النرويج إذ تنصف حماس
حسن القطراوي
23/03/1429هـ الموافق له 31/3/2008م
ما من شك في أن أي محاولة لتجاهل حماس هنا في فلسطين هي محاولة فاشلة، هذا ما أكدته على الأقل مئات التقارير والدراسات السياسية، وعدد من الباحثين والمحللين السياسيين منذ أن بدأ حصار الحكومة الفلسطينية العاشرة بقيادة حركة المقاومة الإسلامية حماس على أرض فلسطين.
حديث وزير خارجية النرويج "يوناس غار" أمام الاتحاد الأوروبي، والذي دعا فيه دول الاتحاد إلى إجراء حوار مع حركة حماس باعتبارها "جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي الفلسطيني" حديث ليس جديداً لكنه مُنصف، حيث سبق ذلك كثير من الدعوات التي حذرت من خطورة تجاهل حماس على المنطقة ومشاريع تلك المنطقة، الجديد في الحديث الذي أدلى به وزير خارجية النرويج هو "التوقيت"، فهي المرة الأولى الذي ينطق بها مسؤول أوروبي رسمي على هذا المستوى، وفي قلب مقر الاتحاد الأوروبي بضرورة إشراك حماس في المنظومة الدولية كقوة شرعية فلسطينية بعد الفشل الذي مني به الحصار الدولي المفروض على قطاع غزة منذ قرابة العامين، وبعد فشل القوة العسكرية الصهيونية في استئصال شأفة حماس في قطاع غزة بعد تهديداتها المتكررة باجتياح القطاع، وإسقاط حكم حماس فيه، تلك السياسة التي انتهجها المجتمع الدولي والصهاينة ضد حماس أصبحت في وجهة النظر النرويجية على الأقل "دقة قديمة"، وهي ما تحاول أن تقنع به الاتحاد الأوروبي باعتبار أن الحصار والتهديد، والقتل والدمار والاستيطان؛ في مواجهة الشعوب التي تطلب الحرية والاستقرار هو أسلوب أثبت الشعب الفلسطيني، وتاريخ الشعب الفلسطيني، وصمود الشعب الفلسطيني أنه فاشل.
القناعة الحقيقية التي يتمتع بها كثير من الساسة الدوليين هي نفس القناعة التي آمن بها وزير خارجية دولة النرويج، إلا أن الاختلاف يكمن في أن الجرأة التي تحدث بها المسؤول النرويجي ليست هي تلك الجرأة التي يتمتع بها القادة الأوروبيون الآخرون، ناهيك عن التأثير الصهيوني للوبي الموجود هناك على صناعة القرار في أوروبا بما يعني تبني وجهة النظر الصهيونية بما يعتريها من شوائب وكذب وافتراءات.
الأمر الخطير يتمثل في أن الديمقراطية التي يدعو إليها العالم المتحضر، والتي تعتبر أوروبا أحد أهم أقطابه ومعها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعتبر نفسها أم الديمقراطية وحاميتها في العالم أصبحت "ديمقراطية مزاجية"، فما يوافق المصالح الغربية والأمريكية ديمقراطي، وما يعارضها إرهابي، اليوم باتت تلك الأفكار في مهب الريح خصوصاً بعد الدعوات التي بات يطلقها عدد من القادة العالميين، والتي تتوافق في تفاصيلها مع الوزير النرويجي، كل ذلك يحدث فيما القادة العرب يرتعدون خوفاً من حماس، ومن خطورة التعامل مع حماس، وفيما الشعوب العربية تدوس رقابها سلطة - موس الكبّاس - في كل الدول العربية، فليس مسموحاً التعاطف مع حماس، أو دعمها، أو العمل بما من شأنه رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني في غزة.
الآن وبعد هذا الحديث الجديد، والتطور الايجابي في مواقف بعض القادة الأوروبيين والعالميين؛ وجب على العرب أمر عظيم في قمتهم في دمشق، وأخص هنا بالذكر قادة الرباعية العربية الذين يتمتعون بعلاقات دبلوماسية ممتازة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهو الوقوف بحزم في وجه التلاعب الدولي بمصير الشعب الفلسطيني، والوقوف أيضاً بحزم في وجه التعامل بازدواجية بنتائج الديمقراطية التي يدعون إليها، إذ إن ذلك يأتي من خلال اتخاذ مواقف مشرفة ترفع عنهم الحرج الشديد الذي ألم بهم بعد هذا الحصار الدولي الشديد المفروض على الشعب الفلسطيني، فيما أكثر من مئة دولة عربية وإسلامية تقف مستسلمة لقتل الأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين، بل عاجزة عن تحدي القهر الدولي الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني.
أمراء الحرب هنا في فلسطين ربما يشعرون بكثير من الراحة على هذا الجُرح الذي يتعرض له قطاع غزة، لأنهم يعرفون أنهم كما "الفِطريات" يعيشون على جهد غيرهم، وعلى المُصاب الجلل الذي يصيب الشعب الفلسطيني بعد حالة الانقسام التي ألمت به، فهم بكل قوة يرتمون في أحضان الاحتلال ليجدوا لأنفسهم شرعية نابعة من بين جنازير دبابات الاحتلال، وتحمي عروشهم صواريخ طائرات الأباتشي، ولا شك أن دعوات إجراء حوار مع حركة حماس تُزعجهم، أقصد هنا أصحاب الشرعيات الزائفة التي تلتف على البرلمان الفلسطيني، فيجدون سبيلاً إلى ثقة البرلمان الإسرائيلي "الكنيست" التي يمنحها لرجاله ممن يسمون أنفسهم بأسماء الفلسطينيين، ويتباكون كذباً وزوراً وبهتاناً على جراحاتهم، على أولئك أن يعلمون أن الثقة الحقيقية هي ثقة الأرض والمقاومة، والشهادة والشعب، والتاريخ بعيداً عن ثقة الانبطاح.
____________
* كاتب من غزة.