تركيا: جمهورية الديمقراطية أم جمهورية القضاء؟!
إسماعيا ياشا - كاتب تركي
خدمة تايم تورك
15- 3- 2008م
في خطوة فاجأت الجميع رفع المدعي العام التركي عبد الرحمن ياجينكايا دعوى قضائية إلى المحكمة الدستورية لإغلاق حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحظر 71 من نوابه من ممارسة الأنشطة السياسية لمدة خمس سنوات؛ بحجة تحول الحزب إلى بؤرة للأنشطة المناهضة للعلمانية.
ونجد على رأس قائمة المطلوبين منعهم من ممارسة السياسة كلاً من رئيس الجمهورية التركي عبد الله غول بصفته نائباً سابقاً لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس البرلمان السابق بولنت أرينج.
لم يصدر من محكمة التمييز، ولا من المدعي العام نفسه، ولا من المحكمة الدستورية؛ أي بيان يوضح الأسباب التي دفعت المدعي العام لفتح قضية لدى المحكمة الدستورية ضد حزب العدالة والتنمية، ولكن مصادر إعلامية ذكرت أن الملف يستند إلى أدلة مبنية - بالدرجة الأولى - على أخبار نشرت في الصحف التركية، وتصريحات لزعماء الحزب، وعلى سبيل المثال؛ الأخبار التي نشرت في الصحف حول محاولة الحكومة جمع الخانات التي تبيع الخمور في أماكن معينة في المدن، ومنع بلدية إسطنبول إعلانات البكيني في الميادين العامة، وتخصيص حافلة لطالبات ثانوية الأئمة والخطباء في إسطنبول، وتصريحات أردوغان بعد قرار المحكمة الأوروبية بشأن حظر الحجاب التي قال فيها: إن موضوع الحجاب يجب أن يُسأل فيه العلماء، وحكاية رئيس بلدية من الحزب الحاكم طرفة مسيئة إلى أتاتورك، وقول رئيس البرلمان السابق بولنت أرينج بأنه لا يؤمن بالعلمانية بشكلها الذي يتم تطبيقه في تركيا، وتصريحات أردوغان التي قال فيها: إن الحكومة ستسعى لرفع حظر الحجاب، ولو اعتبر الحجاب رمزاً سياسياً، والخطوة الأخيرة التي تقدم بها الحزب الحاكم مع حزب الحركة القومية لرفع حظر الحجاب في الجامعات.
الملفت للنظر أن هذه الأدلة لا ترقى إلى مستوى يمكن أن يؤدي في دولة القانون إلى إغلاق حزب حصل على نصف أصوات الناخبين تقريباً، ويحكم البلاد، لكونها مبنية على قصاصات من الصحف التي يعرف الجميع أنها جزء أساسي في اللعبة، وأخبار نشرت في تلك الصحف غالباً ما تكون مبالغ فيها أو محرفة، وتفسيرات لتصريحات زعماء حزب العدالة والتنمية.
أدلة واهية من بيت العنكبوت، وحالة من الجنون والهستريا تعيشها النخبة العلمانية المتسلطة، وإلا فهل يعقل إغلاق حزب لقراره - وبطلب من المواطنين - جمع الخانات التي تبيع الخمور في أماكن وأزقة معينة حتى لا تنتشر في المدن بشكل عشوائي، أو لمنع بلدية تابعة لهذا الحزب - وبطلب من المواطنين أيضاً - تعليق إعلانات لصور نساء عاريات في الميادين العامة، أو لقول زعيمه: إن قضية الحجاب وفرضيته يجب أن يسأل فيها العلماء؟!
وقد قامت الحكومة التركية منذ فترة بعملية فك للبيروقراطية المتسلطة على الدولة بإصلاحات قانونية، وتعديلات دستورية؛ لتتقدم البلاد في مسيرتها نحو الديمقراطية والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ولكن الأيام أثبتت أن النخبة المتحكمة في البيروقراطية - وإن فقدت بعض أهم أسلحتها - فإنها ما زالت تملك أسلحة وآليات أخرى تعرقل بها تلك المسيرة، وتؤخر التقدم، كان سلاحها بالأمس التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، ثم رئيس الجمهورية السابق الذي وقف أمام الحكومة وإصلاحاتها كسد منيع، واليوم نراها تشهر المحاكم العليا كسلاح جديد قديم.
والآن تستعد المحكمة الدستورية لإصدار قرارها بشأن إغلاق حزب العدالة والتنمية، ولديها قضية أخرى رُفعت لحظر حزب المجتمع الديمقراطي "الكردي"، وقضية ثالثة لإلغاء التعديلات الدستورية للسماح بدخول المحجبات إلى الجامعات، والتي أقرها البرلمان بأغلبية ساحقة، ووافق عليها رئيس الجمهورية.
وهناك قرار صادر عن المحكمة الإدارية العليا الأسبوع الماضي بشأن قضية تعميم رئيس مجلس التعليم العالي الموجه إلى رؤساء الجامعات؛ يطلب فيه السماح للطالبات المحجبات بدخول الحرم الجامعي؛ يقضي بأن الرئيس تجاوز صلاحياته واختصاصه بإصدار هذا النوع من التعميم، وكأن الانتخابات والحصول على 47% من أصوات الناخبين، والقوانين والتعديلات الدستورية التي يصادق من البرلمان والحكومة ورئيس الجمهورية؛ لا تعني شيئاً لدى المحاكم العليا، ولها كلمة الفاصل في الأمور كلها، ولا يستطيع أحد أن يدعي أمام هذا المشهد المثير للاستغراب أن تركيا جمهورية ديمقراطية، بل هي جمهورية القضاء بامتياز!
ورغم التباين الكبير بين ظروف إغلاق حزب الرفاه وبين الظروف الراهنة داخلياً وخارجياً، فإن إغلاق حزب العدالة والتنمية أمر وارد، لأن أغلبية أعضاء المحكمة الدستورية تم تعيينهم من قبل رئيس الجمهورية السابق أحمد نجدت سيزر المعروف بولائه الشديد للعلمانية المتطرفة، وعداوته للإسلاميين، كما أن المحكمة الدستورية سبق وأن اتخذت قرارات سياسية مخالفة لجميع المعايير القانونية استناداً على أكاذيب الصحف.
لا شك أن هذا فصل - وربما حاسم - من فصول المعركة بين القوى الديمقراطية وبين النخبة المتسلطة والمسيطرة على مفاصل الدولة كخلايا السرطان، ولا شك أنها ستخسر كما خسرت من قبل أمام الإرادة الشعبية المصممة على إزالة ذلك الورم لمعالجة العلاقة بين الدولة والمواطن؛ حتى تعود إلى وضعها الطبيعي.
حتى وإن قررت المحكمة الدستورية إغلاق حزب العدالة والتنمية، وحظر جميع نوابه من ممارسة الأنشطة السياسية؛ فإن تلك الإرادة التي أسست حزباً جديداً إثر إغلاق كل حزب، وأوصلت حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وعبد الله غول إلى رئاسة الجمهورية؛ سوف تواصل معركتها لتخرج منها منتصرة مهما طال الزمن.