هل يأتي اليوم الذي نأكل فيه لحوم البشر؟
أ. تحسين يحيى حسن أبو عاصي *
tahsseenn2010@hotmail.com
كفراً بشعوب العالم إن لم يعترف العالم بشعبي، ولن ندفع الضريبة وحدنا وغيرنا بالنعيم يرفل.
أثناء تصفحي لوجوه الناس في بعض الدول العربية، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، من بائع وعامل وطالب، وسائق وتاجر ورجل أعمال، وموظف ومثقف وأُمي ومسئول، لاحظت السعادة مرتسمة على الوجوه، فتذكرت سكان فلسطين وتحديدا قطاع غزة، وما سطرته الأيام على وجوههم.
تذكرت ما خطته الليالي والأيام، بأحداثها الجسام، على وجوه الأسرى الذين عشت معهم وبينهم في السجون الإسرائيلية سنوات طويلة، حيث الوجوه الذابلة واليد على الخد، والعزلة شبه الدائمة؛ بسبب الحالة العامة المسيطرة على أجواء السجن، من قمع وإجحاف، وكبت وقهر وإهمال، إلى أخر مصطلحات هذه القائمة السوداء.
حال المواطن الفلسطيني على أرضه، لا يختلف كثيرا عن حال السجين الأمني داخل السجون الإسرائيلية، فلو تمعنت جيدا في وجوه الناس، واختلطت بهم عن قرب لوجدت العجب العجاب، فأحوالهم تغنيك عن مقالهم، كل شيء مقروء على الوجوه، ولا شيء يُحسدون عليه فقر وبطالة وغلاء فاحش وهموم الحياة المتلاطمة، تلطم الخدود كما تلطم القلوب، الجميع يعيش أجواء التوتر والقهر والحرمان، قصف وتدمير وقتل وهدم لم يرحم بشرا ولا شجرا ولا حجرا، لا يخلو بيت من شهيد أو جريح أو سجين، العمليات العسكرية التي نفذتها إسرائيل فقط في الفترة ما بين 28 فبراير حتى 4 مارس 2008م أدت إلى مقتل 125 مواطنا فلسطينيا، من بينهم 27 طفلا، و 11 امرأة، وإصابة 220 مواطنا من بينهم 44 طفلا و6 نساء، حصار خانق أدى إلى الموت، بتنا نعيش في كارثة حقيقية، مهما تلاعب بعض الأقلاميين في الألفاظ، مات (123) مريض بسبب الحصار حتى تاريخه 3 / 4 / 2008 م وفقا لإحصائية وزارة الصحة. وعمليا الاعتقال ضد الفلسطينيين منذ عام 1967تُقدر بـ (000 800) ولا زال حوالي (11000) معتقل داخل السجون، موزعين على أكثر من (27) معتقل وما يتعرضوا له من تعذيب خلال فترة التحقيق. تقطع الكهرباء وتعطل الأجهزة والمصانع والمضخات، والمياه لا تأتي منتظمة في معظم مدن و أحياء قطاع غزة، والمياه الجوفية ملوثة لا تصلح للشرب، والهواء ملوث أيضا، والخطر البيئي يلاحقنا حتى انتشرت أمراض السرطان بين المواطنين بنسبة تفوق كل التوقعات.
إيقاع الحياة مؤلم للغاية، والكل يعيش ضغطا وتوترا في تزايد مستمر، حتى ساعة نزهة لنا ولأطفالنا، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، لأن القلوب مقفولة (كما يقولون)، فما بالك إذا كانت النزهة شبه مفقودة أو تكاد أن تكون منعدمة تماما قياسا بدول الجوار العربي، قطاع غزة يخلو من أماكن الترفيه للصغار وللكبار، كما يخلو من أماكن النمو والتطوير والإبداع، والناس هنا يرددون عبارة (بس نقدر نأكل الخبز) سمعت الكثيرين يرددون عبارة (لو وضعوني في نصف الجنة فلا أكن مسرورا).
تفشت بيننا مظاهر لم تكن من قبل، شرود الذهن وضعف التركيز، والاستغراق في التفكير العميق، والاعتكاف في البيت، غابت الابتسامة عن الوجوه ليحل بدلا منها العبوس، وغاب المرح ليحل الحزن، وغابت الحيوية ليحل الكسل والخمول، لكثرة ما ألم بنا من هم وغم. الأمراض النفسية ارتفعت وتيرتها إلى درجة غير مسبوقة، وأصبح قطاع غزة من أكثر مناطق العالم استهلاكا للأدوية، وذلك وفقا لحديث متلفز سابق لمدير احد مستشفيا غزة.
حتى الأطفال يميلون إلى اللعب العنيف (لعبة الهجوم والدفاع) ليعبروا بذلك عن أمور يعرفها الأخصائيون جيدا، وهم الذين يقفون على مفترقات الطرق، وأمام الإشارات الضوئية، يبيعون ما يسد رمق أسرهم. الطلاق ارتفعت وتيرته بسبب الفقر، وما ينتج عن ذلك من حرمان وهدم وتشتت للأسر.
في الطرق الرئيسية، تجد الباعة المتجولين من أصحاب المهن والفنيين وخريجي الجامعات، منهم من هو جالس على الرصيف لبيع الحلويات لأطفال المدارس، ومنهم من يبيع العوقوت (نوع من أنواع الكعك)، ومنهم من يبيع الساندويتشات أو الآيس كريم، أو المثلجات الخفيفة، أو المفكات أو الولاعات، أو القهوة والشاي، أو نكاشات أسنان، انتشرت بسطات السجائر انتشارا كبيرا، كما انتشرت ظاهرة المقاهي ومحلات البقالة، وقيادة السيارات من كل الأنواع، بحثا عن لقمة العيش بعد أن أغلقت المصانع وشلت الحياة الاقتصادية. شباب جامعيين خريجي كلية الطب والهندسة والحقوق يبيعون الخضار على عربات تجرها الحمير أو بسطات يفرشونها على الأرصفة وقارعة الطريق، ومع ذلك كله نقاتل ونتعلم ونزرع، وسنظل نبني ونتعلم، وسنظل نملك القدرة على العطاء والإبداع نتحلى بالإرادة، ولن يُهزم شعبنا بإذن الله - تعالى -، ولن يركع إلا لخالقه جلّ في علاه، مهما تآمر علينا القريب والبعيد، والعدو والصديق. لقد ضاعت البلاد والأوطان وضاع كل شيء تقريبا، ولكن الكرامة لا ولن تضيع بإذن الله، وستنتزع الأجيال النصر من بين مخالب وأنياب أعدائنا بإذن الله - تعالى - مهما طال الزمان أو قصر.
فهل يأتي اليوم الذي نأكل به لحوم البشر!!؟؟ فافهم يا لبيب، فلن ندفع الضريبة لوحدنا وغيرنا بالنعيم يرفل.
((فاصبر إن العاقبة للمتقين)).
* فلسطين
10/4/2008م