صدام الحضارات

سوسن البرغوتي

 

ما بين إطلاق شعارات "الحداثة" مبطنة بأغراض وأهداف سياسية وعسكرية احتلالية، وبين ماهية وجوهر المطالبة بحقوق الإنسان وحقه بالعيش حراً كريماً في وطن له سيادة واستقلالية تامة، اصطدمت ثقافات الشعوب بعدم تفهم وجهة نظر الآخر من منطلق الندّية وليس الفوقية. تلك الثقافة التي وظفتها أدوات معرفية وثورة الاتصالات والتقنية المعلوماتية، أدت إلى اتساع الهوة ومواجهة شبه عدائية للطرف الآخر، وليس باحترام الموروثات الثقافية والمعتقدات الدينية.

لم يجاهر العرب بكره أمريكا رغم انحياز حكومتها للعصابة الصهيونية عبر عقود واستخدام حق الفيتو لكل قرار يطالب بحق شرعي وعودة شعب نُكل به وشُرد في أصقاع المعمورة، والغارات "الإسرائيلية" تغتال المدنيين ومقاومي الاحتلال وهو حق شرعي أقرّته كل الأمم والشعوب والمواثيق، ولم نسمع بقرار واحد يلوح ولو بالإشارة إلى أن قوات الاحتلال اخترقت الهدنة أو شجبت ممارساتهم الإرهابية، والتعاطي بالعكس تماماً مع أي فعل للمقاومة!.

تحول هذا الانحياز إلى تطاول احتلال عسكري مباشر للعراق، وبدا كأن التقويم العالمي اليوم بدأ بأحداث 11 سبتمبر وما بعده، لمعاقبة شعوب الوطن العربي كونها مصدر "للإرهاب" وظُف أيضا لتمكن أمريكا وحلفائها لفتح باب الصدام على مصرعيه.

اُختزلت سيادة أوطان بأكملها بناءً على أضاليل وأكاذيب تساهم في المد الاستعماري بحلية وأقنعة "الديمقراطية" بإلغاء هوية الوطن العربي ليصبح "منطقة" وليس بقعة جغرافية لها هويتها وتاريخها العربي، وما دعوتهم المستمرة وغسل أدمغة بعض جهابذة الفكر العربي التطبيعي في "شرق أوسط جديد" مستحدث ومعدّل بطبخة صهيو- أمريكية، إلا أداة عربية رخيصة تسمح باختراق الكيان الواحد وإعادة تقسيم البلاد العربية على أساس طائفي وقبلي، ونزع صفة العروبة بحدود سياسية وثقافية تفرض واقع الانهزام العربي أمام الهيمنة والنظرية الفوقية.

هذه النزعة الاستغلالية للشعوب وتحت شعار تخليصها من الديكتاتورية وعلى ظهر الدبابات وتحليل قتل الأبرياء وتدمير البنى التحية، وإقناع الرأي العام في بلادهم بحرية التعبير ووجوب تحقيق الديمقراطية بالقوة تحت شبهة حمايتهم من خطر وافد، يلغي الندّية من جانب، ومن جهة أخرى يشيع الكره والغضب للشعب الأمريكي والغرب. لا يأبهون للفعل الشنيع في انتهاك مقدسات دينية، والسيد بوش يمتعض ويشجب رد الفعل، بل ويهدد ويتوعد بضربات تصدع الجبهة الداخلية، تستبيح سيادة لبنان وسوريا.

التعبير عن الرفض المطلق لعجرفة الصحافة الغربية بإعادة نشر الرسومات المشينة بحق خاتم الأنبياء، وتجاهل مشاعر أكثر من مليار مسلم، له مدلول انتهاج فوقية وعنصرية بغيضة لا تقوم على فتح الحوار وإنما على إغلاق قنوات الحوار، فهل علينا أن نرفض هذا العمل غير الحضاري بالاستكانة والصمت؟.

على الشعب الأمريكي والغربي إدراك أن نظام البيت الأبيض ينتهك فكره ومصيره، ورغم تفوقه علمياً وعسكرياً إلا أنه كحضارة إنسانية سقطت سهواً بين تاريخ الأمم.

تتوالى سياسة العصا لمن عصا التعسفية بمعايير مزدوجة، فعلى صعيد القرار السياسي بوش وزبانيته يهددون بقطع المعونات الضئيلة عن الشعب الفلسطيني، فقط لأنه اختار الاصطفاف حول قيادة نظيفة اليد والسيرة، ولأنها تتمسك بالثوابت الوطنية والحق الفلسطيني، وبالمقابل يدعم بلا حدود الكيان الصهيوني المحتل بما تجاوز ملياري دولار. كما يدل زيف دعوتهم إلى احترام حقوق الإنسان، وجنودهم ينكلون بصبية عزّل لا ذنب لهم سوى أنهم عراقيون!.

أما على الصعيد الثقافي فالأنظمة الغربية والأمريكية تعتمد تعتيم إعلامي بانتهاج الكثير من شعوبهم سياسة عين السمكة التي لا ترى إلا باتجاه واحد مضلل، بدليل دفاع الدنمرك عن حرية تعميم "عدائية" للشارع العربي بشكل قميء يدعو إلى تثبيت النظرية الفوقية. لكننا لم نشهد الغرب ينتهج السياسة ذاتها في الحوار مع الشرق الأدنى، إنما احترام متبادل لفتح حوار الحضارات.

أسباب تلك الفوقية المتعجرفة في الوطن العربي، مرده سرقة أمة وثقافتها وتذويبها ليسهل إعادة تشكيله حسب المقاييس "الديمقراطية" المهيمنة وليس الحرية المنشودة. كما أن التبعية الاقتصادية والاعتماد على عقول غربية لا تتميز بأدائها عن الكثير من الاقتصاديين والمفكرين العرب، كرسته الأنظمة العربية بتحجيم الطاقات العربية المنتجة، واللجوء إلى خبراء غربيين ليس لشيء إنما لعقدة "الخواجا"، لتبنّي فكرة الحوار من طرف واحد.. !

العالم بأكمله يعي المقولة "أنت حر ما لم تضر"، فهل استوعب شعبهم بحضارة ما يطلقونه من شعارات هذا المبدأ، أم أن حرية التعبير بكيفية رد الفعل تحدد من طرفهم.. ؟

إن التنديد بالإساءة إلى شخص الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يأت من فراغ، بل من تراكم غضب من جراء النيل من القرآن الكريم، ومن أصولنا وثقافتنا الإسلامية واستمرار وجود الخطر الصهيوني القائم على أولى القبلتين. فهل ننتظر هدم الحرم المقدسي، حتى نحرق الأرض تحت أقدامهم، أم علينا استباق تقديم وقاية كافية قبل حدوث الكارثة؟.

الصوت العربي المقموع اختنق من كثرة الطعنات وعلى جميع الأصعدة، والصوت الديمقراطي في أمريكا وأوربا يأمل بتحسين الأوضاع الاقتصادية، ولن يؤدي إنكار الإنسانية إلا إلى مزيد من التصعيد كرد فعل تجاه الحقد المسيس في عالم مليء بالبؤس والاستبداد..

 

http://www.arabiancreativity.com                        المصدر: