المسلم واختلاف العلماء
علي بن فهد أبا بطين
مما لا ريب فيه أن الشريعة الإسلامية نصوص وأدلة تُبنى عليها الأحكام والمسائل الشرعية، لا مجال فيها لآراء الرجال واستحسان العقول ووجهات النظر والنظريات المختلفة، وهذه النصوص هي حجة الله على عباده، يجب تقديمها والتعويل عليها وترجيح الراجح بها، فلا يحل لمسلم العدول عنها لقول أحد من الناس كائناً من كان.
والكثير من هذه النصوص والأدلة ظنِّيٌّ في دلالته، فينشأ بذلك الخلاف بين العلماء لتفاوت مداركهم وقدراتهم في استظهار الحق واستنباط الأحكام وفهم وجوه الكلام، ومن نعمة الله على هذه الأمة عدم وقوع الخلاف في أصول دينها، وإنما كان في مسائل وأحكام فرعية لا تؤثر على وحدتها وتماسكها، وهذا الخلاف بين العلماء لم يكن القصد منه مخالفة نصوص الشرع، وإنما هو اختلاف بينهم في الوصول إلى الحق وتحقيق مقاصد الشريعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : (ولْيُعلَمْ أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة ـ قبولاً عاماً ـ يتعمَّد مخالفة رسول الله البيان في شيء من سنته؛ دقيق ولا جليل، فهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتِّباع الرسول البيان)[1].
فالخلاف بين العلماء ظاهرة طبيعية في حياة الأمة اقتضتها دلالة النصوص، ولكن الشأن كل الشأن في موقف المسلم أمام هذا الخلاف الذي حادَ عن الجادَّة وجانبَ الصواب فيه طوائفُ من الناس.
فظنَّت طائفة أن وجود الخلاف بين العلماء يعني: حرية الإنسان في اختيار ما يوافق هواه من أقوالهم في المسألة المختلَف فيها؛ فتجد الواحد منهم يتتبَّع رخص العلماء ويأخذ ما يتوافق مع رغبته ويهواه هواه، دون النظر إلى كونه راجحاً أو مرجوحاً.
وطائفة أخرى استغلَّت وجود الخلاف بين العلماء؛ لنشر وترويج الأقوال المرجوحة والشاذة؛ لهدم الإسلام ونقض عُرَاه، تحت شعار احترام الرأي الآخر وعدم إقصائه وتهميشه، ونحو ذلك من المصطلحات والعبارات التي يُروَّج لها عبر وسائل الإعلام المختلفة؛ لينخدع بها عوام الناس وجهلتهم.
وطائفة ثالثة هي في الواقع من المنتسبين إلى العلم اشتغلوا في البحث عمَّا فيه تيسير للناس بين أقوال وآراء واجتهادات الأئمة في المسائل المختلَف فيها، متغافلين عن تتبُّع نصوص الكتاب والسنَّة في هذه المسائل التي هي في الواقع الحجّةُ والبرهان وفيها التيسير الحقيقي للأمة، فزلَّت أقدام كثير منهم، ولا شك أن هذا منزلَق خطير يُنَحِّي الأمة عن مصادرها الأصلية: الكتاب والسّنة، إلى آراء وأقوال بشرية يعتريها الخطأ والنسيان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بعدما ذكر أسباب الخلاف بين العلماء: (لكن نحن، وإن جوَّزنا هذا، فلا يجوز لنا أن نَعْدِل عن قول ظهرت حجته في حديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجّة وإن كان أعلم، إذ تطرُّقُ الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرُّقه إلى الأدلة الشرعية؛ فإن الأدلة الشرعية حجّة الله على جميع عباده بخلاف رأي العالم، والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأً إذا لم يعارضه دليل آخر، ورأي العالم ليس كذلك...) إلى أن قـال: (وليـس لأحـد أن يعـارض الـحديث عـن الرسول البيان بقول أحد من الناس)[2].
ومما سبق يتضح جلياً غفلة طوائف من الناس وبُعْدهم عن المسلك الشرعي الذي أوضحه الله لعباده وأبانه لهم، بل ألزمهم به، وجعل الاهتداء إليه من مقتضيات الإيمان، وهو ردُّ النزاع إلى الكتاب والسّنة؛ فقال ـ - سبحانه - ـ: {فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 95]، قال ابن كثير: (وهذا أمر من الله - عز وجل - بأنَّ كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يُردَّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسُّنَّة)[3]، وقال - تعالى -: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ} [الشورى: 01]، قال ابن كثير: (أي: مهما اختلفتم فيه من الأمور ـ وهذا عامٌّ في جميع الأشياء ـ فحكمه إلى الله، أي: هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه البيان)[4].
فهذه هي طريقة الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ وهذا هو نهجهم ونهج من سار على طريقهم واقتفى أثرهم من الأئمة المتبوعين والعلماء الناصحين؛ فكانوا إذا تنازعوا في شيء ردّوا ما تنـازعوا فيه إلى الله والرسول البيان، وإن كان بعضهـم أعلم في مواضـع أُخـر، ولهـذا تــرك الصحـابة - رضي الله عنهم - قول عـمر وابن مسعـود - رضي الله عنهما - في مسألة (تيمُّم الجنب)، وأخذوا بقول من هو دونهما كأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - وغيره لـمّا احتج بالكتاب والسّنة.
وتركوا قول عمر - رضي الله عنه - في (دية الأصابع)، وأخذوا بقول معاوية - رضي الله عنه - لِـمَا معه من السنّة. وكان بعض الناس يناظر عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - في (متعة الحجّ)، فقال له: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال الرسول البيان، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!
وكذلك عثمان - رضي الله عنه - لم يكن عنده علم بأنَّ المتوفَّى عنها زوجها تعتدّ في بيت الموت حتى حدَّثته الفريعة ابنة مالك بقول النبي البيان لها حين توفِّي زوجها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» فأخذ به عثمان[5].
وكان الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت - رحمه الله - يقول: (قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه؛ فمن جاء بأحسن من قولنا فهو أَوْلى بالصواب منا)[6]، وكان الإمام مالك - رحمه الله - يقول: (إنما أنا بشر أصيب وأخطئ؛ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنّة!)، وقال الإمام الشـافعـي - رحمه الله - : (إذا صح الحديث فاضربوا بقولي بالحائط)[7]، وقال الإمام أحمد - رحمه الله - : (مِن قلَّة فقه الرجل أن يقلِّد دينه الرجال)[8].
فهؤلاء هم الصحابة وأعلام الأمة، رأوا الحق فيما ظهر لهم ولم يجعلوه حجّة يعوّل عليها، بل عدّوا الحجّة في اتِّباع الدليل الصحيح؛ فقد زهدوا في أقوالهم وانصاعوا للحق، واتسعت صدورهم لقبوله، ورغبوا في خلاص أنفسهم من آثار الفتوى.
فردُّ النزاع إلى الكتاب والسُّنَّة هو مقتضى الشريعة في حق العالم الذي رزقه الله علماً وفهماً، وعنده من مقومات الردِّ إلى الكتاب والسُّنَّة ما يؤهله لذلك؛ فواجب عليه النظر في النصوص والاجتهاد في المسألة والإفتاء بما يترجح عنده من الأدلة.
وأما المسلم العامي الذي لا يحسن النظر في الدليل؛ فالمتعيّن في حقه سؤال أهل العلم؛ لقوله - تعالى -: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} [النحل: 34 - 44]، ولا يعرّض دينه للهوى والشهوة بتتبُّع رخص العلماء.
وأمَّا المسلم الذي هو في درجةٍ من العلم والفهم فوق العامي ودون العالم المجتهد؛ فهذا لا يجوز له الأخذ بقول أحد دون معرفة دليله، وعليه بذل ما يستطيع من النظر في الاختلاف حتى يترجح لديه شيء، فإن لم يمكنه الترجيح نزّل نفسه في هذه المسألة منزلة العامي.
نسأل الله - سبحانه - أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا الاستقامة على دينه والثبات عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
----------------------------------------
(*) عضو هيئة التدريس في الكلية التقنية في بريدة.
[1] مجموع فتاوى ابن تيمية، ج (20).
[2] رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية.
[3] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج (1).
[4] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج (4).
[5] مجموع فتاوى ابن تيمية، ج (20).
[6] تاريخ بغداد، ج (13).
[7] رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية.
[8] إعلام الموقعين، لابن القيم، ج (2).