المشروعات منطلق النهضة
فيصل بن علي البعداني
جلست إلى مربٍّ جليل، صقلته الأحداث، وعركته السنون، فصار حديثه ـ نتيجة ما تفضَّل الله ـ تعالى - عليه به من جِدِّية وما منحه من علم وتجربة ـ مليئاً بالدرر، وفائضاً بالحكمة، فاشتكيت إليه حال كثير من شباب الصحوة الإسلامية في أيامنا، وما أصيبوا به من ضعف فاعلية، وقلة عملية في الوقت الذي لا ينقصهم فيه شيء من حمل هموم الأمة، ولا تعوزهم فيه رغبة عارمة في البذل والتضحية والعمل الجاد لهذا الدين!.
فاعتدل الشيخ في جلسته ثم قال: كنت قبل أيام قليلة في إحدى الجلسات العابرة مع مجموعة فاضلة ممن لهم تاريخ مشهود، وسبق بيِّن في العلم والتربية والدعوة، وجرت بهم أطراف الحديث حول أحوال الأمة المعاصرة، فأخذ أحدهم يتحدث حول ما آلت إليه الأوضاع في فلسطين، وكيف استطاع اليهود اختراق كبرى الفصائل الفلسطينية (منظمة فتح) حتى النخاع، لتصل الحال بها إلى خيانة الأمة خيانة عظمى، فوجهت قدراتها كافة لتطويع إرادة أهلنا في فلسطين، وضرب كل جهد صادق ينتمي إلى هذه الأمة، ويسهم في استعادتها العزة وتقوية المقاومة الفاعلة على أرض فلسطين المقدسة؛ خدمةً من القائمين عليها للمحتل، وإغراقاً منهم في العمالة والتبعية.
وتحدَّث ثانٍ عن ضخامة خسارة أهل السنة في العراق على الأصعدة كافة، وعن دور المقاومة الشريفة هناك في تخفيف بعض الشر والتعكير على المخطط الأمريكي والحيلولة دون استكماله لفصول مخططه كافة في المنطقة، وعن غفلة كثير من أهل العلم والفكر والقرار في المنطقة عن حقيقة الدور الجليل الذي تقوم به المقاومة، وأن على الأمة أن تعمل على دعمها من جهة وتسديدها وتقويم مسارها ومناصحة قادتها بجِدِّية من جهة أخرى؛ حتى لا يخطف جهدَها أذناب العدو في المنطقة، وحتى لا تفتقد البوصلة الموجهة والرؤية المحفزة فتتحول من أداة مدافعة وبناء إلى تدمير وهدم.
وتحدَّث ثالث عن أهمية أن لا تدفعنا الممارسات العملية المشكورة والفرح بالنكاية بالعدو عن ضرورة العناية بالصفاء العقدي والعمق التربوي وتصدُّر أهل العلم الراسخ ومن تربَّى على مائدة القرآن الكريم ونهل من نبعه الصافي؛ لمواضع المسؤولية والقرار داخل العمل الإسلامي.
واستشهد مدلِّلاً على صحة ما يقول بحال الأمة في دعم الفصائل الأفغانية في الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي بدافع الخطاب العاطفي الذي مارسه بعض الدعاة حينها دونما تبصُّر بالجانب المنـهجي والبـناء التربـوي لزعماء تلك الفصائل، مما جعل الأوضاع عقبها تؤول إلى تصفيات جسدية وتقاتل بين إخوة الأمس؛ حباً في التفرد بالزعامة من جهة، وبسبب تلك الاختلالات الفكرية والمنهجية، والأمراض التربوية، والتعصبات القبلية والمناطقية، والغفلة عن معالجتها أو التخفيف منها من قِبَل العلماء والدعاة الداعمين للقضية في بادئ الأمر من جهة أخرى.
قال الشيخ: وكاد لقائي بتلك الكوكبة الفاضلة أن ينصرم، فقلت لهم: على جلالة ما ذكــرتــم وموضــوعيته ألا تلاحظون أن حديثكم تضمَّن شيئاً ضاراً وخلا من شيء آخر في غاية الأهمية؟ فقالوا: أفصح في حديثك! فقلت: لقد تضمَّن حديثكم زراعة اليأس والإحباط في نفوسكم، وتضخيم سطوة عدو الأمة وتعظيم قوته، في مقابل تهميش جوانب قوة أمتنا وعوامل ضعف عدونا.
والتاريخ بامتداده الطويل شاهد على أن من كان يائساً محبطاً مهزوماً من داخله لا يبصر النجاح مهما كان قريباً منه، ولا يلحظ أنوار العزة وهي تلوح أمامه مهما كانت بيِّنة، كما لا يمكنه أن يصنع شيئاً مهما كان صادقاً مخلصاً، ومهما كان موقفه مبدئياً، وصاحب قضية عادلة.
أما الجانب النافع والضروري الذي خلا منه حديثكم فهو المبادرة والعملية وعدم تركيز كل واحد منكم ـ سيما وقد طال به العمر، وصار بين لحظة وأخرى ينتظر قبض روحه ومفاجأة ملك الموت له ـ على مشروع يمكنه القيام به أو مشاركة بعض إخوته في تنفيذه؛ لكي تضاف ثمرته إلى بقية الثمار المجنية من المشاريع الأخرى، والتي تشكل بمجموعها زاد هذه الأمة في رحلتها الطويلة نحو النهوض والمدافعة والتطوير.
ثم أردف الشيخ قائلاً: لا حركة بلا دافــع، ولا نشــاط بلا محفز، ولا بحث عن مخرج بلا ألم يصحبه أمل.
وفي المقابل: فالحريق لا يطفأ بالرِّيق، والنجاح سلالم مرتفعة ملتوية لا يمكن لأحدنا صعودها ويده خلف رأسه، بل لابد من جهد ومثابرة، وبذل وتضحية، ولذا قيل: لا ثمرة بلا زراعة، ولا ولد بلا زوجة، ولا تمكين بلا فاعلية وتفانٍ ومصابرة، هذه قوانين الحياة وسنن الله - تعالى - في الأرض، ومن رامَ الوصول دون بذل المقدور لم يبلغ المأمول.
والإشكالية التي يعاني منها كثير من جيل الصحوة وأخيار الأمة اليوم تكمن في التواني، والتسويف، وسقوط الهمم، والعيش في الماضي أكثر من العناية بكيفية صناعة نجاح المستقبل، وترك ما يقدرون على فعله من مشاريع وبرامج وأنشطة ممكنة التنفيذ تقع تحت أيديهم وفي حدود إمكانياتهم وإن كانت في بداياتها صغيرة قليلة التأثير؛ إلى ما لا يقدرون عليه من هموم عامة وتطلعات كبيرة، متناسين أن البناء الكبير القويم لابد أن يتم على أساس صحيح ويأخذ زمنه الكافي في التعمير، وأن النهوض المؤثر لا بد أن يستكمل مراحله جميعها زمناً وكيفية، إذ إن رحلة الألف ميل دوماً تبدأ بخطـوة، والنـجاح الكبـير غالباً ما يكون مجموع نجاحات صغيرة وجهود متضـافرة يجمـع بيـنها نـية صادقة وهمة عالية ورؤية واضـحـة وجِدِّيـة بيِّنـة ومثـابـرة مستـمـرة؛ إذ المـجـد لا يدرك ـ كما يقول المرزوقي ـ بالسعي القصير، واستعمال التعذير، وعلى ملازمة الراحة دون توطين النفس على الكدِّ الشديد والمجاهدة، فإنه لن يُنال إلا بتجرُّع المرارات دونه، واقتحام المعاطب بسببه[1].
وبعد أن فارقت الشيخ قادني التفكير في كلامه إلى محاولة استحضار النصوص الدالة على ذلك، فوجدت الأمر فوق الحصر، فمما ورد في التحذير من الكسل والتواني والتسويف قوله - عز وجل - : {فَاسْتَبِقُوا الْـخَيْرَاتِ} [البقرة: 841].
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم»[2]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»[3].
ومما ورد في الحثِّ على ترك ما لا يعني والتركيز على ما ينفع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»[4]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»[5].
كما قادني ذلك إلى تذكُّر ما سطَّره المنصِّر الأمريكي (ستـيـفن كـوفـي) فـي كــتابـه الشهيــر (العـادات السـبـع) حـول ما أسماه بـ (دائرة التأثير ودائرة الاهتمام)، والتي تتلخص بأن الأشياء والحوادث والاهتمامات حول الإنسان تنقسم إلى ما يعنيه وما لا يعنيه، وأن ما يعنيه ينقسم إلى قسمين: قسم للمرء نفوذ وسيطرة فيه وتأثير عليه ويمكنه فعله أو دفعه بصورة كلية أو جزئية، وهذا ما أسماه بـ (دائرة التأثير)، وقسم لا يمكنه التأثير فيه ولا يقع في حدود سيطرته، ومهما اهتم به وتفـاعل معـه فلـيس له أي تحـكم فـيه، وهذا ما أسماه بـ (دائرة الاهتمام).
ثم خلص إلى أن على المرء متى ما أراد النجاح والاتِّسام بالإيجابية والفاعلية أن يوظف اهتمامه ويركِّز جهده ويستثمر موارده في دائرة تأثيره وما هو واقع تحت سيطرته، ويكفّ عن التركيز على الأشياء التي تهمه وتقع في محيطه ولكن لا يمكنه السيطرة عليها ولا صنع شيء حيالها؛ لأن بقاءه في دائرتها يعني وقوعه تحت سيطرتها، وذلك يعني: شلّاً لفاعليته، وتضييعاً لوقته، وهدراً لإمكاناته، وتعميقاً للإحباط والقلق داخله، وإقناعاً للذات بالعجز وعدم الكفاءة، وحيلولةً بين المرء وبين ما يمكنه فعله[6].
فاشتغال المرء بتطلب ما لا يمكنه فعله ولا يقدر على قطف ثمرته عجز وخور وقلة حيلة كما يقول الحكماء[7]، وترك ذلك كمال في العقل، وغاية في الرَّشَد، ومن علامة توفيق الله - تعالى - للعبد.
ولو أن كل شخص عامل لهذا الدين صادق في انتمائه إلى هذه الأمة بذل جهده واستفرغ وسعه في صناعة مشروع يحسنه ويمتلك مهارات إنجازه بصورة فردية أو في إطار مؤسسي في أي مجال تحتاجه الأمة ويخدم هذا الدين بحيث يضيف به لبـنة إلى جهود البناء لحياض هذه الأمة المنصورة ـ بإذن الله عز وجل - والذود عن عرينها والتي يقوم بها المخلصون من أبنائها؛ لأبعد ذلك كثيراً من جيل الصحوة عما هم فيه من بطالة دعوية وسلبية عملية، ولأثمر ذلك بمجموعه قوة غير متصورة، وفرصاً غير متوقعة، وجهداً مباركاً عصيّاً عن الاستئصال والتطويع.
إن من النصح لهذه الدعوة المباركة القول: إن المشكلة كبيرة في هذا الجانب وتحتاج إلى جهود ضخمة لتجاوزها؛ ليس أقلها التعديل في المناهج التربوية التي لم تلتفت بعد بالصورة الكافية إلى زراعة الفاعلية وصناعة الشخصية المبادرة القادرة على استثمار الطاقات وتوظيف الجهود وتعميق الإيجابية والتخلُّص من الغثائية الظاهرة في أوساط أعداد ليست بالقليلة من جيل الصحوة.
وإن من الإنصاف القول: إن حراكاً ملحوظاً في الساحة قد ابتدأ في هذا الجانب، ولكنه يحتاج إلى تعاهد ورعاية عالية يتجاوز بهما الجهد الفردي وعناية المرء بتنمية ذاته إلى جهد كبير وعمل مؤسسي من المعنيين ببناء وتنمية جيل الصحوة أفراداً ومؤسسات.
والأمل في الله - تعالى - كبير، ثم في جهود المخلصين من علماء هذه الأمة ومفكِّريها ودُعاتها، وليس شيء عليه - سبحانه وتعالى - بعزيز.
{إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]، وصلى الله وسلم على المربي الأمين ومعلم البشرية الخير، وعلى آله وصحبه أجمعين.
----------------------------------------
[1] شرح ديوان الحماسة، للمرزوقي: 1/463.
[2] مسلم (118).
[3] المستدرك، للحاكم (7957)، وصححه الألباني.
[4] ابن ماجه (3976)، وصححه الألباني.
[5] ابن ماجه (79)، وحسنه الألباني.
[6] انظر: العادات السبع للناس الأكثر فاعلية، لـ: ستيفن ر. كوفي: 114ـ132.
[7] انظر: أدب الدنيا والدين، للماوردي: 455.