أزمة الغذاء حالة عابرة أم مشكلة مزمنة؟
عصام زيدان
9 ربيع الثاني 1429هـ الموافق له 15- 4- 2008م
في الوقت الذي بات فيه العالم المتقدم مقتنعاً بأن أكبر المشاكل الراهنة محصورة في "الإرهاب"؛ تأتي مشاهد الجوع والجفاف، والحرمان والتظاهرات المطالبة بقوت اليوم؛ لتصدم جميع المتابعين والمهتمين, وتضع الجميع أمام إرهاب من نوع جدي حقيقي يقترب من اغتيال ما يقرب من 3.5 ملايين نسمة خلال هذه السنة فقط.
فالأسواق الدولية تشهد - كما يقول خبراء الاقتصاد - حالة فريدة، ومجموعة متداخلة من العوامل التي يستطيع كل منها على حدة التسبب بأزمات مالية كبيرة، ولكن أهمها على الإطلاق أزمة الارتفاع القياسي لأسعار المواد الغذائية بعدما بلغت معدلات مخزون الغذاء العالمي مستويات تاريخية في الانخفاض, وهو ما جعل الأوضاع المعيشية للغالبية من سكان المنطقة العربية والشرق الأوسط وإفريقيا على وجه الخصوص في غاية التعقيد، مع تدني مستوى الأجور عن نظيرة العالمي, وارتفاع نسبة الفقر في هذه الدول.
فوفقاً لما أعلنته منظمة الزراعة والأغذية الدولية (الفاو) فإن أسعار المواد الغذائية ارتفعت حول العالم 45% خلال الأشهر التسعة الأخيرة، ومنذ ديسمبر 2007م واجهت 37 دولة أزمة غذاء، بينما فرضت 20 دولة نوعاً من الرقابة على أسعار السلع الغذائية.
ففي الولايات المتحدة ارتفعت أسعار الغذاء 4% العام الماضي، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1990م، كما تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية أن ترتفع إلى مستويات قياسية هذا العام.
أما الدول العربية ففي الأردن ارتفع التضخم إلى 9% خلال الشهر الماضي، والسوريون كذلك تابعوا كيف ارتفعت أسعار سلتهم الغذائية بمعدل 20% خلال الأشهر الستة الماضية، وفي مصر ارتفعت الأسعار بمعدل 40%, ووصلت في بعض السلع الحيوية إلى 100%، وأكثر من ذلك في زيت الطعام.
الأزمة الغذائية .. مسئولية من؟
يأتي السؤال الأولي في هذه القضية عن المتسبب في هذه الأزمة, وهنا نجد الإجابة عند مجموعة التنمية (أوكسفام) التي حملت الدول الغنية المسئولية عن أزمة الغذاء، لأنها خفضت من قيمة مساعداتها للدول النامية، وشجعت إنتاج الوقود الحيوي؛ الذي يعد المسئول الأول عن زيادة الطلب إلى النصف على غذاء الإنسان.
وفي هذا الصدد تقول إليزابيث ستيوارت المستشارة في المجموعة: إن "تزايد الطلب من الدول الغنية على الوقود الحيوي يدفع أسعار الغذاء للصعود، ويشكل أزمة كبيرة، وفي الوقت نفسه هذه الدول خفضت قيمة مساعداتها للدول النامية".
وزير التنمية الألماني هيدماري فيسزوريك يضم رأيه إلى سابقته أيضاً, محملاً الدول الغربية المسئولية عن هذه الأزمة, داعياً إلى تشريعات أكثر تنظم سوق الوقود الحيوي للحيلولة دون المزيد من ارتفاع أسعار الغذاء قائلاً: "من غير المقبول أن نصنع الوقود من الغذاء، ونعرض الناس الذين هم فعلاً يعيشون نقصاً كبيراً إلى الخطر".
أما المقرر الخاص للأمم المتحدة من أجل الحق في الغذاء "جان زيغلر" فقد كان أكثر تحديداً حينما حمل الولايات المتحدة المسئولية الأكبر في هذه الأزمة جراء سياستها في الاعتماد على الوقود الحيوي، متجاهلة احتياجات الشعوب من الغذاء.
الأسباب الداعية لارتفاع أسعار المواد الغذائية:
عن الأسباب الداعية لارتفاع أسعار المواد الغذائية يقول مارسيلو جيوجيل مدير إدارة خفض الفقر التابعة للبنك الدولي: إن هناك عدة عوامل تساهم في تشكيل "عاصفة كاملة" بالنسبة لأسعار الغذاء وهي:
1- حماية ودعم الدول الغربية إنتاج الحبوب من أجل إنتاج الوقود الحيوي الذي سحب إنتاج السوق لتغذية سوق الطاقة، فالأرض التي كانت تُستغل لإنتاج المحاصيل الموجهة للوقود الحيوي تنقص من مساحة الأراضي المخصصة لزراعة المحاصيل الموجهة للاستهلاك البشري، وبالتالي يتحول الوقود الحيوي المدعوم من قبل الحكومات الغربية إلى أحد العوامل المهمة المسئولة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية في العالم، ومن ثم تفاقم الأزمة الحالية, ويكفي أن نعلم أن الولايات المتحدة تستنزف وحدها ما يقرب من 138 مليون طن من الذرة خارج السوق الغذائية لهذا الغرض.
2- ارتفاع تكاليف وقود الديزل والأسمدة التي تستخدم لإنتاج الغذاء خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط فوق عتبة المئة دولار للبرميل: مع تجاوز سعر برميل النفط المئة دولار تحولت تكلفة الطاقة المرتفعة إلى أحد أهم الأسباب التي تدفع أسعار المواد الغذائية إلى الارتفاع, خاصة إذا علمنا أن أساليب الزراعة الحديثة والمعاصرة أكثر اعتماداً على الطاقة لإنتاج الأسمدة الكيماوية، وتشغيل آلات الحرث والحصاد، هذا فضلاً عن وسائل نقل المحصول التي تعتمد بالأساس على الوقود.
3- المناخ السيئ في مناطق كانت في العادة مناطق إنتاج كبير مثل أستراليا التي واجهت أجزاء منها أسوأ موجة جفاف منذ 100 عام: فالتغيرات المناخية، والتقلب الشديد في أحوال الطقس؛ لاسيما في المناطق المنتجة للمواد الغذائية مثل أستراليا التي تعتبر ثاني أكبر مُصدر للقمح في العالم؛ شكلا عاملاً إضافياً في ارتفاع الأسعار, حيث عانت خلال السنة الأخيرة من جفاف حاد قلص من حجم إنتاجها, ومن ثم قل المعروض في السوق العالمي في وقت يزداد فيه الطلب.
4- التحول إلى زيادة استهلاك البروتينات في آسيا من اللحوم والدواجن، وهو ما يتطلب إنتاج مزيد من الحبوب: فالصينيون باتوا أكثر إقبالاً على أكل اللحوم، وإلى جانبهم المواطنون في الاقتصاديات الناشئة الذين اعتادوا مؤخراً على تناول طعامهم على الطريقة الغربية, وهو ما يضاعف من استهلاك الحبوب على مستوى العالم, فلإنتاج قطعة لحم تحتوي على 100 سعر حراري يتعين إطعام الحيوانات المنتجة للحم 700 سعر حراري من الحبوب.
5- الخطط الهيكلية التي يطالب بها البنك الدولي: الخطط الهيكلية التي يطالب بها البنك الدولي تفرض دائماً إنجاز زراعة للتصدير تمكن من الحصول على عملات صعبة تسمح للدول الفقيرة بتسديد فوائد ديونها لبنوك الشمال، وتمويلات هذه الزراعة التصديرية تضر الأسواق الزراعية المحلية، وساهمت إلى حد كبير في هذه الأزمة المتفجرة.
ارتفاع أسعار الغذاء .. من حالة عابرة إلى أزمة مزمنة:
يقول الخبراء الاقتصاديون: إن الشرق الأوسط لا يعاني مشكلة ارتفاع الأسعار منفرداً، بل يمكن القول: بأن المشكلة طالت غالب دول العالم, لكن التحدي الأساسي يكمن في أن عبء الأزمة يقع فعلياً على عاتق الشرائح الأقل قدرة على التحمل، فالأسر في الدول الغربية على سبيل المثال تخصص من 10 إلى 20% من ميزانيتها للغذاء، في حين تخصص الأسر في الدول الفقيرة من 60 إلى 90% من ميزانيتها للغذاء.
كما أن هذه الظاهرة انتقلت من طبيعتها الظرفية التي شهدها العالم من قبل إلى حالتها المزمنة, وهنا يقر البنك الدولي بأن الوضع عام 2009م سيبقى صعباً على هذا الصعيد، والأسوأ أنه يرجح بأن أسعار الأغذية لن تعود إلى مستويات عام 2000م قبل عام 2015م.
وفي حوار مع صحيفة ليبراسيون الفرنسية (14/4/ 2008م) يطلق المقرر الخاص للأمم المتحدة من أجل الحق في الغذاء جان زيغلر صيحة تحذير من اتجاه العالم نحو فترة اضطرابات طويلة جداً، ونزاعات ممتدة مرتبطة بارتفاع الأسعار، ونقص المواد الغذائية, كون الأزمة ليست عارضة بل هي أزمة هيكلية.
العواقب ستكون كارثية:
المسألة بالنسبة للعديد من المراقبين وخبراء الاقتصاد تعتبر كارثية, ونجدهم عرضوا لبعض الآثار المتوقعة للأزمة:
1- ارتفاع الأسعار سيقلل بصورة آلية القدرة الشرائية للأسر, وقد يتسبب بانخفاض الاستهلاك الذي يعتبر أحد عوامل النمو، وتالياً تراجع الادخار الذي يغذي هذا المحرك: أسعار الحبوب تؤثر بشكل واضح على الأسر في الدول النامية، حيث تمتص معظم عائداتها المالية, وهو ما يعني أن شبح "الدوامة التضخمية" الذي طالما خشيت منه السلطات المالية بدأ يتجلى أولاً في الدول الناشئة التي تعد قاطرة الاقتصاد العالمي، وهذه إحدى مخاوف الدول الرائدة في معدلات النمو وهي الصين التي وصل فيها التضخم إلى 7.8% في شهر فبراير الماضي, فيقول رئيس وزرائها وين جياباو: "علينا قبل كل شيء ضمان التنمية السريعة والمستقرة للاقتصاد، وفي الوقت نفسه السيطرة على التضخم في شكل فاعل"، فأي زيادة إضافية للتضخم في الدول الناشئة ستؤثر سلباً على مجمل الاقتصاد العالمي، ما يضاعف خطورة الوضع الحالي.
2- تصاعد الاضطرابات السياسية والتظاهرات الغاضبة في الدول الأشد معاناة من ارتفاع الأسعار, وهو ما قد يعرض بعض الأنظمة لضغوط شعبية غير مسبوقة: لا يجوز تجاهل الضغوط المتولدة من ارتفاع الأسعار، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن, خاصة في الدول التي غالب سكانها ضمن الشريحة الفقيرة, ففي تقرير لـ CNN يقول جون دفتريوس معد ومقدم برنامج "أسواق الشرق الأوسط": إن قادة الدول العربية يعرفون بالطبع العلاقة الوطيدة بين وفرة الغذاء والاستقرار الشعبي، لكن المشكلة بالنسبة لهم أنهم فقدوا قدرتهم على التحكم بهذه المعادلة الدقيقة، فأسعار الخبز وسائر مكونات السلة الغذائية ترتفع، وكذلك أسعار المواد الأولية الأخرى مثل الأرز، والسكر، وزيت الطبخ.
وبواكير تلك النتائج كما يقول المقرر الخاص للأمم المتحدة من أجل الحق في الغذاء جان زيغلر بدأت تظهر، فالجيش التايلندي يحرس حقول الأرز، ونشاهد أزمة الخبر في مصر، وقتلى بالسلاح في هاييتي, فالعالم أمام فتن متعلقة بالمجاعة مستمرة، وأمام صراعات وموجات عدم استقرار إقليمية لا تمكن السيطرة عليها؛ تجسد كلها خيبة أمل الناس في الأنظمة.
3- ارتفاع أسعار المواد الغذائية قد يساهم في خلل في البيئة الاقتصادية، واندلاع حروب, كما أنه قد يقوض مكاسب التنمية السابقة: حذر صندوق النقد الدولي من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تنجم في العالم عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بما في ذلك اندلاع حرب, وقال المدير العام للصندوق دومينيك ستروس: "إذا واصلت أسعار المواد الغذائية حركتها الجارية اليوم فإن النتائج ستكون رهيبة", مضيفاً: أن "مئات الملايين من الأشخاص سيموتون جوعاً, ما سيؤدي إلى خلل في البيئة الاقتصادية, كما أن مكاسب التنمية التي تحققت في السنوات الخمس أو العشر الماضي ستدمر بالكامل"، محذراً من أن الاضطرابات الاجتماعية يمكن أن تؤدي حتى إلى حرب، وتابع ستروس: "كما نعرف وكما تعلمنا من الماضي هذا النوع من القضايا يفضي في بعض الأحيان إلى الحرب، وإذا أراد العالم تطويق هذه العواقب الوخيمة فعليه الحد من ارتفاع الأسعار".
ويتوقع مدير "الفاو" جاك ضيوف أن تنتشر مظاهر عدم الاستقرار حول العالم مع إنفاق معظم الناس لنصف رواتبهم لتأمين لقمة العيش، وتدخل في هذا الإطار معظم أرجاء قارة إفريقيا، وأقسام واسعة من الشرق الأوسط, حيث لا تزال معدلات الفقر مرتفعة.
4- يزيد معدلات الفقر وقد يسبب مجاعة غير متوقعة: يقول مسئول كبير بالبنك الدولي: إن تضاعف أسعار الغذاء خلال السنوات الثلاث الأخيرة قد يهوي بمئة مليون شخص في دول منخفضة الدخل في أعماق الفقر، ويزيد معدلات الفقر في العالم بما يصل إلى ثلاث نقاط مئوية إلى خمس نقاط.
ويضيف برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة على ذلك أنه يواجه عجزاً في التمويل يبلغ نصف مليار دولار هذا العام لإطعام 89 مليون شخص محتاج حول العالم, وهو ما يعني أن شبح المجاعة والموت جوعاً يطرق الأبواب بقوة.
نظرة أمل وحلول مقترحة:
الأمر على ما يبدو عند بعض الاقتصاديين ليس قاتماً إلى هذا الحد, حيث يرى الاقتصادي وأمين الفريق الحكومي لبرنامج الحبوب التابع لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بالأمم المتحدة عبد الرضا عباسيان أنه على الرغم من الأوضاع القاتمة فإن التوقعات وعلى المدى البعيد تشير إلى استقرار الأسعار، إذ إن المزارعين سيزرعون مساحات أكبر من الحبوب لاستخدامات الطاقة البديلة والغذاء، وهو ما يؤدي بالتالي إلى تراجع الأسعار.
وهنا يطرح خبراء الاقتصاد عدة بدائل للتغلب على أثار الأزمة الراهنة منها:
1- استخدام منتجات زراعية وأغذية مزروعة محلياً، وبالتالي قد يكون استهلاكها أرخص.
2- الحد من الصادرات ما أمكن في محاولة لحماية المستهلكين في الداخل.
3- التراجع عن الوقود العضوي الذي تبين أن السير على دربه كان خطأ فادحاً.
4- استغلال المساحات الشاسعة من الأراضي غير المستصلحة في زراعة الحبوب الغذائية.
5- تغيير أنماط الاستهلاك الغذائي والعادات التي تفضي إلى إهدار جزء كبير من المواد الغذائية.