البابا يرفض مبدأ الحوار مع المسلمين
أ. د. جعفر شيخ إدريس
أرسل عدد من الشخصيات الإسلامية البارزة من السُّنة والشيعة بلغ عددهم 138 شخصاً؛ رسالة إلى البابــا وكــل أو معظم أكابر النصرانية في العالم، خاطبوهم فيها بأحبِّ ألقابهم الرسمية إليهم. أرسلوها ـ كما قالت الرسالة ـ بمناسبة عيد الفطر المبارك لهذا العام، وأسموها (كلمة سواء بيننا وبينكم).
رحَّب كثير ممن أُرسِلت إليهم الرسالة بها، لكن البابا لم يرد عليها، بل ترك الأمر للشخص المسؤول عن موضوع الحوار بين الأديان في الفاتيكان.
قال هذا الشخص وهو الكاردينال جون لوي تيران، لجريدة فرنسية كاثوليكية يومية في عددها الصادر يوم الجمعة 26 أكتوبر (أي: بعد ثلاثة عشر يوماً من إرسال الرسالة إلى البابا) قال: إن حواراً لاهوتياً حقيقياً مع المسلمين أمرٌ صعب؛ لأنهم ينظرون إلى القرآن على أنه كلمة الله بالمعنى الحرفي. إن المسلـــمين لا يقبلون أن يناقِش أحد القرآن بعمق؛ لأنهم يقولون: إنه كُتِب بإملاء من الله. يصعب بهذا التفسير المطلق مناقشة محتويات الإيمان»[1].
• هذا كلام مليء بالأباطيل والتناقضات:
أولاً: كيف تشترط للحوار مع من يخالفك أن يكون موافقاً لك؟ كيف تطلب من المسلم كي يحاورك أن يتخلى عن الاعتقاد بأن القرآن كلام الله - تعالى - وينظر إليه كما بدأتم أنتم تنظرون إلى كُتبكم الدينية على أنه كَتَبها بشرٌ مُلهمون؟!
ثانياً: إن الحوار مع من يخالفك حتى في أهم القضايا أمرٌ ممكن بل هو الداعي إلى الحوار. هو أمر ممكن ما دام المخالف ملتزماً بالمعايير العقلية المتفق عليها بين البشر. فبإمكان البابا ـ إذن ـ أن يحاور المسلمين أو أن يرسل إليهم مَنْ يحاورهم نيابة عنه لإقناعهم، مستخدماً تلك المعايير القائلة: إن القرآن لا يمكن أن يكون كلام الله، ويستمع إلى حججهم بأنه لا يمكن إلا أن يكون كلام الله.
ثالثاً: إنه لا معنى لمفهوم الدين إلا كونه رسالة من رب العالمين، ولاسيما إذا كان ديناً يوصف بأنه سماوي. لقد كان هذا هو اعتقاد معظم النصارى ولا يزال هو اعتقاد الكثيرين منهم، أعني: أنهم يؤمنون بأن العهد الجديد هو كلمة الله، وأنه لذلك لا يمكن أن يكون فيه خطأ، وهذا هو سبب اعتقادهم فيه وتسميته بالمقدَّس ومحاولتهم الاهتداء به في حياتهم.
رابعاً: أما الاعتقاد بأن الكتب التي تُسمَّى بالمقدَّسة إنما كَتَبها بشرٌ ملهَمون؛ فأمرٌ اضطُر إليه علماء النصارى اضطراراً بسبب دراساتهم العلمية المتعلقة بتاريخ هذه الكتب وترجماتها وما فيها من اختلافات، حتى قال أحدهم في كتاب من آخر الكتب التي صدرت في هذا الموضوع: إن عدد الاختلافات بين مصادر الكتاب المقدَّس تساوي عدد كلماته! [2] وقد كان ما فيها من دعاوى تخالف الحقــائق العلمــــية ما جعل الكثيرين منهم يقولون ـ وقولهم حق ـ: إنه لو كان كلامَ الله لما حدث فيه مثل هذا الخطأ؛ لأن الله - تعالى - هو خالق الكون فلا يمكن أن يخطئ في وصفه.
خامساً: لماذا يُطلب من المسلمين أن ينظروا إلى القرآن هذه النظرة النصرانية إلى العهدين القديم والجديد، مع أن دارسي القرآن حتى من غير المسلمين، بل ومن بعض المختصين بدراسة كتبهم المقدَّسة؛ يقولون: إن القرآن هو الكتاب الديني التاريخي الوحيد، وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - هو النبي التاريخي الوحيد؟ ويعنون بالتاريخي: كونه ـ على العكس من كتبهم ـ ثابتاً تاريخياً.
سادساً: إذا كانت الدراسات العلمية قد دفعت النصارى في الغرب إلى الاعتقاد بأن كُتبهم لا يمكن أن تكون كلام الله - تعالى -، فإن مثل تلك الدراسات قد أكدت للمسلمين أن القرآن لا يمكن أن يكون إلا منــزَّلاً من عــند الله؛ لكثــرة ما وجدوا فيه من تقرير لحقائق كونية ما كانت معروفة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل ما كان يمكن لبشر أن يعرفها إلا في عصرنا هذا.
سابعاً: لماذا يكون ما اضطُر إليه النصارى اضطراراً بالنسبة لكتبهم، هو القاعدة التي يقوم عليها بنيان الدين كله؟ لماذا يقال: إن الله - تعالى - يمكن أن يُلهِم بشراً لأنْ يقول كلاماً مقدَّساً، لكنه لا يمكن أن يوحي إلى أحد كلاماً من كلامه هو - سبحانه -؟ القرآن الكريم يعلّمنا أن الذين ينكرون أن الله - تعالى - يرسل رُسلاً وينزِّل كتباً لا يقدِّرون الله حقَّ قدْره. قال - تعالى -: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 19].
فكـأن القرآن الكــريم يقــول لـك: كيـف تعـتقـد أن الله - تعالى - هـو الـذي خلقك وهو الـذي يرزقك ويمدُّك بكــل ما يحتاج إليه جسدك، لكنه لا يمدُّك بما هو أهم لك من هذا؛ وهو الهداية إلى ما يقربك منه ويرضيه عنك؟!
ثامناً: ثم إذا كان الإلهام لا يعصم الكلام الملهم من الخطأ، بل يكون قابلاً له، وقابلاً بسبب ذلك لأنْ يُقبَـل أو يُرفض؛ فقد زال الفرق بينه وبين كلام أي إنسان غير مُلهَم من المفكـــرين والفلاسفــة والأدباء والسياسيين؛ لأن كل واحد من هؤلاء يخـــطئ ويصيب؛ فلماذا تضفى القداسة علــى كتابــات الملهَميــن ويُدْعــى الناس إلى تصديقها ويُبشَّر بها؟!
تاسعاً: يبدو من كل ما ذكرنا أن السبب الحقيقـــي لرفض البابا وغيره من زعماء النصارى محاورةَ المسلمين؛ هو ضعف موقفهم واعتقادهم بأنهم سيكونون هم الخاسرون في أي حوار ديني علمي.
• تعليق على الرسالة:
الحوار مع غير المسلمين أمرٌ تقتضيه طبيعة الدعوة التي نحن مأمورون بها، فأنت لا تستطيع أن تدعو أحداً إلى الحق ثم إذا سألك أو استشكل ما قلت أو اعترض عليه؛ قلت له: هذا فراق بيني وبينك؛ إنك لا تستحق أن تُخاطَب!
والحوار أنواع، والمحاورون أنواع، وقد وجدْنا بالتجربة أنّ أجدى أنواع الحوار هو الذي يكون مع عامة الناس، أعني: مع من ليسوا مفتونين بمنصب أو مال يصدهم عن قبول الحق. لكنه قد تكون هنالك دواعٍ لمحاورة بعض الأكابر ودعوتهم.
إن الوضوح هو أهم سمات الرسالة الموجهة إلى غير المسلمين، وضوحاً لا يقلل من شأنه؛ لكونه بالتي هي أحسن. لكنني وجدت هذه الرسالة مضطربة بين أمرين: بين دعوة النصارى إلى الأخذ ببعض نصوص كُتبهم وفهمها فهماً ترى الرسالة أنه يجعلها موافقة لما في القرآن الكريم، وبين افتراض أن هنالك ـ فعلاً ـ أموراً مشتركة بين المسلمين والنصارى تجعل من السهل عليهم أن يتعاونوا ولا يتحاربوا.
تقول الرسالة في فقرتها الثانية:
«..فوحدانية الله، وضرورة حبه - تعالى -، وضرورة محبة الجار، تعتبر بالنتيجة الأرضية المشتركة بين الإسلام والمسيحية».
ثم تستدل على الوحدانية في القرآن بقوله - تعالى -: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَد} [الإخلاص: 1 - 2]، لكنــها لا تكمل بقية السورة! هذا مع أن الواضح من السورة أنّ كوْنَ الله - تعالى - لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، هو لوازم كونه واحداً؛ فالذي ينفي شيئاً من هذه الصفات لا يكون قد وحَّد الله - سبحانه وتعالى -، والنصارى يعتقدون أن لله ولداً هو كفء له.
ثم تقول الرسالة:
«.. وهكذا؛ اسـتجابة لما جاء في القرآن الكريم؛ فــإننا ـ كمسلمين ـ ندعو المسيحيين إلى التلاقي معنا على الأسس المشتركة بيننا، والتي هي أيضاً أساسية بالنسبة لديننا وممارسة حياتنا: ندعوهم إلى وصيتَي الحب».
وصيتا الحب كما بيَّنتهما الرسالة هما: حب الله - تعالى - وحب الجار. لكن حب الله - تعالى - الذي تفترض هذه الكلمات أنه مشتَرَك بيننا ليس هو الحب نفسه، كما يتضح من الرسالة نفسها في أماكن أخرى، وكما يمكن أن يفهمه كل متدبر لها من النصارى؛ فالرسالة تستدل بقوله - تعالى -: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [البقرة: 561].
فالآية لا تنفي حب غير المسلمين لله - تعالى -، لكنها تؤكد أن الإيمان بالله - تعالى - يلزم عنه أن لا يُحَبَّ أحدٌ كحبِّ الله أو أشد، لكن هذا الذي حذّرتْ منه الآية هو مما يقع فيه معظم النصارى؛ لأنهم يحبون عيسى كحبهم لله أو أشد. ولذلك؛ فإن بعض من أرسلت إليهم الرسالة قال: إنها تقلل من شأن عيسى.
إن حُبَّ الــله - تعالى - مرتــبط في الإســلام بحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أمر أشارت إليه الرسالة نفسها باستدلالها بالآية الكريمة: {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 13].
وعليه؛ فإذا ما نظرنا إلى النصوص الإسلامية نظرة متكاملة تبيّن لنا أنه ليس هنالك من شيء مشترك بيننا وبين النصارى في مسائل توحيد الله - تعالى - وحــبه، لكــن هــذا لا يمنع من التعايش معهم، بل والتعاون معهم في أمور يرونها كما نراها من الخير الديني أو الدنيوي.
وهذا معناه أن الحب الحقيقي الذي يثمر عملاً يرضاه الله - تعالى - لابد أن يكون مبنياً على اتِّباعٍ لرسولٍ أرسله الله - تعالى -.
----------------------------------------
[1] AMP Report - October 29، 2007
Vatican rebuffs Muslim outreach:Quran cited as the main obstacle.
http://www.amperspective.com/html/vaticanrebuffsoutreach.html.
[2] Bart D.Ehrman Misquoting Jesus:The Story Behind Who Changed the Bible and Why.