كأس مقتدى

زهير قصيباتي

20/3/1429هـ الموافق له 27/3/2008م

مع اختبار القائد العام للقوات المسلحة العراقية رئيس الوزراء نوري المالكي صولته لنزع سلاح ميليشيا «جيش المهدي» في البصرة بالقوة؛ لا بد أن يكون السؤال عن الثمن قبل الهدف، فإذا كانت أولى أرقام المعارك الطاحنة هدر دماء المئات في البصرة النائمة على حقول النفط، والتي لا تغفل عن عشرات من مشاريع تهريب النفط ونهبه؛ تصبح خيارات مقتدى الصدر يائسة، وهو يعلم أن الاشادة بـ«دوره الوطني» بمثابة تقليده وساماً قبل إحالته على «التقاعد».

فعملية «صولة الفرسان» التي يقودها المالكي ببزة الجنرال، وتدور رحاها في جنوب العراق؛ هي عملياً بداية فصل يراد له أن يكون الأخير في حسم صراع شيعي - شيعي، ودون ذلك «جيش المهدي» الذي تململ من هدنة مقتدى القسرية منذ فُرِضت ومُدِدت بإيحاءات ايرانية على الأرجح.

عملياً ميليشيا «الجيش» التي لطالما تباهت بمقاتلة قوات الاحتلال الأميركي؛ لم تستسلم لرغبة مرشدها الصدر في ترك السلاح، والتفرغ لدرس علوم الدين، فيما الساحة تُخلى لعناصر «الميليشيات الحكومية» أي الذراع العسكرية لـ«المجلس الأعلى الإسلامي» (بزعامة عبدالعزيز الحكيم) «منظمة بدر»، و«حزب الدعوة» الذي يقوده المالكي.

الوجه الآخر لمعضلة أنصار مقتدى أنهم بصرف النظر عن اتهامهم بإيواء مجرمين ومهربين؛ عاجزون عن التكيف مع مرحلة تصفية دورهم وسلاحهم تمهيداً لانتخابات مجالس المحافظات في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وعاجزون عن «تفهم» حاجة عبدالعزيز الحكيم والمالكي إلى تثبيت شرعية أخرى لـ«المجلس» و«حزب الدعوة» عبر تجربة الانتخابات الجديدة التي لا تسقِط بالضرورة مشروع الأقاليم الفيدرالية ما أن تحين ساعته.

وسواء جاءت «صولة الفرسان» بصفقة مع طهران يبرمها الحكيم والمالكي في مقابل تجديد ضمان الحماية لمقتدى الصدر، وتشجيعه على الدراسة في قم، أم فاجأ تحالف «المجلس الأعلى» وحزب الدعوة أصدقاءه الإيرانيين ببدء الحملة لتصفية «جيش المهدي» بتشجيع من الأميركيين؛ فإن أحداً من رموز القوى السياسية في العراق لا يحسد الزعيم الذي ما زال شاباً على تجرع مرارة تقليم أظافره، وإنهاء تهديداته المتكررة بهز «الإنجازات» الأمنية للحكومة.

والحال أن المالكي نفسه لن يجد مبرراً للرد على الاتهامات الموجهة إلى حكومته بالتمادي في تسهيل اختراق أنصار الصدر، حتى إذا حان وقت الحسم باتت الذرائع جاهزة للانقضاض على «جيشهم»، وتغاضت طهران بعدما رعتهم وغذّتهم، لأنها تفضل بالتأكيد مراعاة مصالح حليف «قوي» كالحكومة العراقية وعبدالعزيز الحكيم، وكلاهما لعب دور ساعي البريد في نقل رسائل إيرانية إلى إدارة الرئيس جورج بوش.

يجدر التساؤل بالطبع هل تكون «صولة الفرسان» بمثابة إعلان نيات إيراني جديد لإعادة مدّ حبل الحوار الإيراني - الأميركي الذي بدا أخيراً أنه انقطع، حين خاب أمل طهران بامتناع واشنطن عن تحديد موعد لجولة محادثات مباشرة أخرى في بغداد «من أجل أمن العراق».

ولا يبدّل في الأمر شيئاً أن يدافع أنصار الصدر عن مواقعهم ودورهم في البرلمان بمقولة خلافهم «العقائدي» مع قوات الاحتلال إذا اقتضى تبادل المصالح بين إدارة محمود أحمدي نجاد وسياسة جورج بوش طي مرحلة مقتدى بجيشه وميليشياه و«أيديولوجيته».

في كل الأحوال هي مرحلة إعداد تربة جنوب العراق لبيئة سياسية مغايرة، حتى إذا أجريت انتخابات المحافظات يقتسم «المجلس الأعلى» و«حزب الدعوة» المقاعد، أما الصراع على الثروة النفطية للجنوب فله مرحلة أخرى حين يصبح ثنائياً، ويشتد أواره شيعياً - شيعياً.

وأما القول بأي ثمن فهو إذ يذكّر بتبرير بعض ساسة العراق كلفة الحرب منذ الغزو الأميركي قبل خمس سنوات؛ لا يخفي مفارقة خريطة الحروب «الصغيرة» على أرض الرافدين: للأتراك حملاتهم لتقويض حلم بارزاني بدولة كردية، لـ«الصحوات» السنّية شهادات بـ«الوطنية» كلما قاتلت «القاعدة» وفروعها، للقوى الشيعية صولات في صراع السلطة.

http://www.daralhayat.com:المصدر