هل يبدأ انهيار الاقتصاد الأمريكي من العراق؟
25 ربيع الأول 1429هـ الموافق له 1- 4- 2008م
رون بول [1]
المصدر: موقع أنتي وور
ترجمة وإعداد: شيماء نعمان
"إن مواصلة السير في طريق سياسة فاشلة لن يكلف إلا مزيداً من الأموال لم نعد نملكها، ومزيداً من الأرواح يجب ألا نضحي بها" رون بول النائب الجمهوري عن ولاية تكساس الأمريكية.
يتبارى المحللون والسياسيون الأمريكيون في الآونة الأخيرة في تفنيد العوامل التي تقف وراء أزمة الانتكاسة الاقتصادية الحالية التي تشهدها الولايات المتحدة، والتي تنذر بوادرها بكارثة وشيكة لاقتصاد البلاد، ومما لاشك فيه فإن حرب العراق تمثل العامل المشترك بين جميع تلك التحليلات والأبحاث، حيث تستنزف الحرب مليارات الدولارات شهرياً، وقد وصلت تكلفتها خلال العام 2008م إلى نحو 12 مليار دولار شهرياً وذلك بحسب الخبير الاقتصادي الأمريكي البارز "جوزيف ستيجليتز".
ومع الذكرى الخامسة لحرب العراق قدم عضو الكونجرس "رون بول" رصداً للسلبيات التي مُنيت بها الولايات المتحدة كنتيجة للحرب في العراق، كما دعا إلى ضرورة سحب القوات بشكل فوري كخطوة أولى من أجل العودة إلى "سياسة خارجية غير تدخلية".
وتحت عنوان "كشف حساب لحرب العراق" نشر موقع "أنتي وور" أحد أهم مشروعات 'معهد راندولف بورن' الذي يدعو لسياسة خارجية أمريكية خالية من التدخل من أجل عالم أفضل يوم 25 مارس مقالاً لـ"رون بول" جاء فيه:
في الأسبوع الماضي قبل خمس سنوات أضاءت حملة "الصدمة والرعب" العسكرية الأمريكية سماء العاصمة العراقية بغداد، أما بعد خمس سنوات مع موت مئات الآلاف من العراقيين، ونحو 4000 أمريكي؛ يتعين علينا أن نتوقف ونتأمل فقط فيما تم الحصول عليه وما تم فقده.
ومن البداية كان الطريق إلى الحرب معبداً بالافتراضات الخاطئة والأكاذيب، فقد ادعى مسئولون كبار بالإدارة الأمريكية مراراً وتكراراً أن العراق مسئول بصورة أو بأخرى عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، كما ادعوا أن العراق امتلك أسلحة دمار شامل، واستغلوا مخاوف الشعب الأمريكي في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتعزيز أجندة حرب كانوا يخططون لها قبل سنوات من الهجوم، إن وسائل الإعلام السائدة ضالعة في الدعاية لهذه الحرب.
ومنذ ما يقرب من عشر سنوات قبل وقت طويل من 11 سبتمبر طالبت بوقت في معارضة القانون الكارثي (قانون تحرير العراق لسنة 1998م) حيث قلت حينذاك بمقر مجلس النواب: "أرى هذا التشريع جوهرياً كإعلان لحرب افتراضية، حيث يمنح رئيس البلاد سلطات مهولة لتنفيذ عمليات حربية ضد دولة ذات سيادة"، وبعد أقل من خمس سنوات في أعقاب ذلك كنا نقوم بغزو العراق.
خمسة أعوام في غزو واحتلال العراق، ومئات آلاف غير معلنة من العراقيين لقوا حتفهم؛ ونحو 2 مليون عراقي قد فروا من البلاد كلاجئين؛ كما تعرضت الطائفة المسيحية العراقية - وهي واحدة من بين الأعرق في العالم - للقمع على نحو أكثر فظاعة عما كانت عليه حتى في ظل الاحتلال العثماني، أو أثناء حُكم "صدام حسين".
أما على الجانب الأمريكي فقد لقي نحو 4000 أمريكي مصرعهم بينما يقاتلون بالعراق، كما أُصيب عدة آلاف أكثر بصورة مروعة، ويُحذر كبار ضباطنا العسكريين من أن جيشنا منهك تقريباً جراء ضغط احتلال العراق، وإدارة المحاربين القدامي مثقلة بكمٍ من شكاوى العجز المقدمة من جنود سابقين شاركوا في حرب العراق، وانتهت دراسة أعدها الخبير الاقتصادي "جوزيف ستيجليتز" الحائز على جائزة نوبل إلى أن تكلفة الحرب في العراق يمكن أن تُقدر بـ3 تريليون دولار على الأقل.
إن العواقب الاقتصادية لإنفاقنا المهول في العراق بدأت في الإعلان عن نفسها بينما نهوي إلى انتكاسة اقتصادية وربما أسوأ.
ويزعم مناصرو حرب العراق أن "استراتيجية الدفع" بقوات أمريكية إضافية إلى العراق مثلت نجاحاً مدوياً، وأنا لست شديد اليقين بذلك، ففي ظل سياسة "دفع القوات" درب الجيش الأمريكي، وجهز بأسلحة فاتكة تلك العناصر من الميليشيات العراقية التي كان يقاتل ضدها فقط منذ عدة شهور، وأخشى أننا قد نكون بتسليح وتجهيز ميليشيات معادية نقوم بإعداد المسرح لاندلاع أكثر مأساوية وخطورة في أعمال العنف، ربما استهدف القوات الأمريكية في العراق، ولا يوجد ما يُشير إلى تحقيق الحكومة العراقية لأي تقدم سياسي يُذكر.
وكلما أسرعنا في الانسحاب كلما كان أفضل، لقد عزز الغزو واستمرار الاحتلال الأمريكي كلاً من وضع إيران والقاعدة في المنطقة، إن مواصلة السير في طريق سياسة فاشلة لن يكلف إلا مزيداً من الأموال لم نعد نملكها، ومزيداً من الأرواح يجب ألا نضحي بها، إن سياسة التدخل قد أفرزت كارثة تلو الأخرى، وقد حان الوقت للعودة إلى سياسة خارجية غير تدخلية تركز على تجارة وسفر سلمي دون تحالفات معقدة، ويمكن لنا أن نبدأ ذلك بالانسحاب من العراق مباشرة.
وخلال كلمة له أمام مجلس النواب يوم الأربعاء 13 مارس بشأن التكاليف الناشئة عن سياسة التدخل الأمريكي حول العالم قال بول: "إنه من دواعي سعادتي أن أتحدث الليلة أمام المجلس بشأن الميزانية، حيث أعرب اليوم الأعضاء من الحزبين عن العديد من المخاوف بشأن نوع الأزمة المالية التي نمر بها، وليس هناك شك في ذلك، لكنني في بعض الأحيان أعتقد أننا نمضي جيئة وذهاباً منفقين المزيد من الوقت في لوم بعضنا البعض بدلاً من التعاطي مع المشكلة الفعلية.
ومن بين نقاط الخلاف لدي حول الميزانية هي أننا ننظر إليها كمشكلة محاسبية أكثر منها كمشكلة فلسفية، ولكن الإنفاق يحدث بناءً على ما نتقبله على أنه الدور الصحيح للحكومة، وفي الوقت الحالي فإن البلد فضلاً عن الكونجرس يعتبران أن الدور الصحيح للحكومة هو إدارة حياتنا، وإدارة الاقتصاد، وإدارة دولة الرفاهية، وحفظ النظام حول العالم، ولكنه على نحو فجائي قد فرض مزيداً من الضغوط على عاتق الميزانية".
وحول رؤيته لسبل حل الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تشهدها البلاد قال بول خلال كلمته: "إن الطريق الذي أراه هو أنه ليس هناك سوى طريق واحد فقط لنواجه ذلك وهو: تحديد ما هو منوط بحكومتنا للقيام به، والدستور واضح للغاية، فالحكومة يجب عليها حماية حرياتنا، ومنحنا دفاعاً قومياً قوياً، ولا يجب أن تدير حياتنا، ولا يجب أن تدير الاقتصاد، ولا يجب أن تحفظ النظام في العالم، فليس من المفترض بنا أن نكون شرطيي العالم.
إن الأعضاء من الحزبين لا يترددون في إنفاق كل سنت يطلبه الجهاز التنفيذي للاستمرار في حرب لم تُعلن أبداً، ونحن ننفق في الوقت الراهن ما يصل إلى تريليون دولار سنوياً، وسوف يتخطى هذا العام فوق تريليون دولار لإدارة العمليات الخارجية، وهو ما يعني جميع المساعدات الأجنبية والعسكرية، تريليون دولار لنقوم بأشياء ينبغي ألا نقوم بها".
وأضاف العضو الجمهوري البارز: "إن وجهة نظري تعتمد على تأمين دفاع قومي قوي، ووضع هذه الميزانية تحت السيطرة، وأرفض فكرة أننا في حاجة لقيادة إمبراطورية؛ فليس ذلك في إمكاننا، وهي سوف تسقط، إنها تسقط دائماً، ولقد انهارت على مر التاريخ لأن العملة تنهار في النهاية.
إننا في 130 دولة، ولدينا 700 قاعدة عسكرية، وجيشنا الآن - وفقاً لتقارير عسكرية - صار في أسوأ حال له منذ خمس سنوات، لذا فإن الوقت قد حان للنظر إلى المعضلات الاستراتيجية والفلسفية، وأقول: إنه إذا لم نفعل ذلك فإن الأمر سينتهي بصورة خطيرة، سينتهي بأزمة اقتصادية ضخمة ستكون ذات امتداد دولي، ونحن هنا في الوطن سوف نعاني ليس فقط اقتصادياً ولكن حتمياً، وفي ظل تلك الظروف يفقد الشعب حريته، إن حرياتنا ترتكس يوماً بعد يوم.
____________________________
[1] رون بول: عضو جمهوري بالكونجرس عن ولاية تكساس، وأحد مرشحي الرئاسة الأمريكية لعام 2008م، كان من بين ستة أعضاء جمهوريين فقط صوتوا ضد إعطاء الرئيس "جورج دبليو بوش" الصلاحيات لغزو العراق، كما أنه معارض لتقديم المساعدات المالية لأي دولة خارجية بما فيها "إسرائيل"، وكان العضو الجمهوري الوحيد في مجلس النواب الذي صوت ضد دعم "إسرائيل" أثناء حربها في لبنان عام 2006م.