الكتابة والإحياء الفكري
د. عبد الحميد الدخاخني
ما زالت الكتابة ـ رغم انتشار وسائط الإعلام (Media) المتعددة ـ تحتفظ بأهميتها وسطوتها، فما زال ما يُنشر عبر الإنترنت موادَّ مكتوبة في الأصل، وهي في تزايد مستمر، وكذلك برامج الفضائيات، حيث يبدأ أكثرها من النص المكتوب، ليتحول إلى الصورة المرئية والتفاعلية، وحتى الخبر المصور يحتاج كثيراً إلى نص مكتوب للتعليق عليه وشرحه، والحوارات الصحفية تستمد قوتها من أفكار مكتوبة، وكثيراً ما تتحول الحوارات الحية إلى نصوص مكتوبة في المواقع الإخبارية لهذه القنوات، وهكذا فللكتابة عرش لا يهتزّ وصَوْلةٌ لا تُدافَع.
ولكن أمة مثل أمتنا في طور نهوضها ورغبتها في دفع التخلّف واللِّحاق بركب التقدم والتحضر بعد أن تنحّت عنه طويلاً، وقنعت باجترار عقيم لما لفظته عقول وأفهام البشر، وتخلّت عن مفهوم الاستخلاف في الأرض وتعميرها بمنهج الله، ورضيت بالدّون من القول والفعل، وتحولت إلى ببغاء مستورِد، فتخلّفت وانهزمت نفسياً، فهل ينبغي لنا أن نقف عند حدود الكتابة، وأن نظن أن ما ينقصنا هو الكتابة، ثم الكتابة، ثم الكتابة؟
يخرج كل عام في بلادنا مئات الآلاف من المطبوعات، وآلاف الدوريات والمجلات، والمئات من المجلات المتخصصة في فروع من العلوم والآداب، ولكن ثقافة الإنسان العربي والمسلم لا شك أنها أضعف الآن بكثير من ثقافة مثيله منذ خمسين سنة، والفجوة التقنية الآن بين أمتنا وبين الغرب أكبر منها آنذاك. ولعلك تُفاجأ إذا علمتَ أن بلداً مثل الصين يترجم إلى لغته الصينية (ذات الخمسة آلاف حرف وما أصعبها!!) ما قُدِّر بأكثر من خمسة آلاف ضعف ما تترجمه البلاد العربية مجتمعة من العلوم والكتابات الغربية.
فهل يا تُرى ضاعت الكلمة وقيمتها منذ أن بدأ السياسيون والمفكّرون يلعبون بها؟ فمنذ المناداة بالقومية العربية لم يحارب النظام الذي تشدّق بها إلا العرب، وجاء انقلاب على انقلاب يُعدّ فأصبح ثورةً للتصحيح، وسُنّت بعض قوانين إدارية فنُودي بها ثورة إدارية...إلخ.
لماذا فقدت الكلمة أثرها في أمتنا حالياً؟ ولماذا أثرت في أمتنا من قبل، رغم أننا أمة أول ما نزل من كتابها كان كلمة «اقرأ»؟ لعل الحادثة التالية تكشف جزءاً من السبب:
روى المؤرخون أن أحد قضاة مصر وخطبائها كان الناس إذا صعد المنبر ووعظهم ضجّوا بالبكاء والتوبة والتأثر رغم قلّة كلامه، ولما خطبهم غيره لم يتأثروا هذا التأثر رغم بلاغة الآخر، فسأله ولده: يا أبتِ! ما لك إذا خطبتَ الناس قاموا وبكوا وتابوا، وإذا خطبهم غيرك كأنهم لم يسمعوا شيئاً؟ فأجاب الأب الحكيم: يا ولدي! ليست النائحة الثّكلى، كالنائحة المستأجَرة، أي: ليس المتحرّق الذي يلفظ كبده من الألم والمعاناة بصدق كمن يقوم ليؤدّي عملاً يأخذ عليه أجراً وكفى، ولن يستوي هذان أبداً.
خرج الصحابي الجليل مصعب بن عمير - رضي الله عنه - إلى المدينة داعياً إلى الله مُتسلِّحاً بالقرآن الذي بين أيدينا، ولكن بالصدق الذي هو السلاح الأول، ففتح الله به المدينة كلها في أقل من عام واحد، هذا من أثر الصدق.
إذا أردنا أن نردَّ للكلمة شرفها وفعاليتها في زمن الدجل الإعلامي المؤسس، فلا بدّ من أن نحترم عقل القارئ، علينا أن نشعر بالكلمة قبل أن نكتبها، علينا أن نكتب من قلوبنا المحترقة لا من عقولنا الباردة وألسنتنا المنافقة، علينا أن نعتصر حشاشة القلوب. إذا خرجت الكلمة من القلب، فما أحراها أن يفتح الله لها القلوب، فالله ربُّ القلوب، بيده مفاتحها وأقفالها.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 991].