مصر: إضراب وعصيان من أجل الخبز!

عمرو محمد - القاهرة

1/4/1429هـ الموافق له 7/4/2008م

على مدى يوم كامل شهد الشارع المصري انقساماً واسعاً بين مؤيدين للإضراب الذي دعت إليه بعض الحركات الاحتجاجية, وبين معارضين له, وجاء هذا الانقسام شأنه شأن التباين الحاصل بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة، إلا أنه مع هذا التباين سيظل يوم السادس من أبريل يوم الدعوة إلى الإضراب العام كاشفاً لحالة خاصة في حياة المصريين, وهي محاولة العصيان المدني، والإضراب عن العمل؛ احتجاجاً على الغلاء وسوء الأحوال الاقتصادية في مصر.

وإذا كانت أجهزة الأمن المصرية نجحت في تطويق الإضراب في بعض المحافظات؛ إلا أن مصادمات دامية وقعت في المحلة الكبرى التي دعا العاملون بمصانعها إلى الإضراب أساساً؛ مما أسفر عن إصابة العشرات من أهالي المدينة، كما أصيبت المدينة بشلل شبه تام عندما أغلقت المحال التجارية أبوابها, وفضل الكثيرون البقاء في منازلهم وفق الشعار الذي رفعه منظمو الإضراب "ما ترحش الشغل, خليك في البيت".

وكان لهذه الصورة صورة أخرى طبق الأصل في القاهرة الكبرى, ففي الوقت الذي نجحت فيه قوات الأمن المصرية في تطويق ميدان التحرير، ومقر نقابة الصحفيين؛ أحد أهم نقاط تجمع المحتجين؛ لمنع وصولهم لإعلان وقفة احتجاجية بالموقعين؛ كان المشهد على النقيض في نقابة المحامين التي نجح فيها بعض الأفراد من الحركات الداعية للإضراب عندما نظموا وقفة احتجاجية أمام النقابة لبعض الوقت تزعمها عدد من أصحاب التيارين الناصري واليساري.

وأمام هذا التباين كان هناك تباين آخر, ولكن بصورة أخرى في الجامعات والمدارس, ففي الوقت الذي سجلت فيه غرفة عمليات حركة "كفاية" أن نجاح الإضراب في جامعات: الأزهر, القاهرة, عين شمس, حلوان؛ أي في مناطق القاهرة الكبرى, ومعها مدارسها؛ كان المشهد مختلفاً في بقية محافظات البلاد عندما نجحت الأجهزة المعنية في تطويق الإضراب بالأقاليم, وتحذير رؤساء الجامعات، ونظار المدارس للطلاب؛ من مغبة الإقدام على خطوة الغياب, وإلا تعرضوا لعقوبات مشددة.

 

غياب القوى السياسية:

وفي المجمل, وإذا كان الإضراب قد حقق جدواه, أو لم يحققه؛ إلا أنه يكشف عن عوامل عدة أبرزها: غياب القوى السياسية الفاعلة في الشارع المصري وهى جماعة الإخوان المسلمين عن الدعوة للإضراب, أو الإشراف عليه, وهو ما عكس تبايناً بين الجماعة وبعض الأحزاب والقوى والحركات الاحتجاجية ذاتها, والتي اختلفت فيما بينها أيضاً.

هذا الانقسام ظهر واضحاً عشية الإضراب ذاته, عندما دعت إليه أحزاب الناصري, الوسط, الجبهة, الغد, الكرامة؛ مقابل معارضة من جانب أحزاب الوفد, التجمع, الوفاق "باعتباره نابعاً من أفراد وحركات غير معروفة وعشوائية", في الوقت الذي حشد فيه الحزب الوطني "الحاكم" كل طاقاته للحيلولة دون نجاح الإضراب.

والواقع فإنه ومنذ بدأت الحركات الاحتجاجية في الظهور في مصر قبل سنوات قليلة لم تشهد البلاد تفاعلاً مع دعوة للاعتصام والإضراب مثلما حدث مع تلك الدعوة التي انطلقت من عمال غزل المحلة، وأعلنت قوى سياسية تضامنها معها، إلى جانب عدد كبير من المدونين على موقع "فيس بوك" الشهير.

وفي هذا السياق فقد لعبت المجموعات البريدية على شبكة "الإنترنت" دوراً بارزاً في الدعوة للإضراب قبل أن تنتقل منها بسرعة إلى الجامعات المختلفة، وتتلقفها قوى سياسية, في الوقت الذي لوحظ فيه تزامن الإضراب مع بدء الاستعدادات لإجراء الانتخابات المحلية المقرر لها بعد "الثلاثاء 8 أبريل" في مختلف المحافظات المصرية.

 

جموح الأسعار:

ومن هنا ينظر كثير من المراقبين إلى إضراب الأحد باعتباره إحدى أبرز آليات الضغط الشعبية التي مورست ضد الحكومة المصرية خلال السنوات الأخيرة، مشيرين إلى الدور الكبير الذي لعبته تلك الدعوة في دفع الحكومة مؤخراً إلى اتخاذ سلسلة من القرارات من شأنها أن توقف جموح الأسعار الكبير في البلاد، وبخاصة القرارات المتعلقة بإلغاء الجمارك على عدد من السلع ومن بينها الحديد والأسمنت، فضلاً عن السلع الغذائية؛ إلى جانب ما تم إعلانه من زيادة العلاوة الاجتماعية بما يتجاوز 15% لتحقيق زيادة معقولة في دخول موظفي الحكومة وارتفاع الأسعار.

جماعة الإخوان المسلمين أبرز القوى السياسية التي لم تشارك في الإضراب حيث اعتبرت أن المناخ السياسي العام لم يكن مواتياً له, نافية أن يكون موقفها مغازلة منها للحكومة المصرية, فيما تترقب الأوساط المختلفة حكم القضاء العسكري في القضية التي يحاكم فيها 40 من قادة الجماعة منذ عام ونصف تقريباً.

ويؤكد القيادي البارز في الجماعة د. عصام العريان أن الدعوة للإضراب جاءت من أطراف غير معروفة, وبطريقة تتسم بالعشوائية, "ومع تأكيد الإخوان بأحقية المواطنين في الإضراب كحق دستوري وقانوني, فقد صدرت تعليمات لأفراد الجماعة بأن يكون لكل فرد فيها حرية المشاركة من عدمه, خاصة وأنه يصعب مع إضراب بهذه الطريقة أن تصدر فيه قرارات ملزمة للأفراد".

http://www.islamtoday.net:المصدر