمة إلى أهمية العلم.
- أرسل العلماء الربانيين إلى شمال إفريقية لتعليم الناس الإسلام وتربيتهم عليه وهم الفقهاء العشرة الذين كان لهم دور عظيم في نشر الإسلام.
- شجع غير المسلمين على الدخول في الإسلام.
- صحح الوضع الخاص لأهل الذمة.
7-الإصلاحات المالية في عهد عمر بن عبد العزيز:
لم تكن سياسة عمر بن عبد العزيز المالية ارتجالية فهو مسئول عن دولة وكان يحسب حساباً لكل خطوة يخطوها ويضع الضمانات لكل عمل يعتزم تنفيذه ولقد سار في سياسته على أمور منها:
- العزم على الاعتصام بالكتاب والسنة.
- ترسيخ قيم الحق والعدل ورفع الظلم.
وكانت من أهداف عمر السياسية والاقتصادية:
- إعادة توزيع الدخل والثروة بشكل عادل.
- تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.
واتخذ عمر بن عبد العزيز لتحقيق أهدافه الاقتصادية عدة وسائل منها:
- توفير المناخ المناسب للتنمية وذلك برد الحقوق لأصحابها وفتح الحرية الاقتصادية وفق ضوابط الشريعة.
- اتباع سياسة زراعية جديدة واتبع خطوات ترمي إلى زيادة الإنتاج الزارعي للأمة ومن هذه الخطوات.
o منع بيع الأراضي الخراجية.
o العناية بالمزارعين وتخفيف الضرائب عنهم.
o اتخذ سياسة الإصلاح والإعمار وإحياء أرض الموات.
o عمل على توفير مشاريع البنية التحتية.
وكانت له سياسة حكيمة في الإنفاق من معالمها:
* إنفاق عمر على الرعاية الاجتماعية، كالإنفاق على الفقراء والمساكين والغارمين وفك الأسرى.
* ترشيد الإنفاق في مصالح الدولة والبعد عن الإسراف والتبذير والشح والتقتير ومن الخطوات التي اتخذها في مجال ترشيد الإنفاق في مصالح الدولة.
- قطع الامتيازات الخاصة بالخليفة وبأمراء الأمويين.
- رشد الإنفاق الإداري.
- رشد الإنفاق الحربي.
لقد أدت سيرة عمر وسياسته إلى استقرار الأوضاع الداخلية وتوقفت الحروب والفتن ولما بلغت سيرته الخوارج اجتمعوا وقالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل لقد ساهم إيقاف الحروف والفتن في إيجاد مناخ عام من الراحة والطمأنينة والاستقرار وساهم في النمو الاقتصادي للدولة وتحسنت أوضاع الفقراء بفضل الله ثم بسياسة عمر الرشيدة.
8-المؤسسة القضائية في عهد عمر بن عبد العزيز:
كان عمر بن عبد العزيز الأموي يدقق في اختيار القضاة حتى لا يبتلى الناس بقاض يتخبط فيهم بغير حق ولهذا فقد اشترط عمر بن عبد العزيز في القاضي خمسة شروط، ولا يجوز له أن يلي القضاء حتى تكتمل فيه هذه الشروط وهي: العلم والحلم والعفة والاستشارة والقوة في الحق وكانت الأحكام في الدماء والقصاص والحدود تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية وقد فصلت فيها في كتابي عن عمر بن عبد العزيز وكان يأمر ولاته بتعجيل النظر في أمور المتهمين فمن كان عليه أدب فيؤدب ويطلق سراحة ومن لم تثبت عليه قضية يخلى سبيله.. ويرى أن إقامة الحدود سبب لقلة السجناء لأنه كان زاجراً لأهل الفسق والزعارة فعن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: فلو أمرت بإقامة الحدود لقل أهل الحبس ولخاف أهل الفسق والزعارة ولتناهوا أعماهم عليه، إنما يكثر أهل الحبس لقلة النظر في أمورهم انما هو حبس وليس نظر فمر ولاتك جميعا بالنظر في أمر أهل الحبوس في كل الأيام فمن كان عليه ذنب أدب وأطلق ومن لم تكن له قضية خلي عنه... لقد اهتم بأمر المسجونين اهتماما شديدا وأصدر تعليماته بتعهدهم بكل ما يحتاجونه من طعام وأدم وكسوة وغير ذلك ولم تكن حقوق الإنسان في سجون دولة عمر بن عبد العزيز منتهكة، وقد كتب إلى أمراء الأجناد: وانظروا في السجون ممن قام عليه الحق، ولا تعد في العقوبة، ويعاهد مريضهم ممن لا أحد له ولا مال. وانظر من تجعل على حبسك ممن تثق به ومن لا يرتشي فإن من ارتشى ضاع ما أمر به. ويمضي عمر بن عبد العزيز قدما في تنظيم السجون والاهتمام بأمر المسجونين وتعاهدهم فيأمر بأن يجعل للنساء حبس خاص بعيداً عن الاختلاط بالرجال، مما يؤكد على اختيار أهل الدين والأمانة ليتولوا أمور السجناء ويأمر ولاته بقوله: وإذا حبست قوما في دين فلا تجمع بينهم وبين أهل الزعارات في بيت واحد ولا حبس واحد، واجعل للنساء حبس على حدة. فانظر إلى عمر بن عبد العزيز في اهتمامه بالسجناء وحرصه على إقامة العدل فيهم ودفع الظلم عنهم.
9-في أحكام الجهاد:
وبين عمر بن عبد العزيز أحكام الشرع في من يشرع له الاشتراك في القتال وكيفية بداية قتال غير المسلمين، ومدة الرباط وحكم تصرف المقاتل في ماله وبيع الخيل للعدو وافتداء أسارى المسلمين ولو كثر الثمن وافتداء الرجل والمرأة والعبد والذمي.
الحلقة الخامسة
10 - الفقه الإداري عند عمر بن عبد العزيز
حرص عمر بن عبد العزيز على انتقاء عماله من أهل الخير والصلاح واشرف على إدارة شؤون الدولة إشرافاً مباشراً واعتمد التخطيط في إدارته فلم يكن ليتخذ قراراً دون تخطيط وتوخ لعواقب الأمور وأخذها بعين الاعتبار وقال ذات مرة لرجاء بن حيوة: يا رجاء إن لي عقلاً أخاف أن يعذبني الله عليه، وكان عمر بن عبد العزيز يعتمد على الله ثم على جمع المعلومات والقدرة على حسن قراءتها واستشراف المستقبل وتحقيق الأهداف المطلوبة ويختار السياسات ويحدد الإجراءات ويبلور العمل في خططه، ففي إطار بلورة الأهداف كان هناك هدف رئيسي يسعى عمر لتحقيقه ألا وهو الإصلاح والتجديد الراشدي على منهاج النبوة والخلافة الراشدة والقيام بكل مقومات هذا المشروع الإصلاحي في إقامة العدل والحق وإزالة الظلم، وإعادة الانسجام بين الإنسان وبين الكون والحياة وخالقهما، في إطار الفهم الشمولي للإسلام، وأما اختيار السياسات كأحد مقومات التخطيط فإنه قد تجلى ذلك في تطبيقات عمر بالكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة وأنه غير مستعد للاستماع إلى أي جدل في مسائل الشرع والدين على أساس أنه حاكم منفذ وأن الشرع من جانبه على نفسه وعلى رعيته كما ألزم الرعية بالتمسك بذلك الشرع القويم.
هذا في إطار تحديد واختيار السياسة العامة وأما تحديد الإجراءات كأحد مقومات التخطيط أيضاً فإن ذلك يتضح من خلال الإجراءات التي حددها لتنفيذ هذه السياسة من اللقاء الأول مع الأمة عند وضعه شروطاً لصحبته والتي بينتها فيما مضى وأما بلورة طريقة العمل فإنه قد وضح بأنه منفذ وليس مبتدع أي منفذ لتعاليم الدين وأن الطاعة لمن أطاع الله وأن يكون أساس العمل إقامة العدل والإصلاح والإحسان بدلا من الظلم والفجور والعدوان وقد مارس عمر التخطيط من حيث الشمول وشمل تخطيطه كافة المجالات فلم يترك مجالا إلا طرق بابه في أمور السياسة والحكم والقضاء والاقتصاد والتربية والتعليم والنواحي الاجتماعية فضلا عن التخطيط للأمور العامة، كما اهتم ببعض الأقاليم بشكل منفصل مثل خراسان والعراق واهتم بمؤسسات تنظيمية أخرى مثل القضاء وبيت المال، وولاة الخراج وغير ذلك وكان التنظيم في فكر عمر بن عبد العزيز يأتي مكملا للتخطيط لبناء المتطلبات الإجرائية لتنفيذ الخطط، وقد جعل عمر بن عبد العزيز التنظيم أهم أولويات العمل الإداري ورسخ مفهوم التنظيم في سلوكه الإداري.
11 - الوقاية من الفساد الإداري:
سعى عمر بن عبد العزيز لتحقيق السلامة من الفساد الإداري بالحرص على سبل الوقاية منه وسد المنافذ على السموم الإدارية مثل الخيانة، والكذب والرشوة والهدايا للمسؤولين والأمراء والإسراف وممارسة الولاة والأمراء للتجارة واحتجاب الولاة والأمراء عن الناس ومعرفة أحوالهم والظلم للناس والجور عليهم فعمل على:
- التوسعة على العمال في الأرزاق فكان أول إجراء إداري رأى فيه عمر الوقاية من الخيانة أن وسع على العمال في العطاء رغم تقتيره على نفسه وأهله وأراد بذلك أن يغنيهم عن الخيانة.
- النهى عن الإسراف والتبذير فقد اتخذ قرارات تنم على حرص شديد على أموال المسلمين فكان أول إجراء له بعد توليه الخلافة هو انصرافه عن مظاهر الأبهة وأخذ تدابير تقطع دابر الإسراف في الدولة كلها مسجلة في كتابي عن عمر بن عبد العزيز.
- منع الولاة والعمال من ممارسة التجارة قال في كتاب له إلى عماله: نرى أن لا يتجر إمام ولا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويعيب أمورا فيها عنت، وإن حرص أن لا يفعل،، وبعد ثمانية قرون جاء ابن خلدون وكتب في مقدمته العظيمة بعد تجارب طويلة ودراسة واسعة ما يصدق عمر بن عبد العزيز في نظرته الثاقبة وحكمته البالغة قال: إن التجارة من السلطان مقترة بالرعايا معسرة للجباية.
- محاسبته لولاة من قبله عن أموال بيت المال واتخذ غير ذلك من الإجراءات التي سبق بها الكثير من النظريات الإدارية الحديثة.
سبب نجاح المشروع الإصلاحي لعمر بن عبد العزيز:
كانت هناك عوامل متعددة ساهمت في نجاح المشروع الإصلاحي لعمر بن عبد العزيز وهي:
أ) صفاته الشخصية من العلم والورع والخشية والزهد والتواضع والحلم والصفح والعفو والحزم والعدل مع قدرات إدارية كبيرة في فن التخطيط والتنظيم والقيادة والتوجيه ومعرفة الناس.
ب) امتلاكه لرؤية إصلاحية تجديدية واضحة المعالم هدفها الرجوع بالدولة لمنهج الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
ت) التفاف الأمة حول هذا المشروع عندما لمست صدق المشرف عليه وإخلاصه.
ث) وجود كوكبة من العلماء الربانيين في عهده كانوا مؤهلين لقيادة الدولة والأمة فلما جاءت الفرصة بوصول عمر بن عبد العزيز للحكم وأتاح لهم المجال أبدعو وأثبتوا جدارتهم فيما أسند لهم من مهام كبرى وهذا درس مهم في أهمية تكامل العلم الشرعي والأمانة والتقوى مع القدرات القيادية في شخصية العلماء الربانيين فذلك يساعدهم على تحكيم شرع الله من خلال مناصب الدولة وقيادة الجماهير والتفاهم حول المشروع الإسلامي الكبير المرتقب لرجوع الأمة لقيادة البشرية التائهة وإخراجها من الظلمات إلى النور.
ج) الحرص على تحكيم الشرع في كل صغيرة وكبيرة على مستوى الدولة والأمة فيأتي بذلك التوفيق الرباني قال - تعالى -: 'ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض' (الأعراف: 96)
الحلقة السادسة:
أثر الالتزام بأحكام القرآن والسنة الشريفة على دولة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -
إن التأمل في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي حياة الأمم والشعوب تعطي العبد معرفة أصيلة بأثر سنن الله في الأنفس والكون والآفاق وأوضح مكان لسنن الله وقوانينه كتاب الله - تعالى -'يريد الله ليبين لك ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم' (النساء: 26) وقد أرشدنا كتاب الله إلى تتبع آثار السنن في الأمكنة بالسعي والسير، وفي الأزمنة في التاريخ والسير قال - تعالى -: 'قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين' وأرشدنا القرآن الكريم إلى معرفة السنن بالنظر والتفكر قال - تعالى -: 'قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون * فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين' (يونس: 101- 102).
وللحكم بما أنزل اله آثار دنيوية وأخرى أخروية أما الآثار الدنيوية التي ظهرت في دولة عمر بن عبد العزيز فهي:
1- الاستخلاف والتمكين: حيث نجد أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - مكن الله له في الأرض تمكيناً عظيماً بسبب حرصه على إقامة شرع الله - تعالى -في نفسه وأهله ومن حوله وقومه وأمته، وأخلص لله في مشروعه الإصلاحي الراشدي، فأيده الله - عز وجل - وشد أزره فقد أخذ بشروط التمكين وعمل بها، فتحقق له وعد الله قال - تعالى -: 'وعد الله الذين آمنوا منكم وعلموا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم آمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً' (النور: 55) وهذه سنة ربانية نافذة لا تتبدل في الشعوب والأمم التي تسعى جاهدة وجادة لإقامة شرع الله.
2- الأمن والاستقرار: كانت الثورات في العهد الأموي على أشدها ضد النظام السائد، وخصوصاً من الخوارج إلا أن عمر بن عبد العزيز استطاع بالحوار والنقاش أن يقنع الكثير منهم، ولقد تميز عهده بالأمن والاستقرار بسبب عدله في الحكم ورفعه للمظالم واحترامه الكبير لكل شرائع المجتمع وحرصه على تطبيق الشريعة في كافة شؤون الحياة قال - تعالى -: 'الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون' (الأنعام: 28)
3- النصر والفتح المبين: إن عمر بن عبد العزيز حرص على نصرة دين الله بكل ما يملك وتحققت سنة الله في نصرته لمن ينصره لأن الله ضمن لمن استقام على شرعه أن ينصره على أعدائه بعزته وقوته قال - تعالى -: 'ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور' (الحج: 40 41)
4- العز والشرف: إن الشرف الكبير والعز العظيم الذي سطر في كتب التاريخ عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بسبب تمسكه بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإن من يعتز بالانتساب لكتاب الله الذي به تشرف الأمة ويعلو ذكرها وضع رجله على الطريق الصحيح وأصاب سنة الله الجارية في إعزاز وتشريف من يتمسك بكتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال - تعالى -: 'لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون' (الإنسان: 10) قال ابن عباس - رضي الله عنه - في تفسيره هذه الآية: فيه شرفكم فهذه الأمة لا تستمد الشرف والعزة إلا من استمساكها بأحكام الإسلام.
5- بركة العيش ورغد الحياة في عهده: قال - تعالى -: 'لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون' (الأعراف: 96) سواء كانت مادية أو معنوية وفوجيء الناس أن بركة العيش ورغد الحياة قد عم جميع الناس ومالية الدولة قويت واطمأن الناس في كل رقعة من رقع الدولة الأموية الواسعة حتى عز وجود من يستحق الزكاة ويقبلها.
6- انتشار الفضائل وانزواء الرذائل: بين الشريعة وبين الخلق أوثق الرباط وأمتن العرى كيف لا والرسالة الإسلامية في غاياتها العظمى تزكية الأخلاق وتربية الفضائل، قال - تعالى -: 'لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آيته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين' (ال عمران: 164) فمعنى يزكيهم أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به حال شركهم وجاهليتهم ولقد اهتم عمر بن عبد العزيز بنشر الفضائل وحارب الرذائل وتحركت معه مدرسة الوعظ والإرشاد والتزكية والتربية والتي كان من روادها الحسن البصري وأيوب السختياني ومالك بن دينار وغيرهم وقد حققت هذه المدرسة نتائج باهرة في نشر الفضائل وانزواء الرذائل وقد حدث في عهد عمر بن عبد العزيز تجديد كبير في توجه الأمة والمجتمع الإسلامي والتطور في الأذواق والأخلاق والميول والرغبات في هذه المدة القصيرة فقد حدث الطبري في تاريخه كان الوليد صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع وكان الناس يلتقون في زمانه فإنما يسأل بعضهم بعضاً عن البناء والمصانع فولي سليمان فكن صاحب نكات وطعام فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن الترويح والحواري فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وراء الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ ومتى ختمت؟ وما تصوم من الشهر؟
7- الهداية والتثبيت: جاء عن عمر بن عبد العزيز في خطابه الذي أرسله ليقرأ على الحجاج في موسم الحج ولولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أموراً من الحق أحياها الله لكم وأموراً من الباطل أماتها الله عنكم وكان الله هو المتوحد بذلك فلا تحمدوا غيره فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري والسلام عليكم: ولا شك أن عمر بن عبد العزيز حرص على تحكيم شرع الله في دولته وبذلك منحه الله نعمة عظيمة ألا وهي الهداية والتثبيت على الحق إن الهداية والثبات على الأمر هبة يهبها الله لمن تمخض قلبه لأمره وانقادت جوارحه لحكمه.
8- دولة عمر بن عبد العزيز دليل على قدرة الشريعة الإسلامية لحل الأزمات والمشاكل:
إن دولة عمر بن عبد العزيز حجة تاريخيه على من لا يزال يردد الكلمات والأصوات القائلة: إن الدولة التي تقوم على الأحكام الإسلامية والشريعة عرضة للمشاكل والأزمات وعرضة للانهيار في كل ساعة وأنها ليست إلا حلما من الأحلام، إن آثار تحكيم شرع الله في الشعوب التي نفذت أوامر الله ونواهيه ظاهرة بينه لدارس التاريخ وإن تلك الآثار الطيبة لهي سنن من سنن الله الجارية والماضية والتي لا تتبدل ولا تتغير فأي قيادة مسلمة تسعى لهذا المطلب الجليل والعمل العظيم مخلصة له في قصدها، مستوعبة لسنن الله في الأرض فإنها تصل إليه ولو بعد حين وترى آثار ذلك التحكيم على أفرادها ومجتمعاتها ودولتها وحكامها.
ومن أراد التوسع في الدولة الأموية فعليه بمراجعة كتبي عنها سواء الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار أو معاوية بن أبي سفيان أو عمر بن عبد العزيز.
الحلقة السابعة:
تحكيم الشرعية في الدولة العباسية
اهتم العباسيون بالشريعة الإسلامية منذ أن كانوا تنظيماً سرياً، ومن أهم مباديء وشعارات الدعوة العباسية التي رفعتها ونادت بها.
1. - دعوة إلى الإصلاح:
لقد رفع العباسيون شعار الدعوة إلى الإصلاح، والتمسك بالكتاب والسنة، والمساواة بين الشعوب، وإنصاف الشعوب التي أسلمت واندمجت في الحضارة الإسلامية، وهذه الشعارات تعد من صميم أهداف الشريعة الإسلامية وتدل على معنى خاص في ديننا وهو عدم التفرقة بين الناس بحسب ألوانهم أو دمائهم أو تاريخهم وبيان أن أكرم الناس عند الله أتقاهم. وقد تمسك العباسيون بهذا المبدأ وشنعوا به على بني أمية وزعموا في حملتهم الدعائية أنهم انحرفوا عن هذا المبدأ الإسلامي الأصيل وحاولوا أن يبينوا للناس أن قضيتهم هي قضية جهاد الحق ضد الباطل.
2. - المرجعية الشرعية للدعوة العباسية:
تعتبر مدرسة عبد الله بن عباس المكية هي المرجعية الحركية والشرعية، فقد اهتم ابنه علي بن عبد الله بن العباس بتراث أبيه وعلومه وقد ألزم ابنه محمد وهو من زعماء الدعوة العباسية أصحاب جده ابن عباس، حتى تعلم وفقه وجلس يوماً يفتي في المسجد الحرام بمثل فتيا جده وقد أبهرت فتواه سعيد بن جبير - رضي الله عنه - حين سمعه فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني رجلاً من ولد ابن عباس يفتي بفتواه. والمعلوم لدى الباحثين أن عبد الله بن عباس تقدم في التفسير بسبب عوامل متعددة منها: دعاء النبي صلي الله عليه وسلم له بالفقه في الدين والعمل بالتأويل، وكذلك قرب منزلته من عمر - رضي الله عنه -، والأخذ عن كبار الصحابة، وقوة الاجتهاد، وقدرته على الاستنباط، قدرات ابن عباس التربوية والتعليمية، ورحلاته وأسفاره ووفاته وكان ابن عباس من علماء المدرسة المكية وقد تميزت هذه المدرسة من بين المدارس بكثرة تناولها للآيات وتفسيرها، وأسهمت إسهاماً قيماً في الإبانة عن كثير من المعاني التي يحتاج إليها، ويرجع ذلك لأسباب عديدة منها: إمامة ابن عباس للمدرسة، الأثر المكاني للمدرسة كونها بمكة، وكثرة رحلاتهم وأسفارهم، حرصهم على نشر علمهم، التصنيف والتدوين المبكر لآثار المدرسة.
3. - من رسائل محمد علي العباسي إلى أتباعه:
سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن الله يبديء الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم فتبارك ذو الفضل العظيم أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله الذي لا يزيد في ملكه من أطاعه ولا ينقص في ملكه من عصاه بيده الملك ويبقى ملكه وهو عزيز ذو انتقام وتمسكوا بصالح الذي عاهدتم الله عليه وأدوا الأمانة فيما أمركم به، (واعتصموا بحبل الله جميعا)، وخذوا بحظكم منه واشكروا لله الذي أسبغ لكم من سوابغ نعمه، اعتبروا مابقي بما سلف وإنما ضرب لكم أمثال ما مضى من الأمم لتعقلوا عن الله أمره بأنكم قد رأيتم من الدنيا وتصرفها بأهلها إلى ما صار من مضى منهم، وخير ما يعيب الناس فيما بقي من الدنيا.. ثم اعلموا علماً يقيناً أن لأهل ولاية الله منازل معروفة كأنما ينظرون فيما أعطاهم الله من اليقين إلى عواقب الأمور ومستقرها، لا تصدقوا كذباً ولا تجمعوا خبيثاً ولا تخالفوا تقياً ولا تحتقروا يتيماً صغيرا، ولا تنتهكوا ذمة ولا تفسدوا أرضاً ولا تقطعوا رحماً، ولا تعصوا إماماً، وأحسنوا مؤازرتهم، وصيانة أمرهم، أعينوهم إذا شاهدتم، انصحوا لهم إذا رغبتم، اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله وأوثق التقوى لزوم حقه، وخير الملل ملة إبراهيم، وأفضل السنن سنة محمد صلي الله عليه وسلم وأعظم الضلالة بعد هدى. ونفس تناجيها بتقوى الله خير من نفس أمارة بالسوء فاتقوا الله ولا تكونوا أشباهاً للجناة الذين لم يتفقهوا في الدين ولم يعطوا الله باليقين، وأن الله أنزل عليكم كتاباً واضحا ناطقاً محفوظاً قد فصل فيه آياته وأحكم فيه تبيانه وبين لكم حلاله وحرامه وأمركم أن تتخذوا ما فيه، فاتخذوه إماماً وليكن لكم قائداً دليلاً فعليكم به، ولا تؤثروا عليه غيره فإن الله بين لكم ما تأتون وما تتقون، فقال لنبي الرحمة ((قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن))الأعراف آية 33 وقال لنبيه صلي الله عليه وسلم ((قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)) الأعراف 29. أسال الله أن يجعلنا وإياكم مهتدين غير مرتابين والسلام علي المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وقال في رسالة ثانية بعد أن تبرأ وحذر من خداش أحد المنحرفين عن الكتاب والسنة والدعوة العباسية جاء في الرسالة: أما بعد عهدنا الله وإياكم بطاعته وهدانا وإياكم بطاعته سبيل الراشدين فقد كنت أعلمت إخوانكم رأيي في خداش، وأمرتهم أن يبلغوكم قولي فيه، وإني أشهد الله الذي يحفظ ما تلفظ به العباد زكي القول وخبيثه وإني بريء من خداش، وممن كان على رأيه ودان بدينه وآمركم ألا تقبلوا من أحد ممن أتاكم عني قولاً ولا رسالة خالفت فيها كتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم.
4- أخذ البيعة:
عندما أعلن العباسيون الثورة على الأمويين أخذوا البيعة من الناس على مبادئهم والتي كانت العمل بالكتاب والسنة، وتحقيق العدل، ورفع الظلم، والمساواة بين المسلمين، وإنصاف المستضعفين، والبيعة للرضا من آل محمد. وعندما خطب داود بن علي عم العباس في أهل الكوفة خطبة جاء فيها: فلكم علينا ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل بكتاب الله، ونسير في العامة منكم والخاصة سيرة رسول الله.. وليس معنى هذا أن العباسيين التزموا بأحكام الله تامة وإنما مرجعية الدولة ودستورها هو الإسلام وحدث ضمور في الفقه السياسي المتعلق باختيار الخليفة حيث جعلوها وراثية في بني العباس إلا أن تحكيم الشريعة في باقي مناحي الحياة كان حاضرا والدليل على ذلك ظهور المدارس الفقهية الأربعة وكتابة كتب الحديث التي كانت في العهد العباسي.
5. - الخلفاء العباسيون:
قامت الدولة العباسية على فكرة الإسلام وتطبيق أحكامه وقد قال أبوجعفر المنصور لابنه المهدي إن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة والرعية لا يصلحها إلا العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلاً من ظلم من دونه.
وكان المنصور في أول النهار يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولايات والعزل والنظر في المصالح العامة. وقد اهتم العباسيون بالعدل وأخذ مجراه بين الناس من خلال مؤسسة القضاء التي تطورت في ذلك العهد، وأحاط العباسيون القاضي باحترام كبير فهو عمود السلطات وقوام الدين وقد تجلت هيبة القضاء في عهد الخليفة المهدى الذي كان يجل القضاة ويحترم مجالسهم ويحرص كل الحرص على أن يكون القاضي نزيها بعيدا عن التأثر بذوي الجاه والسلطان وأن لا يحابي أحداً مهما كانت منزلته وإن كان الخليفة نفسه.
لقد اشتهر أبو جعفر الخليفة المنصور قبل تأسيس الدولة العباسية بتردده عل حلقات المساجد وطلب العلم والفقه والآثار، فقد كان مقدماً في علم الكلام، ومكثراً من كتابة والآثار وكان صاحب معرفة بالفقه والفقهاء مما مكنه لا حقاً من التعامل بطريقة مناسبة مع الفقهاء واستقطابهم للدولة الناشئة. وبعد تأسيس الدولة العباسية استمر خلفاء بني العباس في التأكيد على المظاهر الإسلامية للخلافة وأظهروا التزامهم بالدين (2). ولقد كان للخليفة العباسي الثاني أبي جعفر عبد الله بن محمد 136هـ/753م/-151هـ/774م) الدور الأكبر في ترسيخ هذه السياسة لما كان يتميز به من شخصية فذة، فقد كان عهده متميزاً على كافة الصعد، وينظر إليه علي أنه المؤسس الحقيقي للدولة العباسية فهو الذي أصل الدولة وضبط المملكة ورتب القواعد.
* اهتمامه بالقضاء:
فقد اهتم أبو جعفر المنصور بالقضاء بشكل ملحوظ فكان أول خليفة يعين القضاة بعد أن كان هذا الأمر موكولا إلى ولاة الأمصار فقد قال الخطيب البغدادي: إن ولاة الأمصار كانوا يستقضون القضاة ويولونهم دون الخلفاء قبل أبي جعفر المنصور. فلماء جاء أبو جعفر قام بتعيين القضاة بنفسه على اعتبار أن هذه الوظيفة من مهام الخليفة. وقد قال المنصور لما عين عبيد الله بن الحسن العنبري قاضياً على البصرة إني قد قلدتك طوقاً مما قلدني الله طوقاً. ومن الفقهاء الذين قام المنصور بتعيينهم بنفسه.. الحسن بن عمارة وشريك بن عبد الله النخعي ويحي بن سعيد الأنصاري وعبيد الله بن الحسن العنبري. ومن الحوادث في تاريخ القضاء في عهد المنصور أن أحد القادة الميدانين للخليفة أبي جعفر المنصور اختصم مع أحد التجار في قطعة أرض في البصرة، فلما مثلا أمام القضاء وكان القاضي يومها في البصرة سوار بن عبد الله حكم القاضي بأن الأرض للتاجر وليست للقائد فدفع القائد شكوا ه إلى أمير المؤمنين المنصور فكتب المنصور إلى القاضي سوار يطلب منه أن يرد الأرض إلى القائد فكتب إليه القاضي: يا أمير المؤمنين: إن البينة قد قامت عندي أن الأرض للتاجر، فلست أخرجها من يديه إلا ببينة ودليل فكتب إلى المنصور لتدفعنها إلى فلان القائد فرد القاضي برسالة قصيرة كتب فيها: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجها من يدي التاجر الفلاني إلا بحق وقد قامت البينة عندي أنها للتاجر، فلما جاء كتاب القاضي إلى الخليفة المنصور تبسم المنصور وقال ملأتها والله عدلاً: الحمد لله الذي صار قضاتي تردني إلى الحق وأظهر أبو جعفر المنصور أهليته العلمية من خلال اهتمامه بالشؤون القضائية، فقد أراد شريك بن عبد الله النخعي على القضاء فاعتذر شريك بأنه لا يحسن ذلك فما كان من المنصور إلا أن قال له: اذهب فانفذ ما أحسنت وتكتب إلى فيما لا تحسن.
* رغبة المنصور في توليه العلماء العاملين أمور البلاد والعباد: -
سافر أبو جعفر المنصور إلى أماكن عدة من أرض الخلافة يتفقد أحوال الرعية وكان يلتقي في كل مدينة بعلمائها وأثناء رحلته في يوم من الأيام. ودعه الإمام الجليل المعروف بالإمام ليث بن سعد الفقيه المحدث عند بيت المقدس فقال المنصور عند وداعه: يا إمام أعجبني ما رأيت من عقلك ولقد فرحت إذ أبقى الله في الرعية مثلك ثم قال ألا تدلني على رجل أجعله والياً على مصر؟ فسكت الليث قليلاً وقبل أن يذكر له أسم أحد العلماء العاملين المعروفين بحكمتهم وحسن إداراتهم، قال المنصور فما يمنعك أنت يا أمام أن تكون والياً على مصر؟ فقال الليث يا أمير المؤمنين أنا لا أقوى وأنا ضعيف ولا يجوز لك أن تولي الضعفاء ومن ليسوا أهلا للولاية فتبسم المنصور وقال: بل أنت قوي ولكن ضعفت نيتك في العمل في هذا الأمر.
*محاولة توحيد التشريع وإخضاع الناس لأحكام موحدة: -
حاول أبو جعفر المنصور مع الإمام مالك توحيد التشريع وإخضاع الناس لأحكام موحدة فقد توجه إلى الإمام مالك بن أنس قائلاً: قد أردت أن أجعل