الرئيس يائس
آفي يسسخروف - هارتس
15/3/2008م
بدأ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) يمل الأمر، فقد قال لصحيفة "هآرتس" مسؤول كبير في السلطة الفلسطينية يوم الأربعاء قبل بضع ساعات من اغتيال إسرائيل لنشطاء الجهاد الإسلامي الأربعة في بيت لحم: إنه "لأول مرة منذ انتخابه رئيساً يمكن الشعور بأنه متشائم بالنسبة لفرص نجاح المفاوضات"، عملية الوحدة الخاصة كانت تأكيداً آخر من ناحية القيادة الفلسطينية على أن إسرائيل تسعى للمس بكل وسيلة ممكنة بقدرة السلطة على أداء دورها في الضفة، في رام الله يعتقدون بأن إسرائيل تفضل الالتصاق بحجة "لا شريك في الطرف الآخر".
كما كانت هذه هي الفرصة للتنفيس عن الإحباط الكبير الذي تراكم في المقاطعة مما يرونه كمعاملة مستخفة من جانب إسرائيل سواء بالمفاوضات السياسية حيال الفريق برئاسة أحمد قريع (أبو علاء)، أم في المحادثات الأمنية مع رجال رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض.
"الجريمة البربرية تكشف الستار المزيف الذي تغطي به إسرائيل وجهها" قال بيان تنديد شديد صدر عن مكتب الرئيس؛ "بينما تتحدث عن السلام فإنها تنفذ كل يوم الجرائم والقتل بحق أبناء شعبنا".
وقال المسؤول الكبير: "أبو مازن ليس يائساً تماماً بعد، ولكن انظروا ماذا فعلت حكومة إسرائيل حتى الآن: لا رفع للحواجز، وفي كل بضعة أيام يدخل الجيش إلى إحدى مدن الضفة ويقتل أحداً ما، نجحتم في أن تضربوا قدرة أجهزتنا الأمنية التي تحاول العمل على إعادة الهدوء إلى الضفة، والأسوأ من كل هذا - البناء في المستوطنات يستمر".
أما بالنسبة للنشاط الأمني الفلسطيني فقد روى أحد رجال المقاطعة لصحيفة "هآرتس" أنه منذ انقلاب حماس في القطاع في حزيران منعت السلطة عشرات العمليات ضد أهداف إسرائيلية، وفي تقرير مفصل نقلته أجهزة الأمن الفلسطينية إلى الأمريكيين زعم أن السلطة منعت أكثر من عشر عمليات انتحارية في هذه الفترة، حين اعتقلت انتحاريين محتملين ومخططين، ووضعت اليد على أحزمة ناسفة، وقد عرضت المعلومات على الطرف الإسرائيلي بما في ذلك أسماء المشبوهين، ولكن محافل الأمن التي طلب منها التعقيب على هذه المعلومات استبعدوها باستخفاف.
وشرح مسؤول فلسطيني بأن السلطة "غيرت القرص"، وهي لم تعد تغمض عينيها عن نشاطات حماس والجهاد الإسلامي في الضفة، وحسب أقواله فإن النشاط المكثف والمستمر من أجهزة الأمن في السلطة نجح في الضرب الشديد لما تسميه إسرائيل "البنى التحتية لحماس" في عدة مناطق بما فيها جنين، سلفيت، طوباس وغيرها.
"المشكلة هي أنكم ترفضون رؤية التغيير، لا تزالون تروون لنا عن "البوابة المستديرة"، ويقترح المسؤول على حكومة إسرائيل: "جربونا، إذا كانت لديكم معلومات عن نية بالقيام بعملية دعونا نعالج المشبوه، إذا كانت هناك شكاوى على أدائنا اجلسوا معنا، واشرحوا لنا إن أخطأنا، ولكن في هذه اللحظة يدور الحديث عن مسيرة طويلة ترمي إلى إذلال السلطة ورئيسها".
اختيار السم:
ولكن ما يقلق أكثر رجال أبو مازن هو التطورات المحتملة في قطاع غزة، يبدو أنه في كل الأحوال لن يخرج شيء طيب من هناك من ناحيتهم.
الإمكانية المقلقة الأولى هي وقف النار (التهدئة) بين إسرائيل وحماس، التي تأخذ في التبلور بوساطة مصرية، المضاعفات واضحة: في إطار الاتفاق سيتم التوصل إلى صيغة لإدارة المعابر بين القطاع وإسرائيل ومصر، وسيرفع الحصار الاقتصادي عن غزة، وبعد ذلك ستكمل القاهرة المفاوضات لتحرير الجندي المخطوف جلعاد شليت مقابل بضع مئات من السجناء، بعضهم "مع دم على الأيدي"، ولكن الأهم من ذلك هو أن كل أعضاء البرلمان من حماس سيطلقون من السجن الإسرائيلي، وستعود حماس لأن تكون الأغلبية في البرلمان الفلسطيني، وتصبح شرعية حكومة فياض موضع شك، في أعقاب رفع الحصار وتحرير السجناء؛ شعبية حماس سترتفع في الضفة وفي القطاع أيضاً، ومكانة أبو مازن وفتح ستضعف.
تطور مقلق آخر هو أن يؤدي التدهور في الضفة إلى استئناف نار الصواريخ من القطاع، من هنا فإن الطريق نحو التصعيد قصير: الجيش الإسرائيلي سيرد، وسيضرب نشطاء الجهاد الذين سيشددون النار، ولكن سيضرب المدنيين أيضاً، حماس ستجد صعوبة في التجلد، وستطلق الكاتيوشا نحو عسقلان، الجيش الإسرائيلي رداً على ذلك سيعود إلى الشجاعية والزيتون، والعملية البرية ستنتهي بعشرات القتلى الفلسطينيين مثلما حصل قبل أسبوع، في أعقاب القتلى والصور في قنوات التلفزيون شعبية حماس سترتفع في الضفة وفي القطاع أيضاً، مكانة أبي مازن وفتح ستضعف أكثر فأكثر.
من بين الإمكانيتين في المقاطعة يفضلون وقف النار على استمرار القتال بين إسرائيل وحماس، وليس بسبب رغبتهم في السلام الإقليمي، تقدير كبار مسؤولي السلطة في رام الله هو أن دخول حماس في اتفاق وقف النار سيمس مع ذلك بشعبيتها، وبدلاً من منظمة مقاومة تقاتل ضد إسرائيل؛ ستصبح حماس حركة سياسية تصل إلى اتفاقات مع "الكيان الصهيوني" كي تضمن سلامة زعمائها، ويشرح أحد كبار المسؤولين في السلطة فيقول: إن "كل أيديولوجيتهم تقوم على أساس ادعائهم بأنهم المقاومة الشرعية، بينما أبو مازن وفتح عملاء".
ولكن يخيل أحيانا أن من السهل على رجال السلطة أن يقولوا أنهم يؤيدون التهدئة، وذلك لأن احتمال تحققها ضعيف، في السلطة لا يؤمنون بأن إسرائيل وحماس ستتفقان على شروط تنفيذها، رغم بضعة أيام من الهدوء التي سادت في الجنوب خلافاً للضفة.
سبب آخر للشك في السلطة بالنسبة لاحتمالات التوصل إلى وقف للنار هو طهران، فلا ريب لدى السلطة بأن حماس في غزة أصبحت ذراعاً تنفيذياً بكل معنى الكلمة لإيران، وبقدر أقل لسوريا أيضاً، وبزعم كبار رجالات السلطة بأن التعليمات لحماس في مواصلة النار تصل مباشرة من منزل السفير الإيراني في دمشق عبر قادة حماس والجهاد في العاصمة السورية.
وهكذا فإن الشرط الجديد - القديم الذي طرحته حماس هذا الأسبوع للتهدئة؛ نشر لأول مرة في بيان لأحد قادة المنظمة في دمشق محمد نصر: وقف كل الأعمال العسكرية الإسرائيلية، في الضفة أيضاً، هذا شرط لم توافق عليه إسرائيل، هذا هو طريق سوريا وإيران لعرقلة المبادرة المصرية لوقف النار، دون أن تكون ظاهرتين على الملأ، فالتهمة ستوجه في حينه إلى إسرائيل التي ستتخذ صورة الرافضة.
أين سينامون:
ولكن حتى لو توصلت إسرائيل وحماس إلى اتفاق يتضمن فتح المعابر؛ فإن معجزة فقط ستسمح لحماس ورجال أبي مازن بالتعاون في تشغيلها، وهذا هو السبب الأساس الذي من أجله يعتقدون في المقاطعة بأن التهدئة لن تكون.
مصر، إسرائيل، والولايات المتحدة تطالب بحزم بعدم وجود رجال حماس في معبر رفح، وأن يرابط بدلاً منهم مراقبون أوروبيون، وأفراد من الحرس الرئاسي لأبي مازن، وافقت حماس على ذلك، وهي تعتزم أن يرابط رجالها على مقربة من المعبر، في الحواجز التي تشرف على حركة الفلسطينيين من وإلى المعبر، وإضافة إلى ذلك تطالب الحركة أن ينام المراقبون الأوروبيون في مصر وليس في إسرائيل، أغلب الظن يدور الحديث عن بند قابل للحل.
ولكن المشكلة بقيت لدى السلطة التي تقدر أنه لغرض تشغيل معبر رفح توجد حاجة لأن يرابط هناك وفي محور فيلادلفيا ألف جندي من الحرس الرئاسي، وهؤلاء الأشخاص طوردوا حتى الموت على أيدي حماس في أثناء الانقلاب في القطاع، وسيسكنون في غزة تحت سيطرة المنظمة الإسلامية، ويقولون في المقاطعة: "إننا لن نكون مستعدين لأن نكون هناك كقوة خاضعة لرحمة حماس، علينا أن نضمن ألا تتكرر صور الانقلاب لشهر حزيران".
وحتى مسألة مثل أماكن نوم أفراد الشرطة من شأنها أن تفشل المبادرة، ويقولون هناك: إننا "لن نوافق على أن يناموا في فندق في العريش في مصر"، وما يريده رجال السلطة حقاً هو إعادة الوضع في غزة إلى سابق عهده قبل الانقلاب.
وإضافة إلى ذلك يبدو أن أبا مازن يساهم هو الآخر في عرقلة وقف النار، ففي حديث مع صحافيين أردنيين يوم الاثنين هاجم فيه وزير الدفاع أيهود باراك على إفشاله المفاوضات بين الطرفين لاعتبارات حزبية، فقد خصص معظم أقواله لانتقاد مبطن لحماس.
فقد روى هناك عن الاتفاق الذي يتبلور بين المنظمة الإسلامية وإسرائيل، وعن المطلب الأكثر أساساً لحماس في عدم المس بزعمائها، هذا شرط لا يطيب لرجال حماس نشره، وادعى صحافي فلسطيني معروف بأن "هذا قول غريب على شخص يعلن بأنه معني بالتهدئة، وهو يبدو تقريباً كمحاولة لهدم الاتفاق المتبلور، ومنع وقف النار بين إسرائيل وحماس".
فجر يوم الخميس بدت كل الأحاديث عن التهدئة عديمة المعنى، وكما كان يمكن أن نتوقع فور الاغتيالات في الضفة وابل من صواريخ القسام سقطت في الجنوب، سوريا، إيران وباقي معارضي وقف النار يمكنهم أن يتنفسوا الصعداء.