فقه المعاملات المالية المعاصرة (1) أحكام الأوراق المالية
الشيخ سعد بن تركي الخثلان
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد:
فحديثنا في هذا الدرس هو عن موضوع من موضوعات المعاملات المالية المعاصرة، وهو في غاية الأهمية نظرا لمعايشته لواقع النّاس؛ ولكثرة الأسئلة والاستفسارات حوله يحتاج إلى شيء من التقعيد والتأصيل الذي إذا فهم فإنه يمكن من خلاله معرفة أحد المسائل التي تطرح وتعرض.
سنتحدث إن شاء الله - تعالى -عن "أحكام الأوراق المالية" التي هي الأسهم والسندات، ثم ننتقل للحديث عن "الشركات المساهمة" وما الذي يباح منها وما الذي لا يباح، ثم ننتقل للكلام عن "الصناديق الاستثمارية" وحكمها.
وهذا الموضوع كما ترون هو حديث الساعة كما يقال، حيث انصرف كثير من الناس إلى التعامل بالأسهم، بل ربما أمضوا كثيرا من أوقاتهم إلى هذه التعاملات، بل ربما اقتطعوا جزءا من أوقات عملهم المطالبين به إلى متابعة الأسهم وارتفاعها أو انخفاضها ونحو ذلك.
وقد اختلفت الفتاوى الموجودة والقائمة اختلافا كثيرا وأصبح بعض العامة عنده شيء من الاضطراب، حيث يري هذا الاختلاف ولا يستطيع التمييز بينها، فمن قائل بحل، ومن قائل بالحرمة، فمثل هذا الموضوع موضوع في غاية الأهمية يحتاج إلى تأصيله وإلى معرفة آراء العلماء المعاصرين فيه وإلى أدلتهم، ثم مناقشة هذه الأدلة مناقشة علمية، ثم بيان القول الراجح في المسألة حسب ما يقتضيه الدليل والقواعد الشرعية.
إذا قيل الأوراق المالية: عندنا الأوراق المالية، والأوراق التجارية، والأوراق النقدية.
فإذا قيل الأوراق المالية فالمقصود بها الأسهم والسندات، ولهذا إذا قيل: سوق الأوراق المالية يعني سوق الأسهم والسندات،
وأما الأوراق التجارية: فهي الكمبيالات والشيكات والسندات لإذن، على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال. وهذه إن شاء الله أيضا سنتكلم عنها في درس قادم.
والأوراق النقدية هي معروفة العملات النقدية، عندنا هنا مثلا هنا في المملكة الريالات، وفي غير المملكة عمل كثيرة الدولار واليورو، الجنيه إلى آخره، وهذه أيضا -الأوراق النقدية- أيضا سنتكلم عنها إن شاء الله في درس قادم.
الذي سنبدأ الحديث عنه هو "الأوراق المالية" التي تعني الأسهم والسندات.
الأسهم نريد أن نعرف الأسهم ما المقصود بها؟ والسندات ما المقصود بها؟ وما الفرق بينهما؟
الأسهم: جمع سهم، وهو حصة في رأس مال شركة، هذا معنى الأسهم، وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال، نوضح هذا بمثال بسيط:
نحن معشر الموجودين في هذا المسجد لو اتفقنا على تكوين شركة أو إنشاء مكتبة، وقلنا هذه المكتبة نريد من الجميع الاشتراك فيها على شكل أسهم، والسهم مثلا خمسمائة ريال، فمنا مثلا من يساهم بسهم ومنا من يساهم بسهمين أو بعشرة أو أكثر أو أقل، فنحن مجموع هذه الأسهم نكون هذه الشركة. هذا هو المقصود بالأسهم؛ ولهذا مثلا تجد الشركات المساهمة هي من هذا القبيل، تجد شركة زراعية صناعية، لكن الأسهم فيها كثيرة جدا؛ ولذلك يكون رأس المال ضخما بالملايين، وسنعود للكلام عنها عندما نعرف الشركات المساهمة، لكن فقط هذه نبذة مختصرة حول معنى السهم.
وأما السند فمعناه أو تعريفه: هو صك يتضمن تعهدا من المصرف أو الشركة ونحوهما لحامله بسداد مبلغ مقرر في تاريخ معين نظير فائدة، إذن هو صك يتضمن تعهدا من مصرف أو من شركة ونحوهما لحامله بسداد مبلغ مقرر في تاريخ معين نظير فائدة، بسبب قرض عقدته شركة أو هيئة قد تحتاج إلى مبلغ من المال لتوسيع أعمالها.
فالمعنى إذن أن هذه الهيئة أو الشركة أو البنك أو المؤسسة تحتاج إلى مبالغ نقدية فتطرح سندات تقول: من دفع قيمة هذا السند فنعطيه هذا السند وهذا السند يتضمن فائدة ربوية؛ يعني يقولون مثلا: أعطنا الآن عشرة آلاف ونعطيك سندا بأحد عشر ألفا يحل بعد سنة، هذا هو المقصود بالسندات.
وتستفيد هذه المؤسسة أو الجهة أو الهيئة تستفيد أنها تحصل على ما تريد من المبالغ من الجمهور، والجمهور هنا - يعني - الذي يتقدم لهم هنا يريد أن يحصل على هذه الفوائد من هذه السندات، فيعطيهم مثلا عشرة آلاف ويعطونه سندا بأحد عشر ألفا بعد سنة، والجمهور قد يكون من جهة أخرى، المقصود أن هذه هي طبيعة السندات.
تلاحظون أن السندات لا تنفك من الفوائد الربوية؛ يعني الفوائد الربوية ملازمة للسندات، لا يمكن أن يوجد سند بدون فائدة ربوية؛ لأنه لو وجد أصبح قرضا حسنا، وهذا ليس من خلق البنوك القرض الحسن.
الفرق بين الأسهم والسندات
ومن خلال هذين التعريفين نستطيع أن نفرق بين الأسهم والسندات، نستطيع أن نفرق من وجوه:
الوجه الأول: أن السهم يمثل جزء من رأس مال الشركة، فحامله يعتبر مالكا لجزء من الشركة، فأنت عندما تملك مثلا جزءا من أي شركة من الشركات فأنت في الحقيقة أحد ملاك هذه الشركة شئت أم أبيت، نفترض مثلا أنك امتلكت أسهما من شركة "سابك" مثلا فأنت أحد ملاك هذه الشركة، يعني قد تكون واحدا من مليون مثلا أو من خمسة ملايين أو من أكثر أو أقل، لكن أنت أحد ملاك هذه الشركة، أما السند فهو يمثل جزءا من دين على الشركة فالشركة مدينة لحامله.
الفرق الثاني: أن السند له وقت محدد لسداده، فيحدد بأن هذا السند سوف تقوم الشركة بسداده بفائدة في وقت في تاريخ معين، وأما السهم فلا يسدد إلا عند تصفية الشركة.
الفرق الثالث: أن صاحب السهم شريك في الشركة ويتعرض للربح والخسارة تبعا لنجاح الشركة أو فشلها، وقد يربح ربحا كثيرا وقد يخسر خسارة كبيرة، فهو يقاسم الشركة نجاحها أو فشلها، وأما صاحب السند فإن له فائدة ثابتة مضمونة لا تزيد ولا تنقص وليس معرضا للخسارة.
الفرق الرابع: عند تصفية الشركة تكون الأولوية لحامل السند؛ لأنه يمثل جزءا من ديون الشركة أما حامل الأسهم فلا يكون له إلا ما فضل بعد أداء ما عليها من ديون.
هذه الفروق الأربعة بين الأسهم والسندات.
وأما الحكم فظاهر أن السندات أنها محرمة؛ لأنها قرض بفائدة، ولا إشكال عند جميع العلماء المعتبرين المعاصرين في تحريم السندات؛ لكونها تمثل قروضا بفائدة.
وانتبه، لهذه السندات بعض الشركات المساهمة ربما تلجأ إليها، هناك شركات كبيرة قائمة الآن في السوق عندها سندات بمبالغ كبيرة، وهذه السندات كما قلنا: لا إشكال في تحريمها؛ لأنها بالحقيقة تمثل قروضا بفائدة، لا إشكال في تحريمها، ولكن الكلام هو عن الأسهم هي التي تحتاج إلى شيء من البيان والتفصيل.
وعندما نتحدث عن الأسهم هذا يفضي بنا إلى الحديث عن الشركات المساهمة، وقبل أن أتحدث عن الشركات المساهمة نحتاج إلى أن نأخذ نبذة في أحكام الشركة وأنواعها في الفقه الإسلامي، وقد بحث فقهاؤنا - رحمهم الله - هذه الأحكام على وجه مفصل، فلا تكاد تجد كتاب فقه إلا وقد تضمن أحكاما كثيرة للشركة، والشركة كانت موجودة من قديم الزمان عند الأمم السابقة، وقد ذكر الله - تعالى -ذلك في سورة (ص) في قصة داود "وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ - يعني الشركاء - لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ "ويقسمها الفقهاء إلى: شركة عقود، وشركة أملاك.
ويعرفون الشركة بأنها: اجتماع في استحقاق أو تصرف.
فقولهم: اجتماع في استحقاق: يريدون به شركة الأملاك، وهي أن يكون بين شخصين فأكثر اشتراك في ملك من الأملاك، كأن يكون بينهم مثلا اشتراك في ميراث، يموت شخص ويترك ورثة فهم مشتركون في هذا الميراث، ومنه قول الله - عز وجل - في الإخوة لأم: "فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ" وهذا القسم ليس هو المقصود في هذا الباب، ولا يريده الفقهاء عندما يبحثون أحكام الشركة، إنما المقصود القسم الثاني وهو شركة العقود، وهو المراد بقولهم بالتعريف: اجتماع باستحقاق أو تصرف، فقولهم: أو تصرف يريدون به شركة العقود، ومعناها أن يتعاقد شخصان فأكثر بعمل ومال، أو عمل من أحدهما ومال من الآخر أو العكس، ويقسم الفقهاء الشركة إلى أربعة أقسام: نحن الآن سنذكر هذه الأقسام ثم ننتقل للشركات المساهمة وننظر تدخل تحت أي قسم من هذه الأقسام.
أقسام الشركة عند الفقهاء:
القسم الأول: شركة العنان: ومعناها أن يشترك كل منهما - من الشريكين أو من الشركاء - بمال وعمل، فلا بد من مال وعمل مثال ذلك: اشترك اثنان في محل، ولنقل مثلا محل بيع خضار أو بيع سلع، وكل منهما دفع عشرين ألفا؛ لتكوين رأس مال هذا المحل واتفقا على التناوب على العمل في هذا المحل، أحدهما مثلا في الفترة الصباحية والآخر في الفترة المسائية، فهنا كل منهما بذل مالا وعملا، هذه الشركة تسمى شركة العنان.
القسم الثاني: شركة المضاربة: بأن يكون من أحدهما المال ومن الآخر العمل، مثال ذلك: أعطيك مثلا مائة ألف ريال، أقول: خذ هذا المبلغ واعمل به في كذا، والربح بيننا أنصاف، أو لي من الربح مثلا ستون في المائة ولك أربعون في المائة، فمني المال ومنك العمل هذه تسمى شركة مضاربة وهذه سنحتاج لها عندما نكيف صناديق الاستثمار، إذا هذا هو القسم الثاني.
القسم الثالث من أقسام الشركة عند الفقهاء: شركة الوجوه: ومعناها أن يشتركا فيما يأخذان بوجوههما عند الناس، يعني ليس لهما مال ولكن يأخذان من الناس بوجاهتهما وثقة الناس فيهما، ويشتركان فيما يأخذان من الناس ويعملان فيه، هذه تسمي شركة الوجوه.
والقسم الرابع: شركة الأبدان: وذلك بأن يشتركا بأبدانهما في عمل أو أعمال، كأن يشتركا مثلا فيما يحصلاه مثلا من صيد أو احتطاب أو نحو ذلك، يعني عاملان يعملان وقالا: نحن نجمع ما نحصله من هذا العمل ونشترك فيه، هذا يسمى شركة أبدان.
إذا هذه أقسام الشركة عند الفقهاء: شركة العنان والمضاربة والوجوه والأبدان.
بعض الفقهاء يضيفون قسما خامسا، وهو في الحقيقة يرجع إلى الأقسام الأربعة السابقة
وهي شركة المفاوضة: بأن يفوض أحدهما الآخر في أعمال الشركة لكنها في الحقيقة ترجع إلى الأقسام الأربعة.
القاعدة في الشركات: هي أن الملك والربح على حسب ما اتفقا عليه الشريكان أو الشركاء، الملك والربح على حسب الاتفاق، وأما الخسارة فإنها تكون على رب المال، هذه القاعدة في باب الشركة، فإذا الملك لا يحدد بقدر معين، لو أن أحدهم مثلا بذل ثلاثة أرباع الشركة والآخر الربع فلا بأس أو العكس، أو أحدهما النصف والآخر النصف أو أحدهما الثلث والآخر الثلثان، كذلك الربح على حسب ما اتفقا عليه، لو أن أحدهما اشترط أن يكون له مثلا من الربح ثمانون في المائة والآخر اشترط أن يكون له عشرين في المائة أو العكس، أو أن هذا له خمسين في المائة وهذا له خمسين في المائة، المقصود أن الربح على حسب ما اتفقا عليه، أما الخسارة فإنها على رب المال تكون على رب المال، وأما المضارب الذي هو العامل في المضاربة مثلا ليس عليه خسارة، نعم في شركة العنان تلحق كل منهما الخسارة باعتبار أن كل منهما له مال وعمل، لكن في شركة المضاربة الخسارة على رب المال أما المضارب ليس عليه خسارة؛ لأنه قد خسر في الحقيقة جهده ففي مثالنا السابق لو أعطيت شخص مائة ألف ريال وقلت له: اعمل فيها أو شغلها في كذا، فخسر فأنت الذي تتحمل الخسارة أما هو لا يتحمل شيئا من الخسارة مطلقا، إلا إذا تعدى أو فرط بل يقبل قوله في الخسارة لو قال: أنا خسرت يقبل من غير بينة، لكن بيمين؛ لأن المضارب أمين، ومعنى كونه أمينا أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، وبهذا نعرف أن ما يفعله بعض الناس من اشتراط عدم الخسارة أنه شرط غير صحيح، بعض الناس يقول أنا عندي مثلا مائة ألف ريال أعطيك إياها تشغلها تستثمرها لي، هذا تكييفا عقد مضاربة، ولكن يقول: بشرط أن الخسارة تكون عليك أنت أيها المضارب، فما حكم هذا؟ نقول: هذا الشرط غير صحيح، واختلف العلماء هل - مع اتفاقهم أن هذا الشرط غير صحيح اختلفوا - هل يبطل الشركة أم أن الشركة تصح مع بطلان الشرط؟
فجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة على أن الشركة صحيحة وأن الشرط باطل، وذهاب الشافعية إلى بطلان الشركة، فقالوا: إن هذا الشرط يؤثر على إبطال الشركة، والصحيح هو قول الجمهور في هذه المسألة؛ لأن الأصل في العقود والشروط والشركة الأصل هو الصحة، فنقول: الشركة صحيحة ولكن هذا العقد وهو اشتراط عدم الخسارة شرط غير صحيح، وحتى لو قال: الخسارة بيننا فالمضارب لا يتحمل شيئا من الخسارة إنما الخسارة كلها تكون على رب المال.
إذا هذه هي أقسام الشركة عند الفقهاء.