إدارة التعانف (6)
د. عبد الكريم بكار
من الأمور الجوهرية في إدارة التعانف إدراكُ مصدر تكوّن العدوانية لدى بعض الناس، ومصدر تكوّن التنازل والتوافق والمسالمة والدفع بالتي هي أحسن لدى بعض آخر منهم؛ ومع أن لكل قاعدة شواذاً ـ كما يقولون ـ إلا أنّ من الواضح أنّ الأشخاص المتوحشين ينشؤون في العادة في بيئات متوحشة، حيث يتعلمون فيها أن الخشونة في التعامل والرد بالتي هي أسوأ وكيْلَ الصاع صاعين من علامات الرجولة والجدارة بالقيادة. ومن الملاحظ كذلك أنّ مَن يمكن أنْ نصفهم بأنهم أشخاص لطيفون وقريبون إلى القلب، كما أنهم يمتلكون قدراً كبيراً من الرِقَّة والشفافية، هم أشخاص نشؤوا في بيئات تقدِّر هذه المعاني، وتغرسها في نفوس الأطفال منذ نعومة أظفارهم.
لا شك في أن هدوء الأعصاب وحِدَّة المزاج من الأمور التي يرثها الأطفال عن آبائهم وأجدادهم، لكننا هنا لا نتحدث عن هذا، وإنما نتحدث عن مفهوم الناس للأسلوب اللائق في تعاملهم مع بعضهم، وعن الأسلوب الذي يستخدمونه في حل النزاعات التي تنشب بينهم، كما أننا نتحدث عن نظرة الناس لما يعدونه شيئاً لا يغتفر في كل ذلك. وإذا وصلنا إلى هذه النقطة من البحث فلا بد أن نشير إلى دور الأسرة والمدرسة في تنشئة الأبناء على التفاهم والمساهلة في التعامل، ودورهما في تنشئتهم على العدوانية والتعانف والخشونة، ومع أن دور المدرسة مكمل لدور الأسرة إلا أن الأسس التي تعملان عليها واحدة. ولعلِّي أشير في هذا السياق إلى الأمرين الآتيين:
1 ـ حتى يتعامل الطفل مع الناس بلطف وأريحية وتفهُّم، فإنه يحتاج إلى بيئة مريحة يشعر فيها بشيئين جوهريين، هما: الأمان والبهجة.
إن هذا الشعور يولِّد لدى الطفل المشاعر الإيجابية نحو الحياة والناس، بالإضافة إلى مشاعر الامتنان لأولئك الذين وفّروا له فرصة الشعور بالهناء، كما أنه يستخرج منه كل المشاعر النبيلة الكامنة في داخله، وهناك دراسات كثيرة تثبت ما نقوله. إن على الأم أن تجعل من بيتها بيئة جاذبة لأبنائها من خلال ما يتوفر فيه من نظافة وتنظيم وهدوء ولطف واحترام متبادل ومحاولة للتفاهم والتفهم، وعلى المدارس أن تفعل نحواً من ذلك. وفي هذا الإطار لا بد من أن أشير إلى ما هو موجود لدى بعض الأسر المسلمة من هرج ومرج وضوضاء ونزاع مستمر، وما هو موجود لديها من عدوان الأزواج على الزوجات، والصبيان على البنات، والكبار على الصغار. إن شعور الأبناء بالقهر والظلم والتسلط يولِّد لديهم روح الانتـقام، ويسهِّل في نظرهم الاعتداء على الآخرين، ولِمَ لا وقد رأى أباه وأخاه الكبير يفعلان ذلك مع ادعائهما التدين والاستقامة؟!
أما المدارس فإن عليها الانتباه إلي مشاعر العنصرية والطبقية التي قد يحملها بعض الطلاب ضد بعضهم الآخر بسبب الانتـماء العرقي أو القـبلي؛ أو بسبـب وجـاهـة الأب، أو الظروف المادية الممتازة. إن الاضطهاد الذي يمكن أن يشعر به الطالب لأي سبب من الأسباب يجعله يفكر في التقليد، أي: يحفِّزه على تعلُّم أساليب جديدة في اضطهاد غيره، كما يجعله يشعر بالفجوة بين المبادئ والقيم العظيمة التي يسمعها داخل الفصل الدراسي وبين الممارسات العملية السيئة التي يجدها أثناء احتكاكه بأساتذته وزملائه. المدارس مطالبة بتنمية فضيلة الاهتمام بالآخرين لدى طلابها والتعامل معهم باحترام بقطع النظر عن أي اعتبارات مادية أو اجتماعية، ومما يذكر في هذا السياق أن أحد الأساتذة في إحدى المدارس الأوروبية وجَّه لطلابه سؤالاً في الامتحان عن اسم الرجل الذي يقوم بكنس المدرسة والمحافظة على نظافتها، ووضع بضع درجات للإجابة عنه؛ لأن ذلك الرجل يستحق من منسوبي المدرسة الاهتمام والتعرف عليه والتحدث معه! وقد حُرِم الطلابُ الذين لم يعرفوا فعلاً اسم الرجل من درجات ذلك السؤال، وقد مثّل ذلك لهم درساً بليغاً يصعب نسيانه!
2 ـ يمكن القول: إن الإنسان يمكن أن يعامِل مَنْ حوله بعنف، وأن يلجأ إلى استخدام القوة في حل المشكلات حين يشعر بالضـعف، ويشـعر أنه مضـغوط أو مظـلوم أو مهمل أو مهمّش...ولهذا فإن من المهم أن تنتبه الأسر والمدارس إلى توفير الآتي:
ـ التشجـيع على القـيام بالأعـمال الجيدة، والثـناء على ما تم إنجازه ولو كان قليل الأهمية.
ـ إتاحة الفرصة للصغار في المشاركة في اتخاذ بعض القرارات.
ـ احترام مشاعرهم وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عنها.
ـ وجود شيء من الدعابة والمرح في الأسرة والمدرسة.
ـ تعليم الأبناء والطلاب أهمية أن يضغطوا على مشاعرهم في بعض الأحيان حتى لا يؤذوا الآخرين.
ـ القيام بتنمية قدراتهم على التكيف وعلى الحوار والتفاوض.
ـ تنبيههم باستمرار إلى الكلمات غير اللائقة في وصف الأشياء ومخاطبة الآخرين، وتوفير الكلمات والتعابير الملائمة والجميلة وتدريبهم عليها..
نحن نعيش في زمان يبسط الله - تعالى - فيه للناس في القوة والتمكن، وفي داخل هذا البسط إمكانات كبيرة لممارسة العدوان وسلوك سبيل العنف والقهر؛ ولا بد من الانتباه لهذا الابتلاء والعمل على النجاح فيه..