حماس انتصرت في تكتيك الرموز

غي بخور - يديعوت

21/3/2008م

ولكننا قتلنا أكثر من مئة مخرب؟

نقول ونحن مندهشون: كيف حدث أن الكثيرين لا يرون ما فعله الجيش الإسرائيلي في غزة انتصاراً؟ قتلنا أكثر من مئة مخرب من دون أن ندرك أننا نبث على موجة أخرى مغايرة تماماً من المنطقة التي نعيش فيها.

قداسة الحياة عندنا فوق كل شيء، ماذا سنفعل من أجل أسير واحد؟ لذلك يعتبر مئة قتيل وفقاً لمقاييسنا مصيبة فظيعة، إلا أن الجانب الآخر لا يرى الأمر على هذا النحو لأنه مجتمعٌ جماعيٌ مستعدٌ للتضحية بأبنائه من أجل الهدف السياسي والوطني الفلسطيني، والإسلام السياسي، وكراهية إسرائيل أو أي هدف آخر.

الرئيس السادات كان مستعداً على حد قوله للتضحية بمليون جندي لتحرير سيناء، وعرفات صرح كما نذكر أن مسيرة المليون شهيد قد بدأت نحو القدس، هل تتخيلون بينكم وبين أنفسكم أن يقوم رئيس وزراء في إسرائيل بالتصريح بأننا سنضحي بمئة ألف جندي من أجل الجولان مثلاً؟

إن كانت الدولة عندنا موجودة من أجل خدمة الفرد ففي المجتمع المقابل يوجد الفرد من أجل خدمة المجموعة، حتى تلك الأم التي انتحر ابنها في إطار كفاحه ضد اليهود؛ ملزمة بالتصريح علانية بأنها سعيدة لشهادته هذه، بكلمات أخرى: حتى إن قتلنا ألف مخرب فسيظل الجانب الآخر في ادعائه بالانتصار لأن الأهداف الأكثر أهمية في نظره - الرموز السياسية والقيادية، والسياق السياسي الواسع - لم تتضرر.

وبالفعل حماس بفلسفتها وقيمها الإسلامية صمدت في غزة على المستوى الرمزي، هي تسيطر على الأرض، وتجبر الآف الإسرائيليين بالنزول إلى الملاجئ، وتتسبب في تأجيج يهودا والسامرة، وإسرائيل من ناحيتها أوقفت المعركة، هذا إنجاز كبير من وجهة نظرها.

حماس اتبعت التكتيك الشائع في الشرق الأوسط الذي لم نتمكن من إدراكه أبداً: تكتيك الرموز، هي أعلنت عن انتصارها في المعركة، وخرجت بمسيرة الآلاف للاحتفال وتكريس الحدث، رمزية هذه المسيرة تمخضت عن قوة لأنها تتيح لملايين المشاهدين في العالم الشعور بأنهم يسيرون من وراء حماس، وشعوراً بالتكافل والتلاحم، مثل هذه المسيرة هي حدث بحد ذاتها، حماس أخرجت مسرحية.

قاعدة هامة: الرموز دائماً تتفوق على الكلمات، ونحن لدينا الكلمات، المشهد يصل دائماً إلى العاطفة، والصورة تؤثر كثيراً على المشاعر في إطار المنافسة بين العقل والقلب، العاطفة تتغلب دائماً، وحماس تدرك هذه اللعبة وتجيدها، أين المشهد البصري الذي أعددناه نحن؟ أين مسيرتنا؟ عندنا يقولون ويوضحون ولكن بلا رموز.

دافيد بن غوريون كان يجيد هذه المهارة، شخصيته بحد ذاتها كانت رمزاً، أسلوب حديثه، وقصة شعره، وطليعيته، وطريقة تنفيذه وحماسه؛ كلها كانت تعبر عن المشاعر العاطفية، بن غوريون وقف على الرأس، واجتذب العالم كله إليه لأنه يحترم المشاهد المختلفة الرمزية.

اليوم يقودنا سياسيون تحليليون، نحن نستخف بالمشاعر، ونعتبرها ضعفاً، وشيئاً بدائياً من دون ان ندرك أن التعبير عن المشاعر والمشاهد الرمزية المؤثرة هي مسألة هامة ومتميزة في منطقتنا، الأمر يشبه مشهداً تلفزيونياً، بإمكان الشخص أن يكون محللاً ومفكراً، ولكن إن لم يعرف كيف يعرض المشهد التلفزيوني كما يجب سيصاب المشاهد بالضجر، ولا يدعُ هذا الشخص للظهور مرة أخرى، وبالفعل في بعض الأحيان نحن نرى سفراء وممثلون إسرائيليين في العالم وهم يبذلون جهودهم للتوضيح والتفسير، فنصاب بالضجر، ومشاعر السأم منهم.

http://www.paltimes.net:المصدر