التاريخ بين الاحتماء والهروب

مولاي المصطفى البرجاوي(*)

 

التاريخ ذاكرة الشعوب وإشعاعها الكوني وحاستها المنبهة؛ ومن ثم فهو أهم عوامل التحريك نحو غايتها. والإدراك الواعي للتاريخ ليس عملية سهلة وبسيطة، ولكنه أقسى وأعتى من آلام الميلاد نفسها؛ إن لم يشكل هذا الإدراك أو الوعي جديداً بكل ما يصاحبه من آلام وتمخضات، وربما كان هذا هو السبب في سعي القوى الاستعمارية والعدائية عامة إلى التعتيم على تاريخ الأمة العربية والإسلامية، وإلى محاولة تشويه هويتها.

ولكن في المقابل، نجد من يرى أن التاريخ ـ كما هو الشأن عند (بول فاليري) ـ أخطر مادة كيميائية سامة أنتجها عقل الإنسان، ذلك أنه يضخم الذكريات ويقود وراء أحلام عظيمة قديمة، ونجد من يزكي هذا الطرح من بني جلدتنا من الحداثيين المستغربين ـ الذين يسعون لقطع صلتهم بماضيهم ـ بدعوى أن التاريخ لا يرقى إلى مستوى الصحة نظراً لتضارب الروايات في الحادثة الواحدة بقولهم:

فما كُتُبُ التاريخ في كل ما روت *** لقرائها إلا حديث ملـــــــفّقُ

نظرنا لأمر الحاضرين فرابنــــــا *** فكيف بأمر الغابرين نصدقُ؟!

بصيغة أخرى: لابد من الاعتراف أن الأمم في مراحل التخلف والركود الحضاري تصبح محلاً لما يلقى إليها من المصطلحات والأفكار والثقافات الواردة إليها من الحضارات والثقافات الأخرى لملء الفراغ الناتج عن توقف فاعليتها وإنتاجها الثقافي، وهو الأمر الذي يدعو الكثير من أفراد الأمة إلى الهروب والالتـجاء إلى التاريخ؛ للاحتماء به من الاقتلاع أو الذوبان، والافتخار بإنجاز الأسلاف لتغطية العجز، والتغلب على مركَّب النقص. بينما يلجأ آخرون من أبناء الأمة إلى اعتناق الثقافات والأفكار الوافدة التي ليست من إنتاجهم، ولا تتوافق مع معادلات الأمة النفسية والاجتماعية؛ يظنون عندها التقدم وبها الارتقاء! أو على الأقل تسهِّل تلك الثقافات الوافدة لهم الالتحاق بركب أصحابها وتمنحهم القبول في نطاقها، ومنطلَق كلا الفريقين واحد؛ هو التقليد والمحاكاة والانحياز عند العجز عن الإنتاج، وإن كان أحد الفريقين انحاز إلى المقومات الذاتية والإنجاز التاريخي، وانحاز إلى الذات، أما الآخر فأسقط الذات، وظن أن الالتحاق بالآخرين يجمِّل صورته، ويغير موقعه. لعل عقدة (مركَّب النقص) أمام الحضارة الغازية، هي التفسير الأدق لمسالك كلا الفريقين[1].

 

• تعدد الرؤى في دراسة التاريخ:

في هذا السياق، تعددت الرؤى والتصورات بشأن التعامل مع دراسة الفكر التاريخي، حيث نجد ثلاثة اتجاهات فكرية من الدارسين للتاريخ.

فالاتجاه الأول: يحاول بكل ما أوتي من علم وقوة طمس معالم الإرث التاريخي، ويتمثل هذا الاتجاه في (التاريخانيين) أو الحداثيين.

أما الاتجاه الثاني: فيقبع في التعاطي مع أحلام الماضي دون التطلـع إلى الحـاضـر والمستقبـل، ويُنعـت هـذا التيار بـ (الماضويين).

أما الاتجاه الثالث (الوسط): فإنه يحاول التوفيق بين قراءة الماضي قراءة واعية، ومحاولة استشراف المستقــبل بكــل ما يحمله من مستجدات علمية وتقنية، مراعاة للضوابط الشرعية دون الإخلال بها، طبقاً للقاعدة الأصولية: «الأصل في المعاملات الإباحةُ حتى يَرِدَ المنع».

وسعياً منا للإمساك بزمام الموضوع وضبط أهدافه: العامة والخاصة، يكون من الأَوْلى الوقوف على جملة من المفاهيم والمصطلحات والنظريات التي لها وثيق الصلة بهاته الإشكالية العظمى التي أرقت مضاجع أغلب الباحثين؛ كل على شاكلته:

ـ التاريخ: وُضعت له تعاريف كثيرة إلى حد التخمة، ولكن أقف عند تعريف يهمنا، تعريف جامع مانع للدكتور محمد بن صامل السلمي وهو: «التاريخ الإسلامي في مـفـهومه العـام هـو: تـاريخ دعـوة الـتوحيد ودعاتها من آدم ـ - عليه السلام - ـ إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ـ - عليهم السلام - ـ فإنهم جميعاً دعوا إلى ملة واحدة واعتقاد واحد هو توحيد الله؛ وهو الدين الذي ارتضاه للبشر»[2]. قال الله ـ - تعالى -ـ: {إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ} [آل عمران: 19]، فهذه دعوة سابقة لأوان الموضوع لقمع كل أشكال القومية والعلمنة، التي تعمل جاهدة لتضييق الخناق على الإسلام والمسلمين.

ـ التاريخانية: مصطلح أطلقه أهل التخريب العقدي من العلمانيين الحاقدين وأصحاب الإرهاب الفكري والاستئصال الثقافي، ويعنون به: فهم الإسلام في حدود الحقبة الزمنية التي ظهر فيها، ووصل الحد بالمتطرف (محمد أركون) إلى القول: «إن الإسلام كان حداثياً وقت ظهوره، أما الآن فقد انتهى دوره» مما دفع هؤلاء الغوغاء إلى المساهمة المكثفة في التضليل الثقافي والتطاول السافر على تفسير الإسلام من قبل صناديد العلمانية، ممن لا نصيب للإسلام من سلوكهم وعقولهم، إضافة إلى أن بضاعتهم العلمية في هذا الإطار محزنة، ومع ذلك يدَّعون لأنفسهم الحق في التفسير الإسلامي، وكأن العلمانية أصبحت في العصر الحاضر إحدى مدارس التفسير للإسلام!

ـ القومية: القومية حركة سياسية فكرية متعصِّبة تدعو إلى تمجيد جنس على غيره من الأجناس، وكانت بداية ظهورها في أوروبا، وسرعان ما تغلغلت إلى البلدان العربية بقيادة النصراني (ميشيل عفلق) والسوري ساطع الحصري، اللذين دعوا إلى تمجيد العرب على أساس رابطة الدم والتاريخ المشترك، وقَطْعِ الصلة بكل ما له صلة بالدين. يقول الشاعر القومي:

هَبُوني عيداً يجعل العُرب أمة *** وسيروا بجثماني على دين بُرْهُمِ

سلام على كفر يوحد بينــــــــنا *** وأهلاً وسهلاً بعده بجهنـمِ!

دون أن ننسى ما ميز الحقبة الماضية، من بروز عدة نظريات تقوم على تفسير الأحداث والوقائع من خلال بُعْد واحد واتجاه واحد، ويعبر عنها بنظريات (العامل الواحد)، نذكر بعضها على نحو الإجمال:

1 ـ النظريات المادية الاقتصادية: والتي دعا إليها (كارل ماركس) وتنص على أن التاريخ يعيش في صراع (في عصر النظام العبودي: السيد/ العبد، النظام الفيودالي: السيد/ الإقطـاعي، النظـام الرأسمالي: البورجوازي/ البرولـيتاري أو العامل) وتبدل في قيمه وموازينه حسب تبدل وسائل الإنتاج وتطورها. وكان موقفها من الدين موقفاً عنيفاً دعت إلى إقصائه من الحياة العامة بقول ماركس: «إن الدين ابتكـرته الطبـقة الغنيـة ـ - تعالى -الله عن ذلك علواً كبيراً ـ لتتلهى به الطبقة الكادحة».

2 ـ النظرية الغريزية الجنسية: ومن روادها (سيغموند فرويد)، وهي تنص على أن الدوافع الجنسية هي المفسرة للأحداث التاريخية.

3 ـ النظرية المثالية: والتي من دعاتها (هيجل)، وتنص على أن التاريخ يشرف على الأحداث من وجهة نظر كلية غـير خاضـعة للزمـن، وهـي وجهـة نظـر عقـلية؛ لأن العقل ـ في نظره ـ جوهر العقل، والعقل كما يراه (هيجل) هو الذي يحكم العالم.

4 ـ النظرية القومية والعرقية: وتنص على أن الأحداث التاريخية، وبواعثها، تنشأ من اللغة والتجمع الواحد، فمثلاً: يفسرون التاريخ على أساس عرقي وقومي، ولكن هذه النظرية تأخذ أبعاداً أخرى في هذا العصر؛ ولكن بطعم خاص وبنكهة مميزة بحملها شعار: خالف تعرف.

5 ـ النظرية الحضارية: والتي دعا إليها (أرنولد توينبي) وتنص هذه النظرية على أن نشوء الحضارات يقوم على مبدأي: التحدي والاستجابة، ويفسر الأحداث التاريخية على أساس الجانب المادي والروحي.

 

• الماضوية بين الإلحاد والافتخار بأمجاد الأجداد:

يقال في المثل العربي الدارج: «الدنيا حبلى وستلد العجائب». وأشد فصاحة واستشرافاً للواقع المخزي الذي تمثله هذه التيارات الجاهلية، التي تزكي الشرخ والفتق العميق الذي تتخبط فيه الأمة الإسلامية حالياً، وهو ما أفصح عنه الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله للصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ عندما أشرف على أطم من آطام المدينة: «هل ترون ما أرى؟! إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر»[3]. وينطبق هذا على عصرنا الذي غلف بالغرائب من الفتن بطابع (قديم ـ جديد) في محاولة يائسة لِسلخ أبناء الأمة الإسلامية من هويتها الدينية. وفي هذا المضمار سأركز على نموذجين خرجا إلى السطح لإحياء أمجاد الجاهلية وقومياتها مع عنجهيتها وحيفها وتجبرها على الدين الحنيف؛ الذي تولى ـ - سبحانه وتعالى - ـ حفظه من دنس المدنسين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، ويتعلق الأمر بالقومية (الأمازيغية) في المغرب العربي، والقومية الفرعونية بمصر.

إن جرأة هؤلاء السفهاء على الظهور جاءت عقب التقارير التي أصدرتها الخارجية الأمريكية المتجبرة وأدواتها الظالمة منذ 1994م عن الحريات الدينية. ففي أغلب التقارير نجدها لاذعة تجاه بلدان حافظت على الدين في جميع مراحل حياتها؛ كالسعودية التي نالت الحظ الأوفى والأوفر في تضييق الخناق على باقي العقائد غير السنية التائهة في الأرض، أو الدول التي تحاول بعث التعاليم الدينية وإحيائها من جديد؛ كالدولة التركية التي وجه لها النقد بخصوص التضييق على من يعمل على تغيير دينه، وعلى القيود التي تضعها في وجه البروتستانت واليهود، ولم تسلم مصر من هذا العتاب (عفواً: العقوق) لتضييقها على الطريقة البهائية.

إن إحياء القومية الأمازيغية، في بعض بلدان المغرب العربي، فكرة قديمة جديدة، فهي استكمال لمشروع الفكر الاستشراقي ـ الاستعماري (التخريبي).

ما كان للاستعمار الغربي، بحقده الدفين وخبرته الواسعة، أن يترك هذه اللغة التي يعرفها معرفة جيدة ويدرك آثارها الاجتماعية والسياسية، ما كان له أن يدعها تنمو بإيقاعات سريعة تتساوق وإيقاعات النمو الحضاري العام؛ فأخذ يوجه إليها الضربة تلو الضربة، تارة بقرار سياسي، وتارة بفتنة عمياء تثير الجدل وتعيق عن العمل، وتارة باستعمال أبواق من لا خلاق لهم؛ للترويج للغة مهجورة متخلفة، أو للدعوة إلى عامية شائعة.

ـ ففي الجزائر أصدر الاستعمار الفرنسي عام 1904م قانوناً يمنع أي معلم عربي أن يتعاطى مهنته إلا برخصة وضمن شروط محددة هي:

أ ـ اقتصار التعليم على حفظ القرآن لا غير.

ب ـ عدم التعرض لتفسير الآيات التي تدعو إلى التحرر من الظلم والاستبداد.

ج ـ استبعاد دراسة التاريخ العربي والإسلامي، والتاريخ المحلي، وجغرافية القُطْر الجزائري والأقطار العربية الأخرى.

د ـ استبعاد دراسة الأدب العربي بجميع فنونه[4].

ـ أما في المغرب، فتجسد في ما يسمى بالظهير البربري الذي أصدره المقيم العام الفرنسي (لوسيان سان) سنة 1930م، وذلك سعياً من الاستعمار الفرنسي إلى إحداث الشرخ والفصل العنصري؛ بل الديني بين العرب والأمازيغ، وإثارة النعرات الإثنية ـ العرقية، لكن الشعب المغربي المجاهد، بحكم فطرته الإسلامية المتجذرة، بقيادة علمائه آنذاك، تصدى لكل أشكال التفرقة وساهم إلى جانب رجال الحركة الوطنية في قمع كل ألوان الطيف التي تسعى الاستخبارات التخريبية إلى غرسها في أبناء الأمة.

وما إن انتهى عهد الاستعمار حتى تقلد المستشرقون مسؤولية متابعة عملية الشرخ وإحياء اللهجات العامية.

ومن أشدهم عداوة للإسلام (لويس ماسينيون) الذي ساهم بكل ما أوتي من حيلة إلى إحياء اللهجات المحلية وإحلالها محل اللغة العربية الفصحى.

لكن ما يهمنا ليــس ســرد الأحــداث التاريخـية، بقدر ما يهمنا الروغان الثعلبي الذي خلفه الفكر الاستخرابي في أبناء الأمة الإسلامية، وجعلهم أعداء دينهم وعقيدتهم ولغتهم، وكل ما يمت للإسلام بصلة؛ وخاصة اللغة العربية، التي تشكل النبع الصافي؛ بل الأداة الضرورية لفهم تعاليم الإسلام الراقية طبقاً للقاعدة الأصولية: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».

وللإحاطة فإني لست ضد الأمازيغية، فأنا أتكلم بها بطلاقة، ولكن المشكلة العظمى أن تصدر من بعض الرعاع المتعصبين المتطرفين من بني جلدتنا وممن يُسمون بأسمائنا، بعضُ العبارات التي يشيب لها الوِلدان من قبيل وصمِ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا بالاستعمار! والأدهى والأمَرُّ، أن تصل الوقاحة بأحد رموزهم إلى القول بأن الإسلام: يجب أن يُسحب البساط من تحت أقدامه بالمغرب، وإن قضية فلسطين قضية تهم الفلسطينيين ولا شأن لنا بها، وقولهم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً منكراً يعف اللسان عن ذكره...وهلمَّ جراً.

ـ أما في مصر، فظهرت حركة تحاول تأجيج نار الفتنة، بسعيها الحثيث نحو العودة بمصر إلى سابق عهدها الفرعوني (القومية الفرعونية)، وهذا الاتجاه لم يظهر هكذا اعتباطاً في هذه المرحلة بالذات ـ كما أشرت في البداية ـ إلا بعد الضوء الأخضر الذي منح لأشكال وألوان مختلفة ومزركشة من التيـارات والطوائف لتضييق الخناق على اللغة العربية، بل الإسلام والمسلمين، باسم حرية التعبير المزيفة التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية المتكبرة الظالمة.

ومـن ثـم ظـهـر جـدال بيزنطي عقيم: هل مصر عربية أم فـرعـونـية؟ وهـل المصريون عرب أم لا؟ تساؤل ربما قُتل ـ كما قال أحد الباحثين المصريين ـ بحثاً في أزمان الترف الفكري إن جاز التعبير؛ لكن لا الزمان الآن هو الزمان لطرح التساؤل، ولا مصر (قلب العروبة النابض) هي المكان المناسب لهذا الجدل الديالكتيكي العقيم. والأصل في الأمر هو قصة حزب مصر الفرعونية، أو حزب مصر الأم، الذي طرح نفسه على ساحة الحياة السياسية المصرية في الأيام الماضية.

ونحن نتساءل: إلى أي اتجاه تصبو إليه الفرعونية الجديدة؟ هل هو سلخ مصر عن بقية دول الوطن العربي؟

ونحن ـ الأمة الإسلامية ـ في غنى عن هذا التشرذم الذي شتت أوصالها وفتتها إرْباً إرْباً، وأخيراً الخطورة غير المحسوبة خطواتها لإعادة إحياء النعرات القومية في الدول العربية.

(مصر بين العروبة والفرعونية) حوار دياليكتيكي ومناظرة عقيمة لم تغلق أبوابها منذ بداية القرن الماضي بين طرفين: الأول: كان يرى أن العرب قد غزوا مصر، وأن مصر ليست عربية الأصل؛ بل فرعونية، ويجب أن ترجع لأصلها، وهو ما عبر عنه طه حسين وسلامة موسى. بينما الطرف الآخر أخذه الغلو بالتطرف الفكري للقول بأن عروبة مصر عبودية لاحتلال طال أمده أكثر مما ينبغي، وأنها نكسة حضارية خانقة استمر حصارها لمدة أربعة عشر قرناً. بينما آخرون يؤكدون على أن أجدادهم العرب اندمجوا مع المصـريين غيـر العرب، وأصبحوا شعباً واحداً، تزاوجوا وتنـاســلوا وحـلـت اللـغـة العربـية محل اللغات السابقة؛ لأن المصريين اختاروا عن رضى اللغة العربية لساناً، والإسلام ديناً، ومن ثم أصبحوا جزءاً من الحضارة الإسلامية، فلم تعد العروبة إذن انتماء عرقياً؛ بل أضحت انتماء حضارياً ثقافياً مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالإسلام، باعتبار أن العرب هم من رفع راية الإسلام.

خلاصة القول: إن هذه الدعوات الهدامة تسعى بكل غالٍ ونفيس لتحقيق هدفين مهمين:

أ: إثارة النعرات القومية والعرقية:

ـ يحاولون بها القضاء على كل وحدة مهما كانت. يقول (لورانس براون): «إذا اتحد المسلمون في أمة أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم أجمع».

ولذلك أثاروا النعرات القومية، وهي من مغروسات الجاهلية، فلما جاء الإسلام قضى عليها. ونادى بترك هذه العصبيات، إذ لا عصبية إلا للإسلام وللرسول - صلى الله عليه وسلم -، واتخذ إجراءات حاسمة في هذا الباب لمحو أثر التمييز المتجذر في أحضان الجاهلية المقيتة، منها: مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وخير مثال على ذلك جمع الإسلام لجنسيات وألوان مختلفة (سلمان الفارسي، صهيب الرومي، النجاشي، بلال ـ - رضي الله عنهم - ـ... ).

ـ ثم بعده سار الصحابة  - رضي الله عنهم -  على المنهج نفسه. قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا (يقصد بلالاً)، وأمر صهيباً أن يؤم الناس يوم طعن - رضي الله عنه -.

إن الأعداء لا يستريحون لوحدة الإسلام، فهم يريدون الفرقة بين المسلمين، فقالوا: نحاربهم بإثارة النعرات القومية والعرقية، ونقلوا تجربة أوروبا من ناحية إثارة النعرات القومية والعرقية، منها:

ـ نادوا بإحياء الحضارات القديمة كما هو الشأن بالنسبة لرواد النهضة الأوروبية الذين استعانوا بآليات الحضارة الإغريقية، وهذا شأنهم وقد ساعدهم ذلك بدعوى أن دينهم محرف. لكن جرأة دفْع بني جلدتنا إلى تبنّي ذلك التصور المشوّه وإسقاطه، واستغلالهم لضعفنا العلمي.

ـ ونادوا بإحياء الحضارة الفينيقية في سورية ولبنان.

ـ ونادوا بإحياء الحضارة الآشورية في العراق.

ـ ونادوا بإحياء الحضارة الأمازيغية في المغرب العربي.

ـ ونادوا بإحياء العصبية القبلية العربية في الجزيرة العربية.

ـ ونادوا بإحياء الفارسية في إيران.

ـ ونادوا بإحياء القومية العربية (أن تكون ولايتك للعرب لا للإسلام، أي: جعلتْ المسلم يفكر في وطنه لا في دينه، وهذا من أخطرها، لأنك تساعد القومية ولا تساعد إخوانك في الدين)، هذا يظهر جلياً في القضية الفلسطينية التي حاولوا تقزيمها من قضية تهم كل المسلمين إلى قضية عربية، ومن ثم فلسطينية وطنية، ولا شأن للمسلمين بها كما يقول بعض العلمانيين الأنذال.

 

من الآثار البغيضة والخبيثة للقومية:

ـ تمزيق الوحدة الإسلامية.

ـ الإجهاز على الخلافة الإسلامية.

ـ إحلال اللغة محل الدين.

ب ـ بث الفرقة والمذاهب الهدامة:

ـ وذلك بتكوين جماعات أصحاب مذاهب هدامة وتشجيعهم ومساعدتهم بكل ما يحتاجونه، ومن هذه المذاهب والجماعات الهدامة: القاديانية، البهائية، الروحية الحديثة، والإخوان الجمهوريون.

الغايات العظمى من وراء تكوين هذه المذاهب، تتجلى فيما يلي:

ـ تشكيك المسلمين في أمور دينهم وعقيدتهم.

ـ إسقاط شريعة الجهاد، وظهر ذلك جلياً مع الحقد الظاهر والباطن الذي تكنُّه الولايات المتحدة الأمريكية، النصارى الجدد (أو الصهيونية المسيحية) مع ذئابها، للإسلام بوضعهم لكتاب (الفرقان الباطل) وإقصاء آيات الجهاد.

ـ إشاعة الفرقة الفكرية؛ وذلك بالتجرؤ على الشريعة الإسلامية وضربها في ثوابتها السمحاء.

ـ نشر عقائدهم الباطلة، كما هو الشأن بالنسبة لمصر مع العقيدة المصطنعة الباطلة البهائية التي تحاول نشر سمومها[5].

والحقيقة هي أن المستفيد الأول من سلخ مصر ودول المـغـرب العـربـي وبـاقـي الـدول الإـسلامية عـن عـروبـتـها ـ لا أقصد القومية العربية التي أقصت الإسلام في أعظم مبادئها ـ هو الكيان الصهيوني ومن ورائه دولة إسرائيل. ولست أعجب من شيء كمثل الدعوة لإحياء اللغة الهيروغليفية واللغة الأمازيغية! ولا أنكر وأغرب ممن دعا إلى إحيائها لغةً علمية أو لغة أكاديمية أو بحثية! لكن هيهات أن يقدر لها أن تصبح عوضاً عن لسان الضاد. وأقول: إن التخلي عن اللغة العربية حتى لو جاء مهذباً هو حلم الصهاينة، واختفاء اللغة العربية يفتح الباب واسعاً لفكرة محاربة الإسلام بطريقة سهلة والعودة إلى المربع رقم واحد، مربع المواجهة مع الإسلام في عقر داره، أي: المشرق والمغرب.

وحـتى لا تكثر المزايدات الكلامية في الموضـوع، وحتـى لا نكون ممن يعللون دائماً بالهجمة الصهيونية بشكل جزافي، اطلعت في بعض المجلات على الدور الخفي والمعلن للسفير الصهيوني في القاهرة (شالوم كوهين) الذي تعهد للبهائيين في مصر بتقديم التسهيلات لهم للحج إلى الدولة الصهيونية، حيث تعتبر مدينة حيفا قبلة للبهائيين حول العالم. وكان السفير الصهيوني قد قام مؤخراً بزيارة إلى معقل البهائيين في مدينة المحلة الكبرى، والتقى بزعيمهم (نصيب بباوي) قرابة ساعة ونصف الساعة، وحثّه على مشاركة البهائيين في النشاط السياسي بمصر عن طريق إنشاء جمعيات أو أحزاب، أو الترشح لمجلس الشعب للتأثير بقوة لصالح الدولة الصهيونية؛ قبلة البهائيين، واعداً إياهم بمساندتهم وحمايتهم... [6].

أما عن الموقف المتشنج العدائي تجاه اللغة الأم، فاللغة العربية بقيت شامخة وستبقى؛ لأنها لغة القرآن الكريم، وهي لغة خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي أرسله الله للبشرية جمعاء، واختار الله له اللغة العربية، وهذا يعني صلاحيتها لأنْ تكون لغة البشرية جمعاء، فينبغي أن ندرك أبعاد هذه المسألة. ثم من جهة أخرى فإنه لا يمكن فهم مضامين الدين الإسلامي إلا باللغة العربية التي اصطفاها رب العالمين. قال ـ - تعالى -ـ: {وَإنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْـمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195] فلما وصفها الله بالبيان عُلِمَ أن سائر اللغات قاصرة عنها، وهذا وسام شرف وتاج كلَّل الله به مفرق العربية، خصوصاً حين أناط الله بها كلامه المنزل، قال ـ - تعالى -ـ: {إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3] وقال ـ - تعالى -ـ: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]. وقال: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28]. ومن هنا قال حافظ إبراهيم على لسان العربية:

وسعتُ كتاب الله لفظاً وغايةً *** وما ضقتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

من جهة أخرى، يجب التأكيد على أن المشكلة ليست في اللغة العربية أو الإسلام كما يدّعي بعض الناس، لكن المشكلة تكمـن فـي ذواتنا وفي اهتماماتنا وركوننا إلى الدَّعة والترف، وبعدنا عن تطبيق شرائع الإسلام؛ زمن (القصعة) وحب الدنيا وكراهية الموت، كما نبه إلى ذلك حبيبنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. ورحم الله الشاعر العربي إذ يقول:

نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سِوانا

وأذكّر هؤلاء الماضويين من جديد، إن كانوا يهتمون بماضيهم (التليد) فليرجعوا إلى دور آبائهم وأجدادهم في صـنع الأجيـال وتعليـمهم، وزرع الهـمة العـالـية فـيـهـم. وما المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي والشيخ المجاهد ابن باديس إلا مثالان ناصعان يمكن الرجوع إليهما والنهل منهما؛ فقد كانا يقرّان بأصلهما الأمازيغي، لكنهما يعتزان بالإسلام والعروبة. يقول الشيخ ابن باديس في أبيات مشهورة له:

شعب الجزائرِ مسلمٌ *** وإلى العروبة ينتسبْ

من قال: حاد عن أصله *** أو قال: مات؛ فقد كذبْ

لكن العجيب في الأمر أن نجد هذا الطرح ساري المفعول عند أبناء الصحوة الإسلامية ـ وبطبيعة الحال شتان بين الثرى والثريا! ـ من خلال استحضار بطولات المجاهدين الأبطال في فتح بلدان وتحرير أخرى دون السير على نهجهم، والسير على خطاهم في العدل والتسامح والرفق والمعاملة الحسنة التي أوصلتهم إلى القمة، ودفعت بغيرهم إلى الحضيض. وهذا بطبيعة الحال ليس شماتة فيهم، ولكنها دعوة أخوية لتصويب المسار والسعي للعمل الجاد دون البكاء على الأطلال والانتظار والتواكل.

والطـامة الكبـرى التـي تغلـف الساحة الإسلاميـة أنّ مـا نشاهده من فتن داخلية بين الذين ينتسبون إلى الدين وما وقع من فتن وانشقاقات وتصدعات داخل صفوف بعض الحركات الإسلامية، راجعٌ إلى الاحتكام إلى الهوى والجهل بالأمور الشرعية، وتضخيم فرع على أصل، كما هو الشأن عند بعض الجماعات الإسلامية التي تهول من الجانب السياسي، أو تلك التي تبني مشاريعها المستقبلية على الرؤى والمنامات، اقتداءً بإخوانهم الصوفيين الذين أعطي لهم الضوء الأخضر ليجولوا ويصولوا دون رقيب، وكذلك أولئك الذين يسفكون دماء المسلمين ويثيرون الفتن بينهم، ويسعون في تقويض بنيان الأمة الإسلامية وهدمها من الداخل[7].

وبصفة عامة، فإن أغلب الحركات الإسلامية التي تنشد الفرقة عن جهل أو علم تعيش، كما قال فضيلة الدكتور فريد الأنصاري، حالة من التخبط الوسطي بنوعيه اللذين يشكلان الفكر الماضوي الفج الذي أهلك الأمة الإسلامية ردحاً من الزمن:

أ ـ الوساطة الروحية: القائمة على الوسيط الروحي، أي الشيخ الصوفي، أو شيخ الطريقة واضع الأوراد، وصاحب الأحوال والمقامات، الذي يتدين مريدوه بواسطة أوراده وأحواله، ويسعون لاكتساب مقاماته، باعتباره (الشيخ الكامل) و (القطب الرباني). فالأفراد السالكون على طريقته، المتربون على يده، كلهـم نمـط واحـد، ورغبـة واحـدة، يتـوسـطون إلى - رضي الله تعالى - بمحاكاة الشيخ المطبوعة في أذهانهم وأعمالهم.

ب ـ الوساطة الفكرية: القائمة على أساس الوسيط الفـكري، أي الأستاذ المفكر، أو الكتاب المعتمد، وذلك أنه من السهولة بمكان ملاحظة ظاهرة الارتباط في مجال التـدين وسـط الحركـات الإسـلامية بشـخصية فكرية معينة ارتباطاً تربوياً، بحيث ينحو المتربي في تدينه منحى أسـتاذه، فهماً للإسلام، وتنزيلاً له، فيقلده في كل ذلك تقلـيداً يقوم على التقديس الشعوري، أو اللاشعوري، لأفكـاره ومؤلفاته، بحيث لا يكاد يرى الحق إلا فيما قال أسـتاذه، ولا يجـد الصـواب إلا فيـما ذهب إليه، فيتشكل في مجـموع التلامذة من هذا النوع نمـط تربـوي فكـري واحد، لا ينـظرون إلى الإسـلام ولا يتدينون به، إلا من خلال منـظار الوسـيط الفكري، المسيطر على عقولهم ووجـدانـهـم، سـيـطرةً قـد تصـل إلى نـوع مـن الوثـنـيـة، أو الشرك الخفي[8].

كل ذلك راجع إلى البعد عن الهدى (كتاب الله، وسنة نبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم -، والنهل من العلماء الربانيين الثقاة... ) والاحتكام إلى الهوى، ومن ثم يصبح كل من تمسك بحبل الشهرة وحب الرياسة، والاعتزاز بالنفس، وحب الظهور من جند الشياطين. يقول ابن القيم ـ - رحمه الله - ـ: «... فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر؛ يستعمله في رعاية الخنازير، وعصر الخمر وحمل الصليب».

 

• العصرانيون أو الحداثيون[9] وطمس الهوية الإسلامية:

أسيل المداد في هذا الموضوع إلى حد التخمة من علماء ودعاة ومفكرين، ولكن في هذا المقال ـ إن شاء الله ـ نظراً لبروز وجوه جديدة على سطح المجتمع المغربي (وهذا بطبيعة الحال ليس حصرياً على المغرب؛ بل يشمل دولاً عربية أخرى، لكن انتسابي لهذا البلد المسلم وغيرتي على ديني دفع بي إلى كتابة هذا المقال المتواضع، عساه أن يجد آذاناً صاغية، والله المستعان) وجوه تحمل شعار العصيان على الدين، سنقف وقفة تأمل وتبصر مع اجتهادات مزيفة لبعض هؤلاء السفهاء، بزعمهم القطيعة (الأبستمولوجية) مع التراث بل الإسلام/التاريخانية، الذين يشكلون شوكة تعوق مسيرة النهوض بالأمة الإسلامية، وتزيد من تأثيرها في أفكار الغافلين الجاهلين بحقيقة الدين وحلاوته، على حد قول أحد الدعاة المغاربة. وصدق عمر بن الخطاب ـ - رضي الله عنه - ـ إذ يقول: «والله ما أخشى على الإسلام من أعدائه؛ ولكن أخشى على الإسلام من أدعيائه! » والذين استـغلوا ما تعانيه الأمة من ركود علمي؛ مما دفع بهم، في محاولة يائسة، للنيل من الإسلام والمسلمين، وأنَّى لهم ذلك؟!

وبعبارة أخرى: ابتليت الأمة الإسلامـية بأدعيــاء عــلم أو أنصاف مثقفين حسبوا الاجتهاد الفقهي مباحاً لكل راتع، فتجرؤوا على النص مسخاً وتحريفاً، وألبسوه حلة خرقاء! ولست أغالي إذا قلت: إن الاجتهاد الفقهي أصبح فناً ينتحله كل فاقد لعدة العلم وآلياته.

يـقـول (غـلادسـتـون) وزيـر المسـتعمرات البريطاني سنة 1895م: «ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسـلمـين؛ فلن تستـطيع أوروبـا السيـطـرة على الشرق، ولا تكون هي نفسها في أمان! » فلتقرَّ أعين الأعداء من صهاينة وصليبيين وملاحدة وشيوعيين، فقد كُفوا المؤونة، فقد خرج من أبناء الأمة الإسلامية من تولى طمس الحقائق وتضليل العباد.

تطالعنا بعض الصحف المغربية العلمانية ـ الحداثية الحـاقـدة على الدين ـ وفي طليعتها جريدة الأحداث المغربـية ـ التـي ينعـتها أغلب المغاربة بـ (الأخباث) المغربية ـ بأقبح ما يمكن أن يصدر عن رافض للدين ومحارب للإسلام، فها هو أحدهم من الأساتذة الجامعيين (سعياً للحصول على أعلى النياشين) يزعم؛ بل يحلم، أن كل ما جاء به الإسلام كذب وافتراء بقوله: «أنا لا أؤمن بأفضلية ديانة سماوية على أخرى، وأعتبر أن من يبتغي غير الإسلام ديناً يقبل منه... »! كذبٌ وافتراء على الله.

وأضـاف: إن الإسـلام عـدواني، لا رحـمة فيه ولا رأفة؛ إذ يحكم برجم الزاني، وقتل المرتد، وقطع يد السارق! (فحدود شريعتنا ـ في زعم هذا السفيه ـ ليست سمحاء، إنها دموية). وزاد من جرأته الفائقة ـ في ظل الصمت المطبق للمسؤولين وعلى رأسها الوزارة المكلفة بالحقل الديني، والتـي اقتصـر دورها فـقـط علـى مراقبة الخطباء والأئـمة، أو كما قال أحدهم: مراقبة أهِلَّة الشهور العربية؛ استهزاء ـ؛ حيث يقول: «إن تحررنا من التخلف مرتبط بتحرر ديننا من التحجر والتزمت، وإن صلاحنا رهين بصلاح شريعتنا... ».

أي تحرر يريد؟! هل هي حرية التطاول على شرع الله أم هي حرية الدياثة والسفور؟ أهي حرية الدعارة التي يسعون إلى تقنينها، أم حرية الشذوذ الجنسي التي بدأ أصحابها يظهرون بشكل علني في الشواطئ المغربية؟! أم هي حرية السطو على أموال الأمة، وإشغالها بالمهرجانات التافهة التي تستقبل الساقطات والتي تكلف ميزانيات ضخمة، في حين أبناء الأمة غارقون في أوحال البطالة بشتى أنواعها وضعف فرص العمل؟!

أبهذا نتحرر.. ؟! لله المشتكى! .

والحقيقة ما كنت لأكتب في هذا الباب لولا حرقتي على هذا الدين الحنيف، ولولا ازدياد حدة هؤلاء الذين وجدوا مظـلة مكافـحة الإرهـاب آلـية وعصا غليظة يوظفونها لقمع كل من يتحدث في الدين، وازدياد نفوذهم، وما الزوبعة والضجة الإعلامية الشرسة ضد جريدة التجديد التابعة لحزب العدالة والتنمية ـ عندما نشرت مقالاً وعظياً؛ تحذيراً لما يجري وينتشر في المغرب من سياحة جنسية وثقافة السفور، وبالأحرى العري الكامل في بعض الشواطئ المغربية... ـ ما تلك الزوبعة عنا ببعيدة!!

لهذا السبب ظهرت شاعرة جديدة سفيهة، تعلن التمرد والعصيان على الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وألتمس العذر للقارئ الكريم لعرض هاتِه الأبيات الشعرية. قالت، ولبئس ما قالت[10]:

ملعون يا سيدتي من قال عنك:

من ضلع أعوج خرجتِ!

ملعون يا سيدتي من أسماك

علامة على الرضى بالصمتِ

ملعون منذ الخليقة من قال عنك:

عورة من صوتك إلى أخمص قدميك

لكن الأقـلام المخلصة لم تبقَ مكتوفة الأيدي؛ مما دفع بهذه (الشاعرة) إلى الظهور بمظهر جديد غريب بقولها: «الغرض من القصيدة هو إعادة الاعتبار للمرأة؛ لأنها هي مصدر الحياة ومنبعها ورمز العطاء، فأنا ألعن في القصيدة من يروجون أقوالاً شعبية سائدة في المجتمع.. ».

يقول الداعية المغربي حماد القباج: «إذا كانت جاهلة بأن تلك أحاديثاً نبويـة، وأحكــاماً شــرعيــة، فتلك مصيبة؛ إذ لا يليق بمسلم أن يبلغ به الجهل بدينه وأحاديث نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الحد.

وإذا كانت عالمة، فالمصيبة أعظم. قال ـ - تعالى -ـ: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْـحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} [المسد: 4 - 5].

وهذه المرأة هي أم جميل، التي كانت تؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم - بشعرِها، ومنه قولها:

مُـذمَّـماً أبـيـنـا

وديــــنـه قلـــينا

وأمـــره عصــيـنا

فكان مصيرها ما ذكر الله - تعالى- : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}» [التوبة: 61].

هل بعد هذا كله ما زال من يشك أن اقتفاء أثر الحداثيين العلمانيين من شأنه أن يوصلنا إلى ما وصلت إليه أوروبا وأمريكا من تفكك أسري وانحلال أخلاقي (السحاق، اللواط، والعلاقات غير الشرعية... ) مما جعل العقلاء منهم يدعون المرأة للرجوع إلى البيت؟

إن المطالب بالمزيد من الأدلة والبراهين على بطلان التصور العلماني ـ الحداثي ودوره في تدمير الهوية الإسلامية، والمشكك في آثاره المدمرة على الفرد والمجتمع حاله كحال من يطلب الدليل على إثبات النهار والشمس في رائعة النهار. ورحم الله الشاعر العربي إذ يقول:

وليس يصح في الأذهان شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليلِ

وصفوة القول: ما كانت أوروبا بقيادة بلدان الأجبان (الدانمارك والنرويج) أن تتجرأ على سب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لولا تخاذل المسلمين وهروبهم واستهانتهم بدينهم الحنيف، والهروب من اتِّباع سنة نبينا المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

 

• الإسلام... المنهج الشمولي:

لدحض الأفكار والتصورات السابقة وقف الأستاذ أنور الجندي، المعروف بجرأته المعهودة في الذود عن الإسلام، من دعاوي المبطلين كالطود العظيم الذي لا يقهر، وهذا ليس إطراء؛ ولكن إنجازاته في محاربة الفكر الماركسي الموبوء، وتجربته الناصعة في الرد على العلمانيين خير دليل على ذلك، دون أن ننسى استبشاره خيراً بالصحوة الإسلامية التي غالبيتها العظمى من الشباب الذين يشكلون عقبة وجــداراً للوقوف في وجـه هؤلاء الملاحدة؛ الذين يتفوهون بما لذ وطاب من صور الطعن في دين الله ـ - تعالى -ـ الذي تولى بنفسه ـ - عز وجل - ـ حفظه من دعاوى المبطلين.

يقول فضيلة الأستاذ - رحمه الله - [11]: «يزداد إيقاع الأحداث في العالم كله مع تنامي عقود القرن الخامس عشر الهجري، الذي يُتوقع أن تصل الصحوة الإسلامية فيه إلى مرحلة النضوج وامتلاك الإرادة واستعادة الحق، ومن يطالع الأحداث منذ بزوغ هذا القرن يستطيع أن يثق بأن المسلمين قد خلَّفوا فعلاً مرحلة البكاء على الأطلال، وترنيمات التهافت على الماضي الذي انقضى، والحزن عليه».

ويضيف: «إن الأحداث قد علَّمت المسلمين أن يخرجوا من دائرة العاطفة الجوفاء إلى دائرة البحث عن خطة، عن طريق، عن منهج يمكن به تفادي الوقوع في الأخطاء مرة أخرى بعد أن تكشفت لهم حقائق كثيرة ربما كانوا يجهلونها، ووضَّحت لهم وجوهاً ربما كانوا حسنِي الظن بها، وهي تخفي في أعماقها الرغبة في تدميرهم والقضاء على كيانهم».

{هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119].

يجب أن يكون ـ كما قال الأستاذ الجندي - رحمه الله - ـ واضحاً لنا نحن المسلمين أن المؤامرة التي بدأت منذ نزول القرآن وظهور الإسلام لا تزال مستمرة، وهي في كل عصر تأخذ طابعاً مختلفاً. وقد نبّأنا الله ـ- تبارك وتعالى -ـ من أخبارها؛ وجاءت الأحداث متوالية ومتتابعة لتكشف لنا أبعاد المؤامرة التي تدبر للإسلام.

وقد وصلنا الآن إلى مرحلة توصف بأنها مرحلة اجتثاث الشجرة من جذورها، وهكذا تخطط القوى المتجمعة من غربية وماركسية وصهيونية؛ لكن هل تستطيع؟ وهل الإسلام الذي جاء لينقذ البشرية ويخرجها من الظلمات إلى النور عرضة للأزمة؟ ومن الحق أن يقال: إن الأزمة موجهة إلى المسلمين، وإنهم هم الذين سيتحمّلون عواقبها إذا ما عجزوا عن حماية الأمانة الموكولة إليهم والحفاظ على بيضة الدين. فإذا تولوا فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه.

أما الإسلام فإنه باقٍ، وهو ملاذ البشرية كلها، وسوف ينصره الله إذا خذله أهله المتفرقون الآن والخاضعون للقوى المختلفة التي تضرب بعضهم ببعض. إن أمامنا المثُلات والتجارب والأحداث ما تزال قائمة ويجب أن نلتمس عبرتها، ونحاول أن نستفيد منها للوصول إلى طريق العمل الذي يجب أن يكون قد بدأ فعلاً.

فهذا القرن الخامس عشر الهجري هو قرن بناء الخطط العملية لتحرير العقل المسلم والنفس المسلمة من التبعية للفكر الغربي الوافد الذي خضعنا له أكثر من مائة عام منذ فرض علينا قانون (نابليون) ومنهج (دنلوب) وخطط (زويمر). ومنذ فرضت علينا إرساليات التنصير مناهجها التربوية والتعليمية التي تحولت إلى وزارات التعليم العربية، بكل ما تحمل من أخطار وآثام وازدواجية.

ويستطرد فضيلة الأستاذ بكلمة بارعة، والأوْلى أن تكتب بماء الذهب: «وليعلم المسلمون أن سقوط هذه الأيديولوجيات كلها هو لحساب الإسلام، وأن الغرب لن يستطيع أن يسيطر على العالم ويقوده نحو الخضوع والتبعية بعد أن أثبتت مناهجه وأيديولوجياته عجزها وفسادها، وأعلن كبار العلماء والمفكرين الغربيين أنّه لا أمل إلا في الإسلام؛ فهو وحده القادر على إنقاذ البشرية... ».

ولإبطال مفعول السموم الصهيونية المتلونة بلون القومية، وللضرب على أيدي الاستئصالية الاجتثاثية توقَّف أيضاً الأستاذ أحمد حسني، في محاضرته القيمة (عظمة الإسلام)، عند دور الإسلام والسر في انتشاره وعظمته، حيث بيّن أن الإسلام دين متكامل في الأمور الدنيوية والأخروية، ويتجلى ذلك فيما يلي:

ـ أنه ديـن الفطـرة؛ فالنفس الإنسانية تنزع إلى شيء هـو مـن طبيـعة فطرتها، ولا شك أن أصلح النظم وأحبها إلى النفوس ما قبلته الطباع وألِفته، وأبعدهـا عن الصــلاحـية ما نفرت منها الطباع وهجته النفوس، فالدين أمر فطري لدى البشــر جميــعاً، والإنســان خُلِــق متديناً بطبعه، قــال ـ - تعالى -ـ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كــل مولـود يولـد على الفطــرة؛ فأبــواه يهــوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه» (رواه البخاري).

ـ أنه دين الوسطية والاعتدال؛ فيجمع بين مطالب الروح ومطالب الجسد، وبين الثابت والمتحول، أو بلغة المقال بين مصادر التشــريع الإســلامـي ومستجــدات العصــر. قال ـ - تعالى -ـ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

ـ أنـه دين يتفق مع العقل ويسير معه جنباً إلى جنب، فلـم يكن كبـعض الشرائع التي تـدعـو إلى إهمـال العـقـل؛ بل يحـتكم في تقرير القضايا إلى العقل، ويعيب على من يهمـل عقـله ويلغي تفـكيره، ويعتـبره كالحـيوان الأعـجـم. قال ـ - تعالى -ـ: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

ـ معجزة القرآن الخالدة التي أعجزت الفصحاء من العرب وما زالت تعجز السفهاء الأنذال.

ـ أنه دين التربية، راعى حقوق الإنسان في التربية السليمة مع أوامر الدين وتوجيهاته منذ ولادته؛ بل وقبل أن يولد؛ حيث وضع شروطاً للزواج الشرعي يجب توفرها في الزوجين.

ـ سموُّ مبادئه التي قام عليها في تنظيم حياة الناس من العدالة والحرية والمساواة والإخاء. قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»[12].

أخـيراً، وليس آخراً: قيل للإمام أحمد ـ - رحمه الله - ـ: كم بيننا وبين عرش الرحمن؟ قال دعوة صادقة من قلب صادق.

نسأل الله العظيم أن يكشف الغمة عن هذه الأمة، وأن يردها إلى صوابها، يا رحمن يا رحيم!

 

----------------------------------------

[1] الأصولية والإرهاب الفكري: عادل خزرون، مجلة النور، العدد،: 440، ص 6.

[2] منهج كتابة التاريخ، مجلة المنهل، العدد 599، ص 18.

[3] مسلم: 2885.

[4] للتوسع في الموضوع الرجوع لكتاب: اللغة العربية: التحديات والمواجهة، للأستاذ: سالم مبارك الفلق.

[5] الغزو الفكري، الشبكة العنكبوتية.

[6] مجلة منار الإسلام، رجب 1427، ص 51.

[7] الدكتور فريد الأنصاري: التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، دار الكلمة، المنصورة، ط1، 1424هـ 2002م، ص 14.

[8] للتوسع في الموضوع الرجوع إلى كتابيَ الدكتور فريد الأنصاري: البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي/ التوحيد والوساطة في التربية الدعوية.

[9] مجلة السبيل، العدد13، ص 6.

[10] أنور الجندي: الهوية الإسلامية ومؤامرة القضاء على الهوية الإسلامية، بتصرف.

[11] عظمة الإسلام، مجلة المحجة، العدد253، بتصرف.

[12] رواه البخاري.

 

http://www.albayan-magazine.comالمصدر: