حين تسقط الحريات

إيمان حامد الوزير

eman658@Gmail.com

 

تتباهى أوروبا الحديثة أمام العالم النامي بحرياتها وحقوقها المدنية، لدرجة أوصلت معها العطشى من العالم الثالث إلى الشعور بالفجوة بين مجتمعات تسحق الإنسان وأخرى تبني الإنسانية. لكن السنوات الأخيرة أسقطت بعضا من أركان تلك الفجوة، بفعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتهم الإرهاب التي استهدفت المسلمين في كل مكان، ثم سلسة الإهانات المسيئة للنبي - عليه الصلاة والسلام - الذي كان أنموذجا بشريا قل مثيله في احترام الحريات، من خلال تشويهه كونه يمثل رمزا دينيا عند المسلمين والهدف أمر ما في نفس يعقوب!! ثم تلاشت الحرية الأوروبية تماما وزالت الفجوات لنصبح نحن وأوروبا سواء، نعيش تحت وطأة قمع فكري يُمارس ضد الجميع بلا هوادة، حين مورس الإرهاب القمعي للفكر ضد المؤرخين الفرنسي روجية جارودي والانجليزي ديفيد ايرفنج اللذين حاولا تقييم المحرقة النازية وفق أصول قانونية ودراسات أكاديمية نقدية و علمية..رغبة في وضع بعض الحقائق المروج لها إعلاميا وثقافيا وشعبيا ضمن سياقها التاريخي الصحيح، مما سيخفف حتما عن كاهل أوروبا بشكل عام و ألمانيا خاصة عبئا حملته سنين من دمها وأموالها وخزيا لازمها بسبب ترويج الإعلام لفكرة إحراق زعيمها النازي هتلر لليهود إبان الحرب العظمى الثانية.

أليس الأمر مثيرا للحديث عن الواقع الأوروبي المعاش حاليا والمسقِط للحرية البحثية والفكرية التي تعد أحدى أبرز معالم الحضارة الغربية وأعظم رموزها؟

لقد طرح - بعض - العلماء المسلمون على الدانمرك والغرب الأوروبي دعوات متلاحقة لسبر أغوار محمد النبي الإنسان، وجددوا الدعوات لإقامة حوار فكري شامل حول الإسلام، رغبة في إيصال الفكر الأوروبي إلى جوانب ربما لم يعرفها أو لم يحسن استقراءها عن حياة محمد - عليه الصلاة والسلام -، لكن العالم المتحضر ـ على ما يبدو ـ لا يريد حوارا ولا قراءة ولا يرغب في الوصول شمس الحقيقة لأسباب تخدم أهداف بعيدة ومرسومة في نفس يعقوب!!.

إن العلاقة الجدلية بين إهانة نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام - وقمع الفكر الغربي المتناول لقضية المحرقة النازية مدعاة للاهتمام والملاحظة لما بينهما من قتل الفكر المستبين، واجتذاذ للرؤى الجدية في الوصول إلى حقائق ثابتة ستغير صورا كثيرا في العالم الغربي المتحضر... ففي أوروبا.. المشهد الديني السياسي والثقافي الآن يشعرنا بفداحة الآتي، فالبابا يوحنا بولس الثاني خرج على المجتمع الكنسي ببراءة اليهود من دم المسيح، ثم قدم اعتذارا وتوبة عن المحرقة النازية ضد اليهود.

وقبيل أيام زارت رئيسة الوزراء الألمانية انجيلا ميركل إسرائيل ووقفت بخشوع أمام النصب التذكاري للمحرقة النازية، لتشعر الرائي للمشهد السياسي أن العرق الآري الألماني فقد عنفوانه ويعيش في خضم ذل لن يبرح منه ابد الدهر وهو الذي قارع الكنيسة الكاثوليكية والعالم لسنوات من أجل نيل الحريات الفكرية.

وقد تزامن هذا الحدث مع أحداث متسارعة في قلب أوروبا ذاتها فالمشهد الثقافي الأوروبي يحتفل بإسرائيل ضيفة على معرضين للكتاب أحدهما في تورينو والآخر في باريس، في وقت رأى فيه العالم وسمع عن شتاء غزة الساخن و" المحرقة الصهيونية " التي نفذها أولمرت بالغزّيين، بإحراق ما يزيد عن مائة طفل على مرأى ومسمع العالم المتحضر!! إن تنصيب دولة معادية للإنسانية مهيمنة على كل أشكال التطرف كإسرائيل ضيفة شرفية لأكبر معارض للكتاب في أوروبا رسالة واضحة للعالم تتمثل بتسليط الأضواء على ثقافة صهيونية دموية وإضفاء صفة (التحضر) عليها، وهي المعجونة بدماء الضحايا، الباحثة عن ذاتها وهويتها في ركامات الحجارة والعملات المعدنية الصدئة وتنبش أرجاء فلسطين بصلف وتعنت، محطمة في طريقها كل من يقف في وجه مخططاتها، حتى لو كان مسجدا كالأقصى عميق الجذور واضح المعالم لا تشوبه شائبة مزيفة لكل الحقائق، مستخدمة كل وسائل الإعلام الممكنة لتحقيق أهداف " يعقوب "..

كنا في الماضي نتحدث عن استهداف للإسلام والمسلمين، أما اليوم فالمشهد العالمي بمختلف جوانبه يدفعنا للتفكير في الشكل القادم للعالم وما هو آت.... هناك خطان إعلاميان يحركان الفكر الأوروبي الحالي.

الأول: يسير باتجاه طعن الإسلام ونبيه محمد - عليه السلام -.

والثاني: يمهد لحضارة (صهيونية) قادمة..

فهل نعيش اليوم زمن الحكومة "غير المتوّجة " التي بدأت تخرج على السطح وتسيّر الفكر العالمي كما سيرت السياسة العالمية وفق منظومة مصبوبة في قوالب جاهزة يدعمها إعلام قوي ومسيطر على الساحات؟ الكل مستهدف، والكل موضوع تحت الضرس الخفي يلوكه وقتما يشاء، لنرى إمبراطورية الحريات الأوروبية تتهاوى وتصبح مطاطية ضمن حدود قد تقلب موازين والتاريخ والجغرافيا للسنوات القادمة.

 

* كاتبة من فلسطين مقيمة في السعودية محررة مجلة أدبيات.

 

10/04/2008م

 

http://www.islamselect.com                    المصدر: