الجذور التاريخية للنفوذ الإيراني في العالم الإسلامي وأثرها على مستقبل العلاقات العربية الإيرانية
أ. د. زكريا سليمان بيومي
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر
وبغض النظر عن الدوافع والأهداف التي تقف وراء هذا التوجه، الذي يسهم في تعميق العداء بين جناحي العالم الإسلامي، والمدعوم من أعدائهم، إلا أن الغلوّ القومي الإيراني والغلوّ المذهبي كذلك، هو حقيقة واضحة تشكّل أساساٌ في التكوين الثقافي للإيرانيين، بالشكل الذي قد يسهم في تحديد وتوجّه سياسة قادتهم تجاه العرب أو غيرهم من العالم السني.
يلتقي العديد من المؤرخين الأوربيين والمسلمين على السواء عند اعتبار الدولة الصفوية، التي تأسست في القرن الخامس عشر الميلادي، دولة قومية فارسية في المقام الأول، على الرغم من أنها تعود إلى جذور كردية وتركية سنية.
فقد تحولت من كونها أسرة صوفية سنية في مراحلها الأولي إلى تبني المذهب الشيعي الإثنا عشري الجعفري (نسبة إلى الإمام جعفر الصادق)، وفرضه على المناطق التي سيطرت عليها، بحيث جعلت منه إطارا قوميا أو وطنيا، ساعدها على إحكام السيطرة على العرقيات التي تكونت منها دولتهم الأولى، ولعل في ذلك ما يشير إلى احتواء أدبيات المذهب الشيعي في صورته الإيرانية منذ البداية، وإلى استيعاب النزعة العرقية التي تفوق أدبيات التلاقي مع المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى.
واختلفت الكتب في نسب هذه الأسرة الصفوية، حيث ربط البعض نسب مؤسسها الشيخ صفي الدين الأردبيلي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، في حين أرجعه البعض إلي أصول أزربيجانية، وأنه من أصل آري قديم.
ولعل في الاتجاهين ما يهدف إلي ربطه بجذور قومية من جهة وشيعية من جهة أخرى، تلتقيان عند حد تعزيز الجذور القومية بالمذهبية، كما أن البعض يرى أن هذه الجذور قد أسهمت في إيجاد مبرر لمحاربته لأهل السنة، المتمثلين في الأوزبك والتركمان في الشرق والعثمانيين في الغرب منذ بداية تأسيس هذه الدولة.
وفي الوقت الذي كانت فيه اللغة الأزربيجانية، لغة كبار الدولة بالنظر إلى انتماء قادتها للعنصر الأزربيجاني، كما اتجهت بعض الروايات، كانت اللغة الفارسية العرقية هي اللغة الرسمية لهذه الدولة منذ البداية، كما كانت لغة الخطابة المذهبية في المساجد، التي هاجمت الخلفاء الثلاثة الأول للنبي صلي الله عليه وسلم، أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -.
على أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذه الدولة، قد ظل رغم ذلك قويا وثابتا بين العديد من العلماء والوجهاء لفترة زمنية، وإن كان البعض منهم قد اضطر إلى الهجرة أو الهرب إلى أراضي الدولة العثمانية السنية غربا، أو أراضي الأوزبك والأفغان شرقاٌ في المراحل التي شهدت غلوّا في الصراع المذهبي ضدهم.
وقد لعب الصراع المذهبي الشيعي السني دورا بارزا في إضعاف الكيانات والقوى الإسلامية، وعدم التفاتها إلي أطماع القوى الدولية في أراضي المسلمين في هذه الفترة المبكرة، التي صاحبت ظهور الدولة الصفوية.
فحين دخل الأوزبك أراضي خراسان لضمها إليهم، وقضوا على سلطانها، حسين بيقرا آخر الأمراء التيموريين، وثبتوا أقدامهم في بلاد ما وراء النهر، ثم حاولوا دخول كابل، وقف السلطان إسماعيل الصفوي، مؤسس الدولة الصفوية الشيعية، ومن منظور مذهبي، أمامهم وأرجعهم إلى بلادهم، وأعاد سلطان كابل المهزوم إليها، ولكن لقاء ذلك فرض عليه ضرورة اعتناق المذهب الشيعي وفرضه على قومه، وارتكب العديد من المذابح لإرغامهم علي هذا الاعتناق، مما دفع أهل البلاد إلى مساندة عودة الأوزبك السنة، مفضلين سيطرتهم كمحتلين مع الاحتفاظ بمذهبهم السني، على أن يكونوا أحرارا ويفرض عليهم المذهب الشيعي.
وقد واكب هذه الصراعات نمو الدور الروسي، الذي كان على حسابها، ودون أن يوجه الصفويون جهودهم فرادى أو مجتمعين مع المسلمين السنة، كالعثمانيين، إلى هذه الجبهة، كما لم يتصلوا، أو يأبهوا بالقوى الإسلامية الأخرى، للوقوف على كان يتعرض له بالمسلمين في الأندلس من طرد وإبادة، وقد أبدى بعض المؤرخين في رصده لهذه الأحداث، تعجبا من سقوط المسلمين في الصراع المذهبي الدموي، دون الانتباه إلى نمو الدور الروسي والأوربي، الذي اتجه إلى بلادهم كنتيجة لعدم تنبههم له، وتفرد العثمانيين بدور المقاومة على كل الجبهات الأوربية شمالا وغربا والمذهبية الصفوية في الشرق.
وحين حاول أحد قادة الصفويين، وهو الشاه إسماعيل الثاني الذي تولى الإمارة في أواخر القرن السادس عشر، أن يحدَ من سطوة علماء الشيعة، بأن أبعدهم عن مواطن السلطة والتأثير، كي يمنع الوسائل المعادية للسنة، والمتمثلة في تأجيج الصراع المذهبي وسب الخلفاء وغير ذلك، وقفت في وجهه العديد من القوى الشيعية والقوميات المتعصبة، وحاولوا ثنيه عن موقفه، ولما رفض الخضوع لهم، وواصل محاولاته لإقناعهم بأهداف توجهه، وما قد يؤدي إليه من تلاقي المسلمين وتوحدهم، كادوا له ودبروا حتى تمكنوا من قتله وهو لم يزل صغيرا وفي بدايات حكمه.
ولعل في ذلك ما يشير إلى وجود معتدلين من الشيعة، من الممكن أن يشاركوا في التقارب أو التلاقي المذهبي الديني، إلى جانب متعصبين يغلّبون البعد القومي على حساب البعد الإسلامي في علاقتهم مع الجناح السني.
وظلت الغلبة لأتباع التوجّه القومي المذهبي الشيعي الذين استمروا في إعلان عدائهم لأهل السنة خلال المراحل المتتالية حتى العصر الحديث، إلى أن تحول اسم الدولة من فارس إلي إيران 1935م، فإيران مشتقة من الانتماء للشعوب الآرية التي هاجرت واستوطنت منطقة بلاد فارس في العصور القديمة، ومعناها موطن الآريين، ولم يكن هذا الاسم يستخدم في العصور الإسلامية، فاستخدم اسم فارس إلى أن استبدله الشاه محمد رضا بهلوي إلى إيران، تكريسا لبعد قومي أكثر تعصباٌ، أو تتويجا لتوجّه عام له جذوره التاريخية، سواء في اسم إيران أو في اسم بهلوي.
ولعل نمو التيار القومي العربي وظهوره علي المسرح السياسي في الجناح الإسلامي السني في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لم يغير في تبلور التيار القومي الإيراني، لكن غلوّ التيارين قد لعب دورا واضحا، إلى جانب عوامل أخرى تتصل بالقوى الاستعمارية، في الصدام العسكري بين أحد أقطاب المد القومي العربي، وهو صدام حسين، مدعوما بالقوى العربية، وبين الثورة الإسلامية الإيرانية، التي سعت للتقليل من الغلو القومي والمذهبي في بلادها، إلا أن هذا الحدث قد أسهم في استمرار قدر كبير من أدبيات الغلوّ القومي الإيراني والمذهبي الشيعي، الذي حاولت الثورة الحد منه عند بداية قيامها.
وبالتالي، فإن استمرار النزعة القومية الإيرانية في بعض أدبيات الثورة الإيرانية إلى الآن، والذي يراه البعض مناقضا للمنهج الإسلامي الذي تعلنه وتعليه، إنما هو في جانب كبير منه من قبيل رد الفعل على الغلو القومي العربي، الذي تجسّد في حربها معه، أكثر من كونه متصلا بالجذور التاريخية الإيرانية، وهو على الأقل ما تمليه عليهم ظروف العلاقات الدولية المعاصرة.
كما أن تواري التيار السياسي الإسلامي في الجناح السني، بسبب صدامه مع التيار القومي، قد أسهم في علو المد الإسلامي الشيعي، الذي ظهر مع الثورة الإيرانية، والذي قدم أنموذجا للتلاقي الإسلامي القومي على الساحة السياسية، دون تجاهل في التحديات التي يواجهها كما هو شأن الأنظمة السياسية السنية، وقدّم كذلك أنموذجا لديمقراطية تخصه وتتواءم مع جذوره الثقافية، متفوقا على الجناح السني، إسلاميا وسياسيا.
ورغم ذلك، فإن أبعاد التعصب المذهبي الشيعي السني قد عادت لتسطو على ساحة العلاقات الإيرانية العربية، بعد احتلال الأمريكيين لأفغانستان ثم العراق، وسقوط أحد الرموز القومية العربية السنية، وتسيّد العناصر الشيعية للساحة السياسية العراقية.
ولعل استشعار البعض من أهل السنة لدور إيراني قادم، يُغلّب فيه البعد المذهبي على البعد السياسي في مساعدة الأمريكيين على احتلال الدولتين السنيتين، العراق وأفغانستان، هو الدافع وراء اتجاه الكثير من مفكري وفقهاء السنة، لاستنهاض شعوبهم لمساعدة الأمريكيين في ضرب إيران، قبل أن يستفحل دورها العسكري والنووي، الذي سيطلق يدها في المنطقة، والذي سيكون على حساب الجناح السني.
وبنفس القدر، يندفع بعض فقهاء وسياسيي الشيعة للهجوم علي أهل السنة من منظور مذهبي وسياسي، بشكل سمح للقوى الدولية المعادية في حقيقتها للجناحين معا، لأن تستثمر العديد من تراكمات هذا التراشق وخزائنه الممتلئة بالدلائل بجذوره التاريخية والمعاصرة، وأصبحت هذه القوي الدولية تجيد اللعب في دفع القوي الإقليمية الإسلامية إلى التصادم أو الهدوء وفق ما يتفق ومصالحها في المنطقة.
ومن الأمثلة التي رصدها بعض كتّاب الجناح السني حول تأكيد استمرار الغلوّ القومي والمذهبي الإيراني، وجود قبر أبو لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، والذي يطلق عليه (بابا شجاع الدين) في أحد ميادين مدينة كاشان الإيرانية، واستمرار وجوده كمقام يزوره الإيرانيون إلى الآن.
وطرح البعض الآخر من الكتّاب السنة في معرض هجومه على الشيعة، تساؤلاٌ حول سبب تعظيم الإيرانيين الشيعة لأبناء الحسين بن علي - رضي الله عنه - دون بقية أبناء - رضي الله عنه -، كالحسن بن علي وأبو بكر بن علي وعثمان بن علي وأبو بكر بن الحسين وعمر بن الحسين وعثمان بن الحسين وأبو بكر وعمر أبناء الحسن، رغم أن بعضهم قد استشهد في كربلاء مع الإمام الحسين.
ورأى هؤلاء أن السبب في تعظيم الحسين وحده، يرجع إلى أن زوجته كانت فارسية، فهي شهر بانو ابنة يزدجرد آخر ملوك الفرس التي تزوجها بعد معركة القادسية، وأن رفضهم تعظيم من يحمل أسماء الخلفاء الثلاثة، رغم استشهاد بعضهم، يؤكد التأثير الفارسي القومي الذي يفوق التأثير المذهبي.
واستدل هذا البعض ممن ينتصر لهذا التفسير، بما ذكره أحد الباحثين الشيعة المقيم في فرنسا، وهو محمد علي أمير معزي، من أن المفاهيم الأساسية من الزردشتية القديمة قد دخلت في التشيّع، حتى في بعض الجزئيات الصغيرة، فأصبح زواج الحسين من ابنة آخر ملوك ساسان، رمزا لإيران، بحيث أصبحت تلك الفتاة هي الأم الأولى لجميع أئمتهم، وقد انعقد بها عقد الأخوة بين التشيع الإسلامي وإيران المجوسية القديمة.
ورصد هذا البعض أيضا استمرار التعصب القومي والمذهبي في إيران حتى بعد قيام الثورة الإسلامية، حيث ورد على لسان أحد قيادات الثورة من طلاب جامعة طهران، وهو مهاجري نجاد، في خطبة عامة أن "عمر الحضارة الإيرانية يمتد إلى ما قبل ثلاثة آلاف سنة، وأن الذين يريدون أن يتجاهلوا هذا التاريخ ويختصروه في ألف وأربعمائة سنة، وهو عمر الدعوة الإسلامية، إنما يريدون أن يسحقوا هويتنا وينهوا وجودنا".
كما أن دستور إيران الذي أقرته الثورة، يؤكد بأن الإسلام هو دين الدولة على المذهب الجعفري الإثنا عشري، وفي نفس الوقت أن يكون رئيس الدولة فارسيا، وهو أمر يستدل به البعض على أنه تأكيد للبعد العرقي والمذهبي لهذه الثورة.
وبغض النظر عن الدوافع والأهداف التي تقف وراء هذا التوجه، الذي يسهم في تعميق العداء بين جناحي العالم الإسلامي، والمدعوم من أعدائهم، إلا أن الغلوّ القومي الإيراني والغلوّ المذهبي كذلك، هو حقيقة واضحة تشكّل أساساٌ في التكوين الثقافي للإيرانيين، بالشكل الذي قد يسهم في تحديد وتوجّه سياسة قادتهم تجاه العرب أو غيرهم من العالم السني.
وفي المقابل، هناك توجّه بين السنة المسلمين، يحصر استقراءه للأحداث وتحليلها في زاوية التحليل المذهبي الضيق، ويسعى للتأثير بها علي صانعي القرار السياسي، وهي أمور ينبغي إدراكها في استقراء العلاقات العربية الإيرانية، أو الإسلامية الإسلامية.
27-11-2007م