إدارة التعانف (5)

د. عبد الكريم بكار

 

كان الإنسان على مدار التاريخ حائراً في إدارة القوة التي في حوزته، ويمكن القول: إن هناك فجوة مستمرة بين القوة التي نحصل عليها وبين الحكمة والكياسة التي نحتاج إليها في استخدام تلك القوة والتعامل معها، ولهذا فإن الناس الذين لا يرون إلا الجانب الإيجابي للنفوذ هم أكثر من يتأذون بنفوذهم، فالقوة خوّانة؛ وخيانتها في خذلان الذين يستخدمونها عن غير تدبُّرٍ كافٍ لعواقب الأمور وتداعيات الأحداث وردود الأفعال عليها. ومن هنا ندرك أهمية القيود التي تضعها الأحكام والأدبيات الإسلامية على حركة الأقوياء والمتنفذين، وتلك القيود تهدف في الحقيقة إلى حمايتهم من أنفسهم ووقايتهم من الشرور الناشئة من امتلاك القوة المطلقة. ولعلِّي أشرح هذه الفكرة عبر المفردات الآتية:

أ ـ فطِن الإنسان منذ آماد بعيدة إلى الدور المهم الذي يمكن أن تؤديه (التراتيبية الاجتماعية) في تقييد القوة ومن ثمَّ التخفيف من درجة التعانف الذي يمكن أن يجـتـاح المجـتمــع في أي وقـــت مـن الأوقــات. وأعنــي بـ (التراتيبية الاجتماعية) تلك الأعراف الاجتماعية التي تلتقي على إيجاد تصنيفات معينة، تتطلب نوعاً من الرفق واللطف والخضوع الموجَّه من شخص إلى شخص آخر، بعيداً عن النظر إلى اعتبارات القوة والضعف والفقر والغنى والدناءة والشرف. وقد جاءت الأديان السماوية بتأسيس بعض تلك الأعراف والتوكيد على بعضها الآخر، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

أ ـ احترام الوالدين وتقديرهما، والإقرار بفضلهما ومصاحبتهما بالمعروف ولو كانا كافرَيْن. وإنّ على الأبناء مهما بلغوا من الجاه والمكانة، ومهما ملكوا من النفوذ والقوة أن يُظهروا الضعف أمام الآباء والأمهات، وأن يكونوا في غاية التواضع، على ما نجده في قوله ـ جل وعلا ـ: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [الإسراء: 42].

والحقيقة أن الخضوع للوالدين يغرس في ذهنية الأبناء وفي نفوسهم معنى التجرد من الإحساس بالقوة من أجل شيء نبيل لا ينتمي إلى حقل التمكن المادي والمعنوي، وفي هذا تأثير خفيٌّ في مسألة الانضباط الذاتي.

ب ـ احترام بعض الأشخاص وإجلالهم لا لشيء سوى أنهم من كبار السن، والعطف على بعض الأشخاص لا لشيء سوى أنهم من صغار السن. وفي بعض الأحيان توجِّهُنا الشريعة الغراء إلى احترام أناس لفضلهم وأخلاقهم وعلمهم، أي لأسباب غير مادية، ولا تتصل بقوة المال أو الجاه والنفوذ، ونجدُ هذا وذاك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحاملَ القرآن؛ غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذي السلطان بالقسط»[1].

وقوله: «ليس منّا مَنْ لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا»[2].

وفي حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ: «ليس منا مَنْ لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالِـمنا قدرَه»[3].

ج ـ لدينا نصوص تشجع الناس على السلوك الحسن وعلى الرفق بالناس والإحسان إليهم، ومن ذلك الأهمية البالغة التي تمنحها لشهادة الناس بعضهم على بعض؛ حيث إنّ على كل مسلم مهما كان شأنه، ومهما كانت منزلته أنْ يتأكد من حُسْنِ الانطباعات التي يتركها في نفوس أهله وجيرانه وكل من يعرفه؛ لأن لشهادتهم فيه قيمة كبرى، وفي هذا يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سمعت جيرانك يقولون: أحسنت، فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: أسأت، فقد أسأت»[4].

وروى البخاري وغيره عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: «مَرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وجبت! ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت! فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟! قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض».

وإن من اللافت أنّ بعض الدول الغربية اليومَ تُولِي لمسألة شهادة الجيران بعضهم على بعض أهميةً بالغة؛ فإذا اشتكت زوجة زوجها، أو اشتكى ولد أباه، فإنّ الشرطة تأتي وتسأل الجيران عن أخلاق الشخص المشكيِّ، فإذا قالوا: إنه جيّد، وقفوا من الشاكي وشكواه موقف الحَذِرِ المدقِّق، وإذا قالوا: إنه شخص سيِّئ، كان ذلك أدعى إلى قبول الشكوى!

إنّ من الحقائق الثابتة أنّ امتلاك القوة يدفع بصاحبها إلى البغي والطغيان والاعتداء، وهذا واضح في قــول الله ـ تعالى ـ: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 72].

ومن هنا، فإن على الحكومات والمؤسسات وكل الجهات ذات النفوذ أنْ تضبط الحصول على المال والمناصب وكل أدوات النفوذ، فلا يتم إلا بطرق مشروعة وواضحة، كما أنَّ عليها أنْ تحُول دون استخدام القوة بطريقة عدوانية وهمجية، وإلا تحوّل المجتمع إلى طبقتين: طبقة تعتدي وتبسط سيطرتها، وطبقة مغلوبة على أمرها، وهذا سيؤدي إلى الكثير من الصِدام والتوتر.

 

________________

[1] حديث حسن أخرجه أبو داود .

[2] حديث صحيح رواه أحمد.

[3] حديث حسن رواه أحمد.

[4] حديث صحيح رواه أحمد وغيره.

 

http://www.albayan-magazine.comالمصدر: