إدارة التعانف 4
د. عبد الكريم بكار
لا يخفى ذلك التقدم الهائل الذي حدث على صعيد العلوم الطبيعية؛ حيث تَوَفَّر للناس قدر هائل من المعارف والمعلومات الموثوقة، التي يمكن فعلاً اتخاذ الكثير من القـرارات المعـتـمـدة على معطـياتها ومـدلـولاتـهـا، لكن ذلك لم يحـدث على صـعيـد علوم الإنـسان؛ وذلك لأن كل ما يتصل بالإنسان يتصف بالتعقيد من جهة؛ ولأن المردود الاقتصادي المتوقع من وراء البحث العلمي في شؤون الإنسان ضيئل جداً من جهة أخرى. والدراسات المتوفرة على قلتها النسبية تشير إلى أن إثارة حفيظة الإنسان، وحملَه على أن يسلك مسلك التعانف ليس بالأمر الصعب، أي أن البنية العصبية والروحية للإنسان تُبدي هشاشة ظاهرة في الكثير من المواقف؛ حيث يتعكر المزاج، ويستعد المرء للتوثب والمصاولة.
حين ترتقع درجات الحرارة في فصل الصيف عن الحد المألوف ترتفع نسبة حوادث السيارات، وتكثر المشاجرات (الخفيفة) بين السائقين. وحين يزدحم المكان بساكنيه، وتزيد نسبة الاحتكاك بينهم عن الحد الطبيعي، فإنهم يُظهرون الكثير من سوء الأخلاق. والمكان القذر والفوضوي يجعل ساكنيه يتبادلون فيما بينهم مشاعر سلبية وسيئة... يحدث كل هذا خارج دائرة وعينا؛ بسبب تخلف المعرفة الإنسانية بشؤون الإنسان، وهذا أدى إلى أننا لا نعالج الأسباب التي تؤدي إلى التعانف، كما أدى إلى عدم تقديرنا التقدير الصحيح للعلاجات التي قررها الدين الحنيف لأشكال التوتر، وكانت النتيجة استمرار العدوان واستمرار العنف، بل تصاعده في كثير من الأحيان. وقد تحدثت في المقالات الثلاث السابقة عن بعض الأسباب وبعض العلاجات للظاهرة التي نحن في صددها. وسأتحدث في هذا المقال عن المزيد من هذا وذاك عبر المفردات الآتية:
1 ـ إن كثيراً من التعانف ينشأ بسبب إعجاب المرء برأيه ورأي حزبه وجماعته وقبيلته؛ حيث إن من طبيعة الناس أن يـذعـنـوا للحق الواضـح الصــريـح ولـو إذعــانـاً ظـاهـريـاً أو شكلياً، لكنهم يرفضون ذلك في الأمور المختلف فيها، وهذا هو الصحيح؛ فإذا كنتُ أصدر عن رؤية اجتهادية وتصدر أنت عن مثلها؛ فلماذا تفرض عليَّ رأيك وتحرمني من حـق الاجتـهاد؟ وإذا كنـتَ تفـعل ذلك؛ فلماذا لا أفعل أنا مثله وأشيد برأيي؟ وهكذا يتحول الاجتهاد من نعمة إلى نقمة، وإلى معترك للأقران!
إن الله ـ سبحانه ـ نهى الناس عن أن يمدحوا أنفسهم ويزكوها؛ لما في ذلك من الإعجاب بها وتمهيد السبيل لاتباع أهوائها؛ حيث يقول ـ عز وجل ـ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49]. وقال ـ سبحانه ـ: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]. وتزكية النفس تشمل مديح الخُلُق والسلوك والرأي والاجتهاد والأحساب والأنساب. وقد أخرج مسلم في صحيحه عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نهى عن هذا الاسم، وقال: «لا تزكوا أنفسكم! إن الله أعلم بأهل البر منكم». فقالوا: بِمَ نسميها؟ قال: «سموها زينب». إنه يريد ألا يتخذ الناس من الأسماء باباً لمديح الذات، فيفتحوا على أنفسهم أبواباً للملاحاة والتلاوم كلما وجدوا فرقاً بين الاسم وسلوك صاحبـه. ويندرج في إطار الإعجاب بالذات واتباع أهوائها ما يساعد على ذلك من مديح الناس بعضهم لبعض، وقد ورد أن رجلاً مدح رجلاً عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله: «ويلك! قطعتَ عنق صاحبك! (مراراً)؛ إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك» . ولم ينتفع كثير من المسلمين ـ مع الأسف ـ بهذا التوجيه الرشيد؛ فترى كثيراً من القصائد الشعرية مشحونة بالإطراء والتهويل البعيد عن الحقيقة، وصار فن المديح أحد الفنون الأثيرة لدى عدد كبير من الشعراء، مع أن آداب العديد من الأمم والشعوب الغربية تكاد تخلو من المديح على نحو تام!.
2 ـ إن مما يساعد على تخفيف التوتر وسد بعض نوافذ التعانف التريثَ في إصدار الأحكام، والتثبتَ والتبين قبل اتخاذ مواقف محددة. وهذه قضية مهمة؛ فقد تقوم حروب باردة وساخنة بين قبائل وطوائف، وبين هيئات وأشخاص، بنـاءً علـى مـا يسمعه الناس من كلام الوشاة والنمامين. وإن تاريخنا وواقعنا حافلان بالقصص المحزنة والأحداث الأليمة التي وقعت بسبب الاستعجال في تنظيم ردود الأفعال على ما يقال هنا وهناك!.
والحقيقة أن كثيراً من الأخطاء الفادحة يقع بسبب الانطلاق من الظنون والأوهام وجدْبِ المعطيات العلمية الموثوقة؛ وما أجمل قول الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]. وقوله ـ عز وجل ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ} [الحجرات: 12].