تجارة القتل
أحمد عمرابي
5/4/1429هـ الموافق له 12/4/2008م
اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي ذات نهار في أواخر عام 1963م كان في مدينة دالاس، ولولا عملية الاغتيال لتغير مجرى تاريخ الحرب الأميركية التي كانت دائرة آنذاك في فيتنام، فقبل توجهه إلى دالاس كان الرئيس قد توصل إلى قناعة نهائية بسحب القوات الأميركية من الأراضي الفيتنامية؛ تمهيداً لوضع نهاية للحرب.
ولو عاد الرئيس إلي العاصمة واشنطن لكان قد وقع بإمضائه على أمر تنفيذي رئاسي يقضي ببدء انسحاب الجيش الأميركي.
حتى يومنا هذا ليس معلوماً على وجه التحديد والدقة من هي الجهة التي دبرت عملية الاغتيّال، لكن من بين النظريات التي صارت على مدى سنين متداولة بقوة نظرية تفيد بأن الجهة المدبرة هي مجموعة كبار الجنرالات في وزارة الدفاع، وأن من وراء الجنرالات مجموعة كبرى شركات صناعة الأسلحة، وفي مقدمتها بوينغ، وماكدونيل دوغلاس، وجنرال داينامكس، ما مغزى النظرية؟
المغزى هو ببساطة أن وضع نهاية مبكرة للحرب الأميركية في فيتنام كان سيعني ضربة مالية عظيمة لشركات صناعة الأسلحة كنتيجة لتوقف تعاقدات الشراء من وزارة الدفاع، مع ضربة أخرى ثانوية لكبار الجنرالات بتوقف ما كانوا يتقاضون من رشاوى كبيرة من الشركات نظير تضخيم طلبيات الشراء، ولذا، ومع افتراض صحة النظرية؛ فإنه بعد تصفية الرئيس كينيدي تواصلت الحرب الأميركية في فيتنام لمدى 12 عاماً أخرى جنت خلالها شركات صناعة الأسلحة حصيلة أرباح أسطورية بمئات المليارات من الدولارات.
نستحضر هذه القصة لربط الماضي بالحاضر، بالأمس كانت فيتنام، واليوم أفغانستان والعراق، ومبعث الاستذكار مقالة افتتاحية في صحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية نشرت الأسبوع الماضي تعليقاً على تقرير صدر عن مكتب التدقيق الفيدرالي الأميركي، وتقول الصحيفة: إنه منذ أن تولى الرئيس جورج بوش السلطة فإن ميزانية وزارة الدفاع لشراء أسلحة تضاعفت من 790 مليار دولار إلى 1600 مليار العام الماضي.
ولا ندري كم بلغت قيمة الرشاوى التي تقاضاها الجنرالات من شركات الأسلحة نظير تعاقدات بهذه المبالغة، لكن تقرير المدققين يقول: إن جنرالات وزارة الدفاع يتسلمون الكثير من أنظمة السلاح وهي معطوبة، دون أن يثيروا ملاحظة بهذا الصدد، وكأنهم يلتزمون بسكوت مدفوع الثمن، ومن ملاحظات التقرير أيضاً أن أسعار الأسلحة التي تتقاضاها شركات صناعة السلاح من وزارة الدفاع تزيد أضعافاً عن الأسعار المتفق عليها سلفاً، والمنصوص عليها في الميزانية الحكومية الرسمية.
إنها بإيجاز تجارة الحروب التي تمثلها مجموعة شركات صناعة السلاح التي يمتد نفوذها السياسي ليشمل أجهزة مؤسسة السلطة الأميركية بأسرها بما في ذلك البيت الأبيض، ومن أجل الترويج لمنتجات مصانع الأسلحة، وتصعيد مبيعاتها؛ تفتعل الرئاسة الأميركية بدعم من الكونغرس إشعال حروب، وتختلق مبررات كاذبة لإضرامها، وتستثار في أنحاء العالم بؤر للتوتر والفتنة.
خلال الأسبوع مثل قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس أمام مجلس الشيوخ الأميركي داعياً إلى تجميد عملية انسحاب القوات الأميركية من الأراضي العراقية، إنها دعوة غير مباشرة ليعبر من خلالها الجنرال عن مصالح مجمع شركات صناعة الأسلحة عن طريق إطالة الأمد الزمني للحرب الأميركية في العراق إلى أقصى حد ممكن.