من هنا وهناك (2) مسلمون ومساجد

1 ربيع الثاني 1429هـ الموافق له 7- 4- 2008م

 

تحدثنا عن بريطانيا في الحلقة السابقة، واليوم ننتقل من بريطانيا إلى بلجيكا، حيث يتفوق الإسلام علي اليهودية والبروتستانتية في بلجيكا.

وفي بلجيكا تم بناء 290 مسجد ودار عبادة بعد أن شهد منتصف القرن الماضي موجة هجرة جماعية من العمالة الرخيصة من دول البحر الأبيض المتوسط، وذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويتمتع الجيل الرابع من أبناء المهاجرين المسلمين بالجنسية البلجيكية، كما يتمتعون بكامل الحقوق التي يتمتع بها سكان بلجيكا الأصليين، ويزيد عدد المسلمين في بلجيكا على 100 ألف شخص منذ بداية التسعينيات، ويشكل الإسلام ثاني أكبر ديانة في بلجيكا متفوقاً بذلك على الديانة اليهودية والبروتستانتية، ويتم تدريس مادة الإسلام في المدارس البلجيكية منذ العام 1975م أسوة بتدريس الديانات الأخرى، كما يقوم حوالي 700 مدرس ومدرسة من المسلمين بالتعريف بتعاليم الإسلام في المدارس الابتدائية والثانوية.

 

دعم مالي مشروط للمساجد بإقليم بلجيكي:

قررت حكومة إقليم "نرلندي" ببلجيكا تقديم دعم مالي لمساجد الإقليم أسوة بدور العبادة الخاصة بأصحاب الديانات الأخرى، لكنها وضعت لذلك عدة شروط من أبرزها: تحدث الأئمة والقائمين على هذه المساجد بلغة الإقليم، والتعهد بمقاومة الكراهية والتطرف.

ورحب مجلس ممثلي المسلمين في بلجيكا بالقرار، وأبدى تأييده للدعوة إلى "إسلام يتفهم الواقع البلجيكي؛ لأن هذا ما يطالب به الكثير من علماء المسلمين.

وذكرت صحيفة "الشعب" البلجيكية عام 2005م أن قرار الحكومة الإقليمية الذي صدر الجمعة 30- 9- 2005م جاء استجابة لطلب تقدم به وزير الاندماج بالإقليم "مارينو كولن" مؤخراً، وأضافت أن القرار يقضي بتقديم دعم مالي لحوالي 60 مسجداً بالمنطقة لاستكمال منشآت هذه المساجد، والمباني التابعة لها أو ترميمها، مشيرة إلى أنه يهدف إلى تحقيق مساواة المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى الذين يحصلون على دعم حكومي لإقامة مؤسساتهم الدينية.

من جانبه أشار "مارينو كولن" وزير الاندماج بالإقليم إلى أن "هذه الشروط ليست موجهة فقط للأئمة المسلمين بل هي للقائمين على كل الأديان الموجودة بالبلاد"، ونقلت عنه الصحيفة قوله: "الدعم المالي للمسلمين ليس حقاً فقط، وإنما هو تفهم للحالة"، وأضاف: أن "هذه الخطوة تعبر عن دفعة من الحكومة للإسلام الفلاميني".

 كما شدد "كولن" على أن "عدم التزام الأئمة والقائمين على المساجد بهذه الشروط يعرض المسلمين كغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى لإمكانية فقد هذا الدعم"، وقال: "الدعم سيمر عبر مجلس ممثلي المسلمين في بلجيكا"، مشيراً إلى أنه بموجب قرار دعم المساجد ستلتزم الحكومة بدفع 30% من تكاليف بناء المؤسسات الدينية، بينما تلتزم البلدية والولاية ببقيّة تكاليف البناء، وأضاف: إن من المتوقع حصول المسلمين على أول دعم وفق هذا القرار مع بداية عام 2006م.

ويعتبر دعم المساجد موجود من حيث المبدأ رسمياً، بيد أن الخلافات القائمة بين الهيئات الإسلامية المختلفة، وتأخر تكوين مجلس ممثلي المسلمين في بلجيكا؛ حرم المساجد من هذا الدعم، حيث تحتج السلطات بعدم وجود جهة موحدة تتلقى هذا الدعم، ويعد عرض حكومة إقليم نرلندي أول عرض عملي لدعم مساجد في بلجيكا.

ويوجد في بلجيكا ستة أديان معترف بها، وفيما عدا الإسلام يحصل أصحاب جميع تلك الديانات على الدعم الكامل من الجهات الرسمية سواء الحكومة أو البلديات أو الأقاليم، وتنقسم بلجيكا إلى ثلاثة أقاليم رئيسية هي: إقليم نرلندي ويحاذي هولندا، وعاصمته هي إنتفربن، والإقليم الفرنسي ويشمل العاصمة بروكسل وما حولها، والإقليم الألماني المحاذي لألمانيا.

واعترفت بلجيكا رسميّاً بالإسلام عام 1974م، ويضمن الدستور العلماني في بلجيكا - كغيرها من الدول الغربية - حرية المعتقد الديني، غير أن الدولة من جهتها تتحمل نفقات موظفي الهيئات الممثلة للطوائف المعترف بها.

ومن بين 10 ملايين نسمة هم إجمالي عدد سكان بلجيكا يبلغ عدد المسلمين 450 ألفاً، من بينهم 225 ألفاً من أصل مغربي، و120 ألفاً من أصل تركي، و30 ألفاً من أصل ألباني، أما البقية فيتوزعون بين جنسيات عديدة كالفلسطينيين والجزائريين، والتونسيين والبوسنيين.

 

ومن بلجيكا إلى هولندا لنجد أن بها 300 مسجد:

فقد وصل عدد المساجد والمصليات في هولندا علي سبيل المثال إلى ما يزيد عن الثلاثمائة مسجد، لأقلية مسلمة بلغت في تعدادها مليون نسمة، أي بمعدل مسجد لكل ثلاثة آلاف وخمسمائة شخص تقريباً.

وقد تأسست المساجد في هولندا بفضل تبرعات المحسنين من أبناء الأقليات المسلمة، أو مساعدات حكومية وغير حكومية قدمت من بعض الدول الإسلامية على نحو جعل جوامع المسلمين مؤسسات استهلاكية تعيش بالدرجة الأولى على صدقات ومنح المصلين في الإنفاق على أنشطتها، وتوفير رواتب العاملين بها، ومن ضمنهم الأئمة والخطباء والمدرسون في المدارس الملحقة بها.

وفي عام 2006 م أعلن عن بناء أجمل مسجد بهولندا على حد تعبير وزير العدل السابق بيت هاين دونر عند وضعه لحجر الأساس له في أمستردام، ولكن الاتحاد التركي للمساجد "ميللي غوروس" الذي يساهم في تمويل هذا الصرح فجّر خلافاً مذهبياً وضع مستقبل خطة بناء المسجد في مهب الريح.

وفي فنلندا بلغ عدد المسلمين حوالي 25 ألفاً حيث تأسس في عام 1994م وقف مساجد فنلندا، وهو مؤسسة إسلامية قامت بتأسيسها الرابطة الإسلامية في فنلندا.

 

وفي فرنسا 1554 مسجداً لستة ملايين مسلم:

وفي فرنسا تم إنشاء مؤسسة مستقلة تتولي تمويل بناء المساجد في المدن الفرنسية المختلفة، بالرغم من القانون الذي يمنع الدولة الفرنسية من تمويل المؤسسات الدينية والكنائس تنفيذاً لمبدأ فصل الدين عن الدولة.

ويبلغ عدد المساجد في فرنسا 1554 مسجداً، ويعتبر مسجد باريس من أقدم المؤسسات الإسلامية الممثلة للمسلمين في فرنسا، وتأسس عام 1926م, وارتبط منذ بدايته بالجالية الجزائرية بفرنسا حيث يأتي تمويله من الجزائر، ويقدم مسجد باريس أيديولوجيا على أنه ممثل للإسلام العصري المندمج مع الحداثة.

ويبلغ عدد المسلمين في فرنسا نحو ستة ملايين نسمة يشكلون 10% من السكان، ينحدرون من 53 دولة، ويتحدثون 21 لغة مختلفة إلى جانب الفرنسية، ويحتل الجزائريون أغلبية كبيرة من مسلمي فرنسا رغم من أن المسلمين يحتلون الموقع الثاني في فرنسا.

وتعود بدايات التواجد العربي - الإسلامي في الأراضي الفرنسية إلى عام 716م، عندما اجتازت أول مجموعة من الجنود المسلمين جبال البرينيه مخترقة الحدود الفرنسية الأسبانية، وفتحت مدينة ناربون التي تم تحويل كاتدرائيتها إلى مسجد هُدّم فيما بعد، وفي عام 721م توغلت القوات الإسلامية بقيادة السمح بن مالك إلى مشارف مدينة تولوز الفرنسية، وهزمت القوات الفرنسية المدافعة عنها بقيادة الكونت أود الفرنسي، يقول ترنيزيان: "إسلام فرنسا خرج من الأقبية" في إشارة إلى المساجد التي كانت تقام في أقبية المباني لتصبح المساجد تحتل الأماكن العامة.

 

أسبانيا والمساجد:

وتقدر أوساط رسمية عدد المساجد في أسبانيا بنحو 600 مسجد تتراوح بين مساجد كبيرة ومصليات صغيرة للغاية أسفل المنازل، أو في مرائب السيارات، أو أماكن العمل، وقد لا يتسع بعضها لأكثر من 10 مصلين.

ويقدر عدد المسلمين في أسبانيا - حسب إحصائيات رسمية - بحوالي نصف مليون، ويتجاوز العدد إلى الضعف بإضافة المهاجرين المسلمين الذين ليس لديهم بعد أوراق الإقامة القانونية.

 

الدانمارك خالية من المساجد:

ومن بين خمسة ملايين وربع المليون نسمة هم سكان الدانمارك يوجد نحو 160 ألف مسلم، مما يجعل نسبة المسلمين في هذه البلد تبلغ 3% من السكان، ورغم هذه النسبة المتواضعة إلا أن المسلمين هناك يعانون مشكلات كثيرة في تعاملهم مع المجتمع، وأبرزها الافتقار إلى تشريع قانوني يعترف بالدين الإسلامي.

ومن اللافت للانتباه افتقار الدانمارك إلى المساجد، فلا يوجد في الدانمارك سوى مسجد واحد بكوبنهاجن بني عام 1956م, أما بقية المساجد والمصليات فهي لا تعدو أن تكون مجرد مستودعات قديمة، وشقق سكنية، وأقبية يجري إعدادها للصلاة، ويرجع هذا إلى الموقف المتحفظ للسلطات الدانماركية إزاء السماح بإنشاء دور العبادة للمسلمين، فمعظم الأماكن المخصصة للصلاة مستأجرة وليست مملوكة للمسلمين، وغالباً ما يجري تسجيلها بوصفها مقارّ لجمعيات ثقافية إسلامية لا أكثر.

 

والآن نحن على مشارف سلوفينيا لنشهد بناء أول مسجد في البلاد بعد 50 عاماً من تقديمه:

تعد مدينة لوبيليانا عاصمة سلوفينيا إحدى العواصم الأوروبية القليلة التي تخلو من مسجد على الرغم من مطالبة المسلمين هناك البالغ عددهم خمسين ألف نسمة طيلة الثلاثين عاماً الماضية بأن يكون لهم مسجد.

وأخيراً تمت الموافقة من قبل حكومة سلوفينيا عام 2005م على طلب لبناء أول مسجد في البلاد بعد نحو 50 عاماً من تاريخ تقديم هذا الطلب، وأعلن رئيس الجماعة الإسلامية في سلوفينيا أن الموافقة جاءت إثر وساطات لشخصيات أوروبية "إسلامية ومسيحية"، وذلك لكون سلوفينيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي لا يوجد فيها مسجد أو مركز إسلامي.

وذكر: أن الحكومة وافقت على طلب الأقلية الإسلامية الذي يعود تاريخه لعام 1955م، مما يعتبر الأقدم في تاريخ البيروقراطية في العالم.

وأفاد أن الأقلية الإسلامية وجهت في الأعوام الأخيرة ومنذ انضمام سلوفينيا إلى الاتحاد الأوروبي مذكرات لعشرات المنظمات الأوروبية والعالمية، وبرلمانيين أوروبيين تطلب التدخل لمنح المسلمين حق شراء قطعة أرض لبناء مسجد، وأوضح أن الضغوط الأهم كانت من البرلمان الأوروبي، ومن المجالس الكنسية الأوروبية!، إضافة لتدخلات من أحزاب ليبرالية وجماعات الخضر.

وقد جرت مفاوضات بين الهيئة الإسلامية السلوفينية وبين بلدية العاصمة لتحديد موقع مناسب للمسجد، مؤكداً أن البلدية عرضت مواقع غير مأهولة، ويصعب الوصول إليها، فيما تصر الهيئة على أن يكون الموقع أكثر ملائمة.

وعلى الرغم من أن الموقع الذي تم اقتراحه لبناء المسجد يقع بالقرب من الطريق الدائري في وسط لوبيليانا، ولا يبعد كثيراً عن مستودع نفايات المدينة؛ إلا أن بعض السياسيين أبدوا معارضة كبيرة لإقامة المسجد حتى في هذا الموقع، ووصف رئيس الجماعة الإسلامية موافقة الحكومة بأنها خطوة "تاريخية مهمة" لسلوفينيا ذاتها التي تعتبر في الأوساط الأوروبية الدولة الوحيدة التي لا تسمح للمسلمين ببناء مسجد لهم.

مع وعد باللقاء نكمل التجوال بين أروقة المساجد في الغرب والشرق إن أحيانا الله - عز وجل -.

http://islammemo.cc:المصدر