نيران العنصرية تلتهم إسرائيل

متاي اشمؤوليف - يديعوت أحرنوت

ترجمة صالح النعامي

3/4/1429هـ الموافق له 9/04/2008م

تشير المنظمات الحقوقية العالمية والإسرائيلية دائماً إلى صور المعاملة السيئة التي يتعرض لها العمال الأجانب، وطالِبوا اللجوء السياسي من الأفارقة في إسرائيل، لدرجة أن بعض هؤلاء أقدم على الانتحار بسبب هذه الممارسات.

صُنَّاع القرار في إسرائيل حاولوا تبرير هذه الممارسات؛ بتحميل المهاجرين المسئولية عن تجاوز قوانين الهجرة، لكن الشاعر والمفكر متاي اشمؤوليف يرى أن هذه الممارسات ناجمة عن تجذّر العنصرية في المجتمع الإسرائيلي.

شمؤوليف يرى أن العنصرية لا تجد تعبيرها فقط في التعاطي مع الأجانب من عمال ولاجئين، بل هي عامل حاسم في تعامل المجموعات اليهودية مع بعضها البعض، منوهاً في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" إلى أن النخب المسيطرة على المجتمع الإسرائيلي تعتمد معايير مزدوجة في تعاطيها مع المجموعات العرقية والدينية المكوِّنة للمجتمع الإسرائيلي، بحيث أنها تتبنى مصالح المجموعات الهامشية التي تخدمها، في حين تتنكر للمجموعات الأخرى، وهذا نص ترجمة المقال:

قد أخطأنا عندما اعتقدنا أن التوجهات العنصرية في مجتمعنا تقتصر على جماعات هامشية مثل حركة "كاخ" المتطرفة التي أُخرِجت من إطار القانون بعد أن دعت إلى طرد العرب بالقوة، أو ما تعرض له اليهود على أيدي النازيين في أوروبا قبل العام 1945م، لكن في الحقيقة أن التعاطي العنصري المستند إلى اعتبارات عرقية كان دائماً متجذّراً في المجتمع الإسرائيلي، وتحديداً لدى التعاطي مع مجموعات عرقية، ولذا فإن هناك آلية للفرز على أساس عنصري، وهو الأمر الذي أدى إلى أن تطور مجموعات في إسرائيل مواقف عنصرية تجاه جماعات أخرى، وشيطنتها بشكل يبرر عدم توزيع الثروة الوطنية على أساس عادل بين مركبات المجتمع.

فعلى سبيل المثال يائير لبيد - أحد قادة حزب "شينوي" الذي تفكك في أعقاب فشله في الانتخابات الماضية - وعد بعودة حزبه للحياة السياسية الفاعلة من أجل التصدي للحركات الدينية الأرثوذكسية اليهودية لقيامها بسرقة المال العام، وابتزازها مؤسسات الدولة، لكن لبيد لم يسأل نفسه: كيف تحول المتدينون في نظره إلى جماعة وضيعة يتم تفسير نقل المال لها على أنه عملية سرقة.

ازدواجية المعايير تصرخ هنا، فعندما تقوم مديرية التعليم العالي بتوفير منح دراسية في الجامعات لجماعات تخدم النخب؛ فهذا الأمر يكون على ما يرام، أما عندما تطالب جماعة دينية بمنح مالية لطلاب المدارس الدينية فإن هذا يُعد سرقة.

لبيد لم يسأل نفسه: لماذا لا يرى هو والنخب اليسارية في المتدينين إلا تهديداً لعلمانية إسرائيل، ولحقيقة كونها جزءاً لا يتجزأ من العالم الغربي المتطور؟ ولماذا تتم استثارة الكراهية تجاه المتدينين رغم أن معظمهم يعيش في فقر مدقع؟.

ولرئيس الوزراء إيهود أولمرت توجهاته العنصرية، فهو الذي طالب بطرد اللاجئين الذين وصلوا من أفريقيا بسرعة، لقد أغفل لبيد وأولمرت حقيقة أن العمالة السوداء هي تلك التي عملت على ازدهار الاقتصاد الإسرائيلي وتطوره، دون أن يحصل العمال على حقوقهم، لقد كان أول من مثل العمالة السوداء هم اليهود الشرقيون الذين هاجروا لإسرائيل من الدول العربية في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وبعد عام 1967م تم استبدالهم بالفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن مع اندلاع الانتفاضة الأولى في نهاية العام 1987م قرر وزير الدفاع في ذلك الوقت إسحاق رابين استبدال العمال الأجانب بالعمال الفلسطينيين ممن تحولوا إلى طبقة جديدة من أناس يجمعون الحطب، وينتشلون الماء، في مجتمع يكابد كثرة الصراعات بداخله.

واليوم يطرق أبواب إسرائيل الآلاف من الأفارقة الذين يرغبون في العمل، وهم بشكل تلقائي يتحولون في نظر الدولة إلى طبقة واحدة لا تتمتع بأي حقوق، مع أن للدولة مسئولية كبيرة تجاههم، بعض هؤلاء اللاجئين يبحثون عن لجوء كما طرق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية أبواب العديد من الدول؛ بحثاً عن اللجوء، ولم تستطع الدولة أن تحدد سياسة واحدة تأخذ بعين الاعتبار حقوق وواجبات هؤلاء اللاجئين.

ودوماً تطرح علاقة الجغرافيا السياسية بين إسرائيل وأفريقيا، وصراع الهويات داخل إسرائيل نفسها، أن اللون والعرق هما من العناصر الهامة التي تؤثر على علاقة إسرائيل بالمهاجرين بغرض العمل، لقد كان هذا مع اليهود الفلاشا (الذين هاجروا من إثيوبيا)، واليهود الشرقيين والفلسطينيين، تكمن المشكلة في حقيقة أن التفكير على أساس عرقي هو الذي يعتمل في نفوس الإسرائيليين.

وهناك مثال يتوجب أن يقتدي به قادة إسرائيل، وهو المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة باراك أوباما، الذي قال: إن الولايات المتحدة مطالَبة بمواجهة مشكلة الأعراق، ووضعها على جدول الأعمال الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

ولم يخش أوباما من تحليل مخاوف البيض من منح السود امتيازات في سنوات السبعين، ولقد طالب أوباما بنقاش جماهيري حول الأعراق، مع أن مثل هذا النقاش قائم في السنوات الأخيرة، لقد طرح المرشح الديمقراطي على جدول الأعمال القمع الذي تعرض له السود والأمريكيون المنحدرون من أمريكا الجنوبية، هل يمكن أن تجد إسرائيل قيادة جريئة قادرة على طرح الأسئلة المتعلقة بالهوية والمجتمع في إسرائيل؟ أم أننا سنعود دوماً لاتهام المتدينين أو اللاجئين من أفريقيا.

إن المشكلة تكمن في حقيقة أن كلاً من أولمرت ولبيد والسَّاسة في إسرائيل يفتقدون القيم الإنسانية، ولا يعترفون بالتعددية الثقافية؛ لذا فإننا سنظل كمجتمع محكومين بالاعتبارات العرقية، وهو ما يعني أن الفصل العنصري في إسرائيل يتواصل.

http://www.islamtoday.net:المصدر