احتلال العراق: تدمير الحاضر والمستقبل
علي صلاح
15 ربيع الأول 1429هـ الموافق له 22- 3- 2008م
الخبر:
قالت صحيفة فايننشال تايمز في الذكرى الخامسة لغزو العراق: إن الاحتلال استنزف مستقبل العراق بعد أن اضطر أساتذته وأطباؤه، ومهندسوه وعمال إدارته، ورجال أعماله إلى الهجرة.
التعليق:
لم يكتف الاحتلال الأمريكي في العراق بتدمير الحاضر ولكنه سعى بكل ما أوتي من قوة لتدمير ما هو أهم ألا وهو المستقبل، إن أعز ما تملكه أي أمة هو قدرتها على تغيير واقعها، والتخطيط لمستقبل أفضل لأبنائها, فكثير من البلدان تعيش أوضاعاً صعبة، وظروفاً خانقة، وكل ما تتمسك به هو غد أفضل، وهذا الغد رهين بعدّتها التي تدخرها من كفاءات علمية ووطنية؛ الأمر الذي سعى الاحتلال الأمريكي للقضاء عليه عند دخوله للعراق.
جاءت تصريحات صحيفة الفايننشال تايمز الأخيرة بشأن استنزاف الاحتلال لمستقبل العراق بعد هجرة عدد كبير من علمائه وأساتذته للخارج لتنكأ الجرح الغائر في الوجدان العربي والإسلامي، لقد أطلق الاحتلال الأمريكي يد الكيان الصهيوني لتنفيذ أبشع عملية إبادة للعلماء العراقيين، ونقل مركز المعلومات الفلسطيني عن تقرير أعدته وزارة الخارجية الأمريكية لإطلاع الرئيس الأمريكي قيام عناصر "إسرائيلية" وأجنبية أرسلت من قبل الموساد بالتعاون مع الولايات المتحدة إلى العراق باغتيال 530 عالماً عراقياً، وأكثر من 200 أستاذ جامعة، وشخصيات أكاديمية أخرى، وطبقاً للتقرير فإن عناصر الموساد كانت تعمل في العراق بقصد تصفية علماء الذرة والبيولوجي من بين علماء آخرين، وأساتذة جامعة بارزين, وهذا بعد أن فشلت الولايات المتحدة في إقناع هؤلاء للتعاون معها، أو العمل في خدمتها، وأضاف التقرير الأمريكي: "أجبر بعض العلماء العراقيين على العمل في مراكز الأبحاث الأمريكية، وعلى أية حال الأغلبية رفضوا التعاون في بعض الحقول وهربوا من الولايات المتحدة إلى دول أخرى"، وكان قرار أمريكي قد صدر بتسهيل منح العلماء العراقيين الراغبين في إفشاء أسرار برامج الأسلحة العراقية الجنسية الأمريكية حتى وصل الأمر لسن قانون خاص لهجرة العلماء العراقيين صدّق عليه مجلس الشيوخ لمنح العلماء العراقيين الذين يوافقون على إفشاء معلومات مهمة عن برامج بلادهم التسليحية بطاقة الهجرة الأمريكية الخضراء، كما وضعت وزارة الدفاع الأمريكية عدداً من علماء العراق النوويين والبيولوجيين على قائمة المطلوبين إثر الغزو, وذكر بعض المشاركين في ندوة عقدت بالقاهرة أن 17 ألف عالم عراقي هاجروا إلى الخارج هرباً من الاضطهاد, وأشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة مؤخراً إلى أن الحرب شردت 4.5 مليون عراقي، من ناحية أخرى أثار الاحتلال النعرات الطائفية في العراق بعد أن ظلت خامدة لفترة طويلة تحت حكومة مركزية قوية, وليس من المرجح إمكانية السيطرة عليها في المستقبل القريب خصوصاً مع تزايد النفوذ الإيراني، وتسلّط الشيعة على الحكومة الموالية للاحتلال.
من جهتها تصب الاتفاقيات الأمنية التي يعقدها الاحتلال مع حكومة المالكي الطائفية على تكريس الوضع القائم لأطول فترة قادمة، وتكبيل أي رئيس جديد للولايات المتحدة، لقد وضح منذ اللحظة الأولى للغزو أن المراد ليس إسقاط نظام قيل عنه أنه "ديكتاتوري وفاشي" ولكن القضاء على أمة من خلال واحد من أكبر شعوبها بما يمتلكه من ثقافة وعلم ورغبة في التقدم، وعدم الانصياع للمؤامرات التي تحاك لتركيع المنطقة.
يخسر العراق يوماً بعد يوم حاضره على أيدي قوة غاشمة منتفعة، ولكنه يخسر أكثر على المدى البعيد بعد انهيار بنيته التحتية، وتصفية نخبته البشرية التي استغرق عشرات السنوات لتكوينها.