بعد خمس سنوات: هل تقسم واشنطن الكعكة العراقية؟
إيفان إيلاند - موقع أنتي وور
ترجمة: شيماء نعمان
18 ربيع الأول 1429هـ الموافق له 25- 3- 2008م
مع مرور الذكرى الخامسة للاجتياح الأمريكي للعراق، وتضارب الآراء حول مدى نجاح استراتيجية مكافحة "الإرهاب" القائمة على زيادة حجم القوات الأمريكية في العراق - التي رسمها قائد قوات الاحتلال الأمريكية في العراق "ديفيد بيترايوس"، وأشرف على تطبيقها الفريق "ريموند أوديرنو" الذي كان حتى وقت قريب هو القائد الأمريكي الثاني هناك - يُقدم المحلل السياسي الأمريكي "إيفان إيلاند" مدير مركز دراسات السلام والحرية بالمعهد المستقل بمدينة أوكلاند بكاليفورنيا؛ رؤية قريبة حول الوضع الراهن في العراق، معتبراً أن العراق على شفا حرب أهلية شعواء كنتيجة للسياسات الأمريكية في البلاد، وأن انسحاب الولايات المتحدة ربما سيُقدم مفتاحاً لحل الأزمة.
وجاء في مقال إيلاند الذي نشره موقع "أنتي وور" الذي يتضمن موضوعات إخبارية ومقالات رأي تتعلق بقضايا الحروب حول العالم من خلال منظور ليبرالي معارض لسياسة التدخل:
بينما تمر الذكرى الخامسة لثاني أطول حرب للولايات المتحدة (بعد فيتنام)، وثاني أكثر الحروب كلفة (بعد الحرب العالمية الثانية)، فإن الأنباء الطيبة هي أن استراتيجية الجنرال "ديفيد بيترايوس" والفريق "ريموند أوديرنو" لمكافحة "الإرهاب" تبدو تحرز نجاحاً، أما الأنباء السيئة هي أنها ربما لن تنقذ العراق.
وعلى الرغم من أن الزيادة في حجم القوات الأمريكية كان لها بعض الأثر، إلا أنها ربما ليست هي العامل الأهم الذي خفض العنف، وعاد به إلى المستويات التي كان عليها في منتصف عام 2004م، وكان للولايات المتحدة مستويات متقاربة من القوات في العراق - نحو 155.000 جندي - في عام 2005م، ولكن العنف كان أسوأ مما هو عليه الآن ومتزايد، علاوة على ذلك فإن عمليات القتل وسفك الدماء بالعراق كانت قد بدأت في الانخفاض حتى قبل أن تبدأ الولايات المتحدة الزيادة (ولكنها تصاعدت قليلاً بينما كانت تتدفق القوات الأمريكية الإضافية).
وبشكل جزئي فإن عملية التطهير العرقي التي سبقت، والتي عززت بصورة أكثر وضوحاً الانشقاق بين الطائفتين الشيعية والسنية؛ كانت ربما سبباً في حالة الانخفاض، بل ما هو أكثر أهمية ربما كان استغلال كلٍ من بيترايوس وأوديرنو للصدع الذي نشأ بين عناصر المقاومة السنية الرئيسة، وتنظيم القاعدة في العراق.
وكانت عمليات القتل الأعمى غير المتكافئ التي نفذتها القاعدة في العراق، وراح ضحيتها أشقاء لهم من المدنيين المسلمين - والتي جلبت اللوم عليهم حتى من قبل القيادة المركزية للقاعدة - قد تسببت في ضيق عناصر المقاومة السنية ذرعاً، والتحول ضد التنظيم، وقد استغل بيترايوس وأوديرنو هذا الصدع بمهارة عن طريق ضرب إسفين بين الفريقين، وعلى الرغم من أن عمليات حرب العصابات هي أنجح أسلوب حرب في تاريخ البشرية، ونادراً ما تربحها قوات مكافحة "التمرد" على المدى الطويل؛ فإنهما قد فعلا الأفضل عندما تمكنا من شق انقسام في حركة "التمرد" - المقاومة -.
واستطاعت الولايات المتحدة هزيمة عناصر التمرد الشيوعي في اليونان خلال الفترة بين عامي 1947م - 1949م، وكذلك المتمردون الفلبينيون في الفترة بين 1900م - 1902م عن طريق تفريق جماعات التمرد، وفي الحالة الأخيرة نجحت الولايات المتحدة في إقناع "إميليو أجوينالدو" أبرز زعماء التمرد - ربما من خلال مبلغ نقدي - بتسليم قواته، أما في العراق فإن الولايات المتحدة بصورة أساسية تكافئ عناصر الجماعات السنية المقاتلة السابقة في "مجالس الصحوة" عن طريق تمويلهم، وتجهيزهم، وتدريبهم من أجل قتال القاعدة في العراق، والعمل مع ميليشيا جيش المهدي الشيعية المعادية سابقاً.
وعلى الرغم من أن تلك الاستراتيجية لها مزايا في تهدئة العنف على المدى القصير؛ فإنها على الأرجح سوف تُفاقم من مشكلات العراق الكبرى، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى اندلاع حرب أهلية شاملة.
إن استراتيجية بيترايوس وأوديرنو تصبح منطقية إذا ما كان الهدف هو إبقاء غطاء على العنف حتى مغادرة الرئيس بوش للبيت الأبيض، وعندما ينتقل "طفل القطران" - إشارة إلى الموقف المعقد بالعراق، والذي تؤدي محاولات حله إلى زيادة تأزمه - بنجاح إلى عاتق الرئيس المقبل؛ فإن بوش يمكنه حينئذٍ إعادة إطلاق حجة كيسينجر من حرب فيتنام، وهي الحجة التي تذهب إلى شيءٍ مثل: "كانت الولايات المتحدة ستفوز في حرب فيتنام لو لم يقطع الكونجرس الديمقراطي التمويل الموجّه إليها"، أما بالنسبة للعراق فإن اللازمة المشابهة التي ستتبناها إدارة بوش ستكون: "إن الوضع في العراق كان يتحسن حتى غادرنا الحكومة، وسلمنا السلطة للرئيس X".
لكن استراتيجية بوش قصيرة المدى من شأنها على الأرجح أن تُفاقم من معضلة العراق المركزية والأساسية وهي التشاحن العرقي الطائفي، ولو أن إدارة بوش كانت قد بذلت مجهوداً جدياً في استشارة خبراء مختصين بالعالم العربي قبل غزو العراق؛ لكانت قد اكتشفت أنه أحد أكثر البلاد انقساماً في العالم العربي، وسيكون أحد أقل الملائمين لدعم وتأييد فيدرالية ليبرالية ديمقراطية، وقبل أن تُقدم الإدارة على دعم العناصر السنية المقاتلة السابقة كانت تقوم بتمويل وتجهيز، وتدريب جانبين فقط - وهما الأكراد والشيعة - خلال الحرب الأهلية الدائرة، أما الآن فإن الإدارة تدعم الأطراف الثلاثة، وتُعارض الحكومة العراقية ذات الهيمنة الشيعية - الكردية البرنامج الأمريكي لدعم العناصر السنية, كما أنها تعزف عن السماح لهم بالانضمام إلى قوات الأمن.
ومثل تلك الشبهات والانشقاقات العرقية الطائفية الأساسية مادامت هنا وهناك طوال قرون فيما يُعرف الآن بالعراق, كما أنه من المستبعد إصلاح ذلك من خلال تمرير بضع قوانين معيارية، وبالنظر إلى تاريخ العراق - حيث تقوم جماعة واحدة بالسيطرة على الحكومة المركزية وقمع الجماعات الأخرى - فإن كافة الجماعات - ويتضمن ذلك أيضاً الطائفة السنية الحاكمة سابقاً - لديهم ارتياب من وجود سلطة مركزية، وسيقاتلون من أجل السيطرة عليها، لذلك فإن التعاون المجتمعي - والذي تحظى العراق منه بالنزر القليل - يجب أن يسبق التشريعات، وإلا سيتم إغفال القوانين، وكذلك فإن عدم المصداقية سوف تضاف بالمثل إلى القوانين التي يتم تمريرها تحت ضغط من قوة خارجية محتلة.
إن السبيل الوحيد أمام الولايات المتحدة للخروج دون حدوث انهيار هو استخدام تهديد الانسحاب - سحب الحارس خارج الحكومة الشيعية الكردية الفاسدة - لدفع الشيعة، والسنة، والأكراد للاتفاق على تطبيق اللامركزية رسمياً في البلاد، وفي حال لم يكن للحكومة المركزية سوى سلطة محدودة؛ فإن تلك الطوائف لن تخشى قمعها المحتمل إلا بصورة أقل, كما ستُقلص من صراعها للسيطرة عليها، وفي عراق بلا مركزية ذو كونفدرالية رخوة يمكن لميليشياتهم أن توفر الأمن لأفراد جماعتهم في أقاليم جديدة تتمتع بالحكم الذاتي (حيث من المحتمل أن تنقسم البلاد إلى ثلاثة أقاليم أو أكثر بناءً على الانتماء العرقي الطائفي أو القبلي)، كما أن الأعمال القضائية، وإدارة موارد (النفط)، وأغلب الأعمال الحكومية الأخرى يمكن أن تستمر على المستوى الإقليمي، وستكون الحكومة المركزية مسئولة فقط عن التمثيل الدبلوماسي الخارجي، والمفاوضات المتعلقة باتفاقيات التجارة مع الدول الأخرى، وأيضاً بين الأقاليم.
وحتى الآن فإن النقطة الرئيسة العالقة في طريق تأييد الطوائف الثلاث لخطة اللامركزية هي المخاوف السنية بشأن نقص الموارد النفطية في منطقتهم، ويتمتع الأكراد بدولة فعلية شمالي العراق منذ نهاية حرب الخليج في عام 1991م، ويفضل العديد من زعماء الشيعة كذلك إقامة منطقة ذات حكم ذاتي، وهي إمكانية يكفلها الدستور العراقي، وحتى السنة؛ تحرروا أخيراً من وهم أن لديهم قدرة كافية لحكم سائر العراق مجدداً، كما أنهم بعد أن تجرعوا القمع على أيدي قوات الأمن التي يهيمن عليها الشيعة أصبحوا أكثر ميلاً إلى اللامركزية.
ومن أجل دفع الحكومة العراقية ذات السيطرة الشيعية الكردية إلى تفصيل حدود إقليمية - تقديم مناطق غنية بالنفط إلى السنة لضمان قبولهم لنظام اللامركزية - يتعين على أي رئيس جديد للولايات المتحدة أن يحدد جدولاً زمنياً للسحب السريع للقوات الأمريكية التي تدعم تلك الحكومة ذات الخلل الوظيفي.
وحيث إن الشيعة لديهم 60% تقريباً من النفط، ويمثلون نحو 60% من الشعب؛ فإن التخم الوحيد الذي ربما يتطلب أن يتم ترسيمه هو بالقرب من حقول النفط الشمالية قرب مدينة كركوك بين كردستان (وتمثل نحو 20% من الشعب، ولديها ما يقرب من 40% من النفط)، والمناطق ذات الهيمنة السنية (20% من الشعب وندرة في النفط).
والسجل التاريخي للتقسيم يوضح ما يجب فعله أو تركه فيما يتعلق بأي تقسيم بسيط للعراق إلى كونفدرالية رخوة، وأهم ما فيه هو أنه يتعين على العراقيين القيام بعملية التقسيم بأنفسهم لتصبح ذات شرعية قاطعة في أعينهم، وفي عام 1947م أثناء الفصل بين الهند وباكستان؛ توصلت بريطانيا بصعوبة إلى أن موقع خط التقسيم ذو أهمية حيوية، وأن قيام قوة خارجية بترسيم مثل ذلك الحد بصورة عشوائية يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة وعنيفة.
ولذلك يجب أن تتجنب الولايات المتحدة الانخراط في تفاصيل تعيين الحدود بين المناطق، إلا أن بعض الدروس العامة يمكن تعلمها من خلال عمليات التقسيم السابقة:
أولاً: ليس من الضروري أن تعكس الحدود الإقليمية بصورة تامة المناطق العرقية - الطائفية، ولكن ينبغي لها أن تكون قريبة من ذلك قدر الإمكان، وتُبين قضية أيرلندا الشمالية أنه يجب ألا يتم عزل أقلية كبرى (الكاثوليك)؛ يمكن أن ينظر إليها الغالبية (البروتستانت) كتهديد، في الجانب الآخر من خط الحدود، فوجود أقلية صغرى على الجانب الآخر من الخط فإنها ربما يجعلها تختبر القليل من العنف (البروتستانت في أيرلندا).
ثانياً: توضح قضية كوسوفا أن الحدود يجب أن تأخذ في الاعتبار الأضرحة والمواقع العرقية - الطائفية أو القبلية.
ثالثاً: على الرغم من أن رسم الحدود على أساس التقسيمات العرقية - الطائفية من شأنه أن يُقلص من تحركات المواطنين؛ فإن بعض الهجرة ستكون ضرورية على الأرجح، ومثل تلك التحركات يجب أن تكون طوعية؛ ويمكن التشجيع عليها من خلال محفزات؛ وأيضاً يجب أن تكون محمية (كما قد أظهرت عمليات العنف في الهند - باكستان عام 1947م).
ورغم أن تحقيق انسحاب أمريكي، وتقسيم بسيط للعراق ليس حلاً مثالياً؛ فإن العراق مقسم فعلياً بصورة ما مع وجود قوات لتوفير الأمن موالية في المقام الأول لجماعات عرقية - طائفية، وسياسة الولايات المتحدة المتعلقة بتدريب تلك المنظمات المسلحة يُعزز فحسب ذلك التقسيم الفعلي، ومثل ذلك التقسيم المفتقر إلى الشرعية يُعد خطراً بليغاً سيؤدي على الأرجح إلى حرب أهلية شاملة.
إن فقط تلميح رئيس أمريكي جديد إلى انسحاب سريع للولايات المتحدة يُمكن أن يُحفز الأطراف على إضفاء الصفة الرسمية، وتنظيم ومنح الاستمرارية للعراق اللامركزي القائم فعلياً.