فقه المعاملات المالية المعاصرة (4) مسائل متعلقة بشركات المساهمة

الشيخ سعد بن تركي الخثلان

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

تكلمنا بالأمس عن الأوراق المالية التي هي الأسهم والسندات عن حقيقتها وعن تكييفها الفقهي، وانتقلنا منها للكلام عن الشركات المساهمة، وذكرنا أنواعها وفصلنا الكلام في الشركات المختلطة التي أصل تعاملها مباح، لكنها تتعامل بالربا إقراضا أو اقتراضا ثم انتقلنا للكلام عن الصناديق الاستثمارية الخاصة بالأسهم، وبقي جملة من المسائل المتعلقة بهذا الموضوع نستكملها ثم ننتقل إلى موضوع آخر نقول - فيما يتعلق بالشركات المساهمة - نقول: إن الأنظمة في جميع دول العالم تفرض على الشركات المساهمة تخصيص جزء من أرباحها ليكون احتياطيا لها، وهو ما يعرف بالاحتياطي النظامي، وعندنا هنا في المملكة نص نظام الشركات السعودي مادة رقم مائة وخمسة وعشرين على أنه يجب على مجلس الإدارة تجنيب عشرة في المائة من الأرباح الصافية كل سنة؛ لتكوين احتياطي ويجوز للجمعية العمومية أن توقف هذا التجنيب متى ما بلغ هذا الاحتياطي نصف رأس المال، إذاً مفروض على الشركات أن تجعل احتياطيا من الأرباح كل سنة، من الأرباح الصافية كل سنة بمقدار عشرة في المائة على الأقل، وهذه النسبة قد تكون كبيرة في بعض الشركات، وهل الشركات تضع هذا المبلغ في حسابات جارية ولا تأخذ عليها فوائد، أم أنها تضع هذا المبلغ في الودائع الآجلة وتأخذ عليها فوائد ربوية.

الواقع أن الشركات إلا ما ندر تضعها في حساب الودائع الآجلة وتأخذ عليها فوائد ربوية هذا حال الشركات إلا ما ندر؛ لأنهم يرون أنهم لو وضعوها في حسابات جارية بدون أخذ فوائد ضيعوا عليهم هذه الأرباح أو يسمونها الفوائد، الفوائد الربوية التي يسمونها أرباحا، فهذه الشركات تضعها في حسابات الودائع الآجلة وتأخذ عليها فوائد، وهذا هو حال معظم الشركات، ولهذا نقول: إنه يجب على المساهم أن يتحرى وأن يسأل عن أعمال الشركة التي يريد المساهمة فيها؛ لأن أعمال الشركات - وإن كانت من حيث الأصل محمولة على الصحة والسلامة - إلا أن هذا الأصل قد نازعه ظاهر قوي وهو غلبة الإيدع والاقتراض بفوائد، ولهذا نستطيع أن نقول: إن الأصل هو جواز الدخول في المساهمات التي تتعامل بأمر مباح، لكن مع ذلك نقول الآن مع الواقع الذي تعيشه الشركات المساهمة الآن أن الأصل في هذه الشركات الآن هو التعامل بالربا، الإقراض أو الاقتراض بالربا؛ ولهذا ينبغي الحذر، لا يدخل الإنسان في شركة بناء على أن الأصل هو جواز الإسهام في الشركات؛ لأن الآن أصبح الأصل في الشركات المساهمة هو التعامل بالربا الإقراض أو الاقتراض بالربا، هذا هو الأصل وهذا هو حال معظم الشركات، ولهذا يتعين على المساهم أن يتأكد قبل دخوله في أية مساهمة من أن هذه الشركة لا تتعامل بالربا؛ لأن المسلم مسئول عن ماله يوم القيامة من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وبعض الناس يقول: أنا لا أدري عن واقع الشركة أدخل فيها ولا أدري، وهم فقط يقولون يعني: ضع أموالك عندنا في البنك ونعطيك أرباحا إن ربحت الشركة، لكن نقول: إن هذا لا يعفيه من المسئولية ولا يبرئ ذمته، لأن الأصل الآن في الشركات هو التعامل بالربا، ولذلك لا يدخل في أية مساهمة حتى يتأكد من خلو هذه الشركة من التعامل بالربا؛ لأن الربا أمره عظيم جدا عند الله - عز وجل - وقد أذن الله - تعالى -آكل الربا بالحرب ولعن النبي - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وهو أشد من الخمر وأشد من الزنا، ولهذا فعلى المسلم أن يكون حذرا من أن يقع في الربا من حيث لا يشعر.

وبعض الناس يقول بأن الجهة الفلانية أو بأن شخصا يقول: أعطني مالك ولك في نهاية كل شهر أرباح، ثم يأتي ويستفتي العلماء، ومثل هذا الاستفتاء لا يمكن أن يجاب عنه جواب صحيح لأنه يطرح عليه السؤال فيم تشغل أموالك؟ أما كون الإنسان يقول: أعطي فلان أموالي ولا أدري عنها كيف تشغل هذه الأموال وكيف تستثمر، خاصة في هذا الزمن الذي قد كثر فيه الربا وعظمت فيه الجرأة عل الربا، فإذًا لا يعفي الإنسان أن يعطي جهة أو مؤسسة أو شركة أو فردا ماله ولا يدري كيف يستثمر، لا بد من أن يعرف كيف يستثمر.

وقول بعض الناس بعض المستثمرين لمن سألهم عن ذلك يقول: هذا سر المهنة لا تسأل ما لك إلا أرباح في نهاية الشهر هذا ليس بصحيح، هذا غير مقبول؛ لأن في الوقت الحاضر انتشر الربا وكثر، وعظمت الجرأة عليه، فمن حق هذا الشخص أن يعرف كيف تستثمر أمواله، وقد رأيتم ورأينا شركات توزع الأرباح قبل تشغيلها وقبل إنشاءها وقبل قيامها، كيف يمكن هذا أن توزع الأرباح على المساهمين قبل أن تبدأ الشركة، قبل أن - يعني - تنهض هذا معناه أن أموال المساهمين وضعت في بنوك وأخذت عليها فوائد ثم وزعت الفوائد على المساهمين.

نحن ذكرنا بالأمس رأي العلماء في حكم الدخول في الشركات المساهمة التي أصل تعاملها مباح لكنها تتعامل بالربا إقراضا واقتراضا، وذكرنا أبرز من قال بكل قول، ورجحنا القول بعدم جواز الدخول في الشركات التي تتعامل بالربا ولو بنسبة يسيرة، وذكرنا أن هذا هو رأي المجامع الفقهية، ولكن لو أخذ أحد الناس بالرأي الأول وخاصة أن من أبرز من قال به الشيخ محمد بن العثيمين - رحمه الله -، ثم سأل كيف أتخلص من الربا؟ لا شك أننا أيضا أن مع ترجيح القول الثاني نحترم أصحاب القول الأول، وهم علماء أفاضل ومجتهدون إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.

لو أن أحدا أخذ بالرأي الأول ودخل في تلك الشركات التي أصل تعاملها مباح ولكنها تتعامل بالربا، فكيف يعرف المقدار المحرم بتلك الشركات؟

الواقع أن تحديد مقدار الكسب المحرم قد يكون متعذرا، تحديد مقدار الكسب المحرم على وجه دقيق قد يكون متعذرا وذلك لأمور:

الأمر الأول: أن تلك الشركات ليست فقط تودع وتأخذ فوائد، وإنما بعضها وربما كثير منها تقترض من البنوك لتمويل أعمالها، تقترض لتمويل أعمالها ولإجراء توسعات في الشركة، فتدخل تلك القروض في أعمال الشركة نفسها فيصعب تحديدها على وجه دقيق، ثم إن من المستثمرين من يشتري الأسهم بقصد المضاربة ويصعب تحديد مقدار الكسب المحرم، ثم أيضا إذا خسرت الشركة فما هو نصيب الكسب الحرام من هذه الخسارة وخاصة إذا علمنا أن إيرادات الودائع والسندات ثابتة هذا يعني أن الخسارة على من يريد التخلص من الربا ستكون مضاعفة، ثم إن من المعتاد أن الشركة تستثمر جزءا من أموالها إما في الشركات التابعة أو في شركات زميلة أو في صناديق استثمارية أو سندات، وقد تكون تلك الأسهم لشركات ذات أنشطة محرمة أو ذات أنشطة مباحة وتتعامل بالفوائد، وحينئذ يصبح تحديد الكسب الحرام على وجه دقيق متعذرا أو شبه متعذر، ولكن نقول: إنه يتحرى ويحتاط، ويسأل قسم المحاسبة في تلك الشركات عن مقدار الربا، مقدار الإيراد المحرم والربا، وهم يعطونه نسبة ولو تقريبية، ويزيد عليها احتياطا، لأن لمعرفتها على وجه دقيق قد يكون كما ذكرنا صعبا أو متعذرا، ولكن كما ذكرت يتحرى في هذا ويخرج ما يظن أنه مبرئ ذمته أمام الله - تعالى -.

إذا اخرج الكسب المحرم أو الإيراد المحرم على كل سهم أين يضع هذا الكسب المحرم، يعني مثلا دخل في شركة مساهمة عرف بأنها تقرض أو تقترض بالربا، واستطاع أن يعرف مقدار الربا على وجه التقريب، وأراد الآن أن يتخلص من هذا الربا فأين يضع هذا الربا؟ نقول: إن هذا له عدة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن هذا الشخص يأخذ هذا الربا وينتفع به ويصبح ملكا له، وهذا الاحتمال احتمال مرفوض غير مقبول؛ لأنه يقتضي تملك الربا الناشئ عن كسب محرم، هذا الاحتمال إذًا غير وارد الحقيقة، أن الإنسان يأخذ هذا الربا ويتملكه؛ لأنه يقتضي أن يدخل ملك المسلم مال نشأ عن سبب حرام فهذا الاحتمال إذًا مرفوض.

 

الاحتمال الثاني: أنه يترك الفوائد الربوية والكسب الربوي ولا يأخذه، إنما يأخذ فقط الكسب الحلال أما الكسب الحرام يتركه مثلا في البنك وهذا أيضا غير مقبول، وإذا رجعنا إلى كلام الفقهاء في الكسب الناشئ عن الفعل المحرم كالزنا فإنهم نصوا على أن المال المدفوع في مقابل الزنا لا تستحقه البغي، لا تستحقه الزانية، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الحديث الذي رواه بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن أخرجه البخاري ومسلم.

فإذًا، والزاني لا يرد عليه المال الذي بذله في الزنا، وليس ملكا للبغي، ثم إن ترك ذلك المال المحرم للبنك مثلا أو للشركة يترتب عليه أمور منها: الإعانة على الاستمرار في الربا والتجرأ عليه؛ لأنه في الحقيقة يكون كأنه قد كافأهم على هذا العمل وترك لهم هذا المال، تصور أن مجموعة من الناس فعلوا ذلك، ثم إن المسلم مسئول أمام الله - عز وجل - عما تسبب فيه من إيجاد الحرام، مسئول أمام الله - تعالى -عما تسبب فيه من إيجاد الحرام، وتركه لهذا المال هو في الحقيقة تهرب، هو الآن ارتكب خطأ وحصل له مال محرم، وارتكب خطأ وكونه يتركه في البنك ولا يستلمه هو في الحقيقة تهرب لا يعفيه من المسئولية؛ لأنه هو الذي تسبب في إيجاد هذا المال المحرم، ثم إن المصرف أو البنك لا يعد مالكا لهذه الفوائد لا على حسب قوانينه ولا بمقتضى الأحكام الشرعية فبأي حق تترك هذه الأموال، إذا عرفنا الاحتمال الأول أنه يأخذها ويتملكها وينتفع بها مرفوض، الاحتمال الثاني أنه يتركها للبنك أيضا مرفوض.

 

الاحتمال الثالث: أنه يأخذها ولا ينتفع بها بل يتلفها أو يحرقها أو يرميها في البحر كما يقال، وهذا أيضا مرفوض؛ لأن هذا فيه إضاعة للمال، والمسلم منهي عن إضاعة ماله، فكونه يأخذها ويتلفها أيضا هذا غير مقبول ومرفوض خاصة أن المبلغ ربما يكون كبيرا ربما يكون ملايين، إذًا لم يبق إلا الاحتمال الرابع: وهو أنه يأخذها ويتصدق بها في وجوه البر، وهذا هو الاحتمال الذي يتعين المصير إليه، لكن هنا لا بد من أن نقيد هذا التصدق بأن يكون بنية التخلص لا بنية التقرب؛ لأن الله - تعالى -طيب لا يقبل إلا طيبا، فإذًا يتصدق بها بنية التخلص في وجوه البر.

إذًا عندنا أربع احتمالات، الاحتمال الأول: أنه يأخذها ويتملكها وينتفع بها وقلنا هذا مرفوض.

الاحتمال الثاني: أنه يتركها للبنك وهذا أيضا مرفوض، وعرفنا الأسباب.

الاحتمال الثالث: أنه يأخذها ويتلفها إما بحرقها أو بإتلافها بأي صورة من صور الإتلاف وهذا أيضا مرفوض؛ لأنه إضاعة للمال.

الاحتمال الرابع: أنه يأخذها ويصرفها في وجوه البر بنية التخلص، وهذا هو الذي يتعين المصير إليه.

وهل يجوز أن يتصدق بها على الفقراء والمساكين؟ نقول: نعم، يتصدق بها على الفقراء والمساكين، ولا يقال: إن هذا مال خبيث كيف يتصدق به على فقير أو مسكين؟ نقول: لأن تبدل الملك سبب لتبدل الذات، وهذه قاعدة، قاعدة فقهية: أن تبدل الملك سبب لتبدل الذات، ويدل لهذه القاعدة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: هو لها صدقة ولنا هدية لما تصدق على بريرة فأهدت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل: يا رسول الله إنها صدقة، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الصدقة فقال: هو لها صدقة ولنا هدية فإذا أهدى الفقير هدية بصدقة تصدق بها عليه فإنها تصبح هدية ولا تصبح صدقة؛ لأنه بمجرد تملك الفقير الصدقة أصبحت ملكا له ولم تعد صدقة، فله أن يتصرف فيها إما بإهداء أو بيع أو نحو ذلك.

فتبدل الملك سبب لتبدل الذات، وهكذا أيضا نقول: هذا الشخص عنده هذا المال حرام إذا أعطاه لفقير هنا تبدل الملك، فيعتبر للفقير حلالا بينما لهذا الشخص كان في حقه حراما، ومما يدل لهذا أن الإنسان يتعامل مع غيره وربما يكون هذا المتعامل معه ربما يكون هذا المال الذي يتعامل به معه محرما، ربما يكون هذا المال مثلا مسروقا.

لو ذهبت واشتريت سلعة من شخص، نعم بعت سلعة على شخص وأخذت منه دراهم ولم تعلم بأن هذه الدراهم التي أعطاك إياها أنها مغصوبة مثلا أو مسروقة فإنه لا شيء عليك، أو حتى لو أخذها من طريق ربوي ولم تعلم أنت بهذا، وإلا لو قلنا بأن كل شخص عليه بأن يتتبع مصدر هذا المال للحق الناس حرج عظيم، فتبدل الملك إذا سبب لتبدل الذات، إذا لا بأس بأن تعطى الفقراء والمساكين.

ومما يدل لهذا أنه لو أن شخصا عنده مال وهذا المال محرم لكسبه ثم توفي، فإنه يصبح لورثته مباحا يصبح لورثته حلالا؛ لأن تبدل الملك سبب لتبدل الذات، فلو كان شخص يتعامل بالربا ثم توفي، فإنه تكون أمواله كلها مباحة للورثة، وهذا في قول عامة أهل العلم.

فإذاً لا بأس بأن يعطي هذا المال الفقراء والمساكين، أو يتصدق بها في أي وجه من وجوه البر والإحسان وما ينفع المسلمين.

وقول بعض من العلماء: إنه لا يتصدق بها إلا في دورات المياه، المساجد، ونحو ذلك، هذا محل نظر؛ لأنه لا دليل على هذا القول، ولأن هذا المال كما ذكرنا تغير وتبدل ملكه، يعني تغير حقيقته وتكييفه، يعني القول بأنه لا يتصدق به إلا في مثل هذه الأمور ليس عليه دليل، والصواب أنه يتصدق به في أي وجه من وجوه البر، ولا بأس بأن يعطيه الفقراء والمساكين هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

 

مسألة زكاة الأسهم كيف تزكى؟

وهذه المسألة عن زكاة الأسهم قد بحثها مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وأصدر فيها قرارا، وذلك خلاصة القرار: أنه تجب زكاة الأسهم على أصحابها وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنهم، إذا نص نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة.

الأصل أن هذه الشركات هي التي تخرج الزكاة وإذا أخرجت الزكاة لم يلزم المساهمين أن يخرجوها مرة ثانية؛ لأن المال لا يزكى مرتين، وعندنا في المملكة الدولة - وفقها الله - تلزم الشركات بإخراج الزكاة، فإذا علمت بأن هذه الشركة التي ساهمت فيها أنها قد أخرجت الزكاة لم يجب عليك أنت أيها المساهم أن تزكي هذه الأسهم؛ لأن هذا المال قد زكي، ولا يزكي المال مرتين.

ثانيا: تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد، وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار، يعني تعتبر أموال هؤلاء المساهمين كأنها مال شخص واحد، وتخرج بناء على هذا الاعتبار.

أما إذا لم تخرج الشركة الزكاة لأي سبب من الأسباب، ساهمت في شركة وتعلم بأن الشركة لم تخرج الزكاة، فالواجب حينئذ على المساهمين إخراج الزكاة، وتكون زكاة الأسهم فيها تفصيل، إذا أراد المساهم يعني أن يزكي هذه الأسهم ففي ذلك تفصيل:

فإن كان المساهم قد اقتنى هذه الأسهم بقصد التجارة، يعني يبيع ويشتري فيها فإنه يزكي رأس المال مع الأرباح، رأس المال الأسهم مع الأرباح، يعني حكمها حكم عروض التجارة.

وطريقة ذلك أن يعتبر نفسه كأنه يريد أن يبيع هذه الأسهم كم قيمتها؟ فإذا قيل: قيمة هذه الأسهم أربعون ألفا، أخرج ربع العشر وهو ألف، والمعتبر هنا قيمتها السوقية وليس قيمتها الرسمية، والمراد بقيمتها السوقية يعني كما مثلت قبل قليل، يعني قيمتها في السوق، لأن القيمة السوقية قد تكون أضعاف أضعاف القيمة الرسمية، فيعتبر نفسه كأنه يريد أن يبيع هذه الأسهم كم قيمتها؟ هذا المقصود بالقيمة السوقية، ثم يخرج ربع العشر يزكيها زكاة عروض التجارة.

أما إذا كان المساهم لا يريد بيع الأسهم، وإنما يريد الاستفادة من أرباحها فقط، هذا يحصل من بعض الناس، بعض الناس يقول: أنا ما أريد أن أبيع أسهمي في الشركة، لكن فقط أريد أن أستفيد من الأرباح فقط، أريد أن هذه الأسهم تدر علي أرباحا كل سنة مثلا، فهنا يزكي الأرباح فقط، وأما رأس مال الأسهم لا تجب فيه الزكاة، ولهذا جاء في نص القرار: فإن كان قد ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس يقصد التجارة، فإنه يزكيها زكاة المستغلات، فصاحب السهم في هذه الحال لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب عليه الزكاة في الريع، وهو ربع العشر بعد دوران الحول إلى آخره.

فإذا إذا كان لا يقصد التجارة، ولا يقصد بيع هذه الأسهم إنما يريد فقط أن ينتفع بأرباحها فإنه يزكي الأرباح فقط عند تمام الحول، أما أصل الأسهم فإنه لا تجب فيه الزكاة، وهذه المسألة محل خلاف، لكن هذا هو أحسن ما قيل في هذه المسألة.

ألخص الكلام فيها مرة أخرى أقول: بالنسبة لزكاة الأسهم: إن كانت الشركة تزكي الأسهم فيكفي ذلك ولا حاجة لأن يزكيها المساهم مرة أخرى، أما إن كانت الشركة لا تزكي الأسهم، فإنه يلزم المساهم أن يزكيها.

وهنا ننظر إن كان المساهم، يعني النية هنا لها أثر، إن كان المساهم قصد باقتناء هذه الأسهم التجارة، ويبيع فيها ويشتري فهو يزكي رأس المال، الذي هو أصل الأسهم مع الأرباح، أصل الأسهم مع الأرباح بقيمتها السوقية، إما إن كان المساهم لا ينوي بها التجارة ولا البيع، وإنما يريد الانتفاع بريعها وبربحها فقط فهنا تجب الزكاة على الأرباح فقط، ولا تجب على أصل السهم، هذا هو أرجح ما قيل في هذه المسألة، وهو الذي كما أشرت قرره مجمع الفقه الإسلامي.

هذا ما يتعلق بالأسهم. نعم س:.............

ج: أينعم الأرباح يزكيها عند تمام الحول لأن الأرباح لا يشترط فيها تمام الحول عند الفقهاء أن نتاج السائمة وربح التجارة حولهما حولي أصليهما، فهذه الأسهم التي تملكها ننظر إلى هذه الأرباح متى ما حال عليها الحول فإنه يزكيها، لكن لا تكون هذه تابعة للأصل.

هذا ما يتعلق بالأسهم والسندات التي تسمى بالأوراق المالية والشركات المساهمة، وا أيضا فرعنا عليهم الكلام عن صناديق الأسهم الاستثمارية.

أيضا ما دام الحديث في الشركات نستكمل الحديث حول شركات المضاربة. وسبق أن ذكرنا في الدرس السابق أن الفقهاء يقسمون الشركات إلى أقسام: شركات العنان، وشركات المضاربة، وشركات الوجوه، وشركة الأبدان.

وذكرنا بالأمس تعريف شركة المضاربة: وهي أن يدفع شخص مالا لمن يتجر به، ويكون الربح بينهما بحسب ما اتفقا عليه، هذا هو معنى شركة المضاربة، وهذا إما أن يكون مثلا في البنوك، ومن ذلك الصناديق الاستثمارية، فلو قدر وجود صناديق استثمارية، لا تتعامل مع شركات تتعامل بالربا، وإنما تتعامل مثلا في بضائع أو في أشياء، ولا تدخلها الربا بأي وجه من الوجوه حينئذ يكون التكييف الفقهي لها أنها مضاربة، ولا بأس بها.

كذلك أيضا بعض الناس يجمع أموال الآخرين ويستثمرها لهم إما مثلا في بناء عقار، أو في شراء وتوريد السلع وبيعها، أو في غير ذلك، فهذا يعتبر مضاربة؛ لأن هذا الشخص منه العمل، ومن هؤلاء المال فيكون هذا أيضا مضاربة، وهذا كثير اليوم.

هذه المضاربة نقول: إنه لا يجوز تحديد الربح فيها بمقدار معين من المال، بل يجب أن يكون الربح فيها مشاعا، أما تحديده بمقدار معين فهذا في الواقع يتنافى مع حقيقة المضاربة، ويجعلها قرضا بفائدة.

ففي مثالنا السابق لو أن شخصا قال: أعطني خمسين ألفا ولك كل شهر خمسة آلاف أرباحا، فإن هذا لا يجوز؛ لأن حقيقة هذا هو أنه يقول: أقرضني خمسين ألفا بفائدة، وهذه الفائدة كل شهر خمسة آلاف، فتصبح المسألة، تنقلب من كونها مضاربة إلى كونها قرضا بفائدة. إذا ما المخرج؟

نقول: اجعل الربح مشاعا فتقول: لك مثلا الربع، النصف، الثلث، لك عشرون في المائة، عشرة في المائة، خمسون في المائة من الربح حسب ما اتفق عليه.

وسبق أن ذكرنا بالأمس قاعدة في باب الشركات، وهي أن الملك أو الربح بحسب ما اتفقا أو اتفقوا عليه. فإذاً لا بد أن يكون الربح مشاعا، يعني معنى قولنا: مشاعا، يعني بالنسبة، إما الربع، الثلث إلى آخره، أو عشرين في المائة، ثلاثين في المائة. أما أن يحدد مبلغا معينا فإن هذا محرم. وهذا ما تفعله بعض البنوك يحددون أرباحا معينة، وهذا يخرج المسألة من كونها مضاربة إلى كونها قرضا بالفائدة.

ثم أيضا يجب أن تكون المضاربة هنا قابلة للربح والخسارة، فلا يُضمن الربح ولا يُضمن عدم الخسارة، فإن ضمن الربح أو ضمن عدم الخسارة أيضا أصبحت المسألة قرضا بفائدة؛لأن التجارة المشروعة هي ما تضمنت المخاطرة، ومعنى قولنا: المخاطرة يعني أنها تقبل الربح والخسارة. هذه التجارة المشروعة، أما تجارة يضمن فيها الربح أو يضمن فيها عدم الخسارة فهذه في الحقيقة قرض بفائدة.

وهذا هو الذي تمارسه بعض البنوك حيث تضمن الربح أو تضمن عدم الخسارة هذا محرم. وإن كان خاصة وفي السنوات الأخيرة بدأت ولله الحمد تصحح كثيرا من التعاملات.

أما توقع الربح فلا بأس به، إذا كان مثلا هذا الشخص المضارب يقول: أتوقع أن تكون مثلا، أن يحصل لك في الشهر ألف أو ألفين مجرد توقع فقط، وقد يصدق هذا التوقع وقد لا يصدق، هذا لا يضر لأنه مجرد إخبار قد لا يصح وقد لا يصح، لكن كلامنا في الالتزام. يلتزم لك بعدم الخسارة أو يلتزم لك بضمان بربح معين هذا هو الممنوع شرعا، وأيضا صدر في هذا قرار من مجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة، إحنا قلنا يا إخوان من أول درس منهجنا أية مسألة فيها قرارات من مجامع فقهية أو من هيئات علمية ننقل تلك القرارات؛ لأننا سبق أن قلنا: إن الاجتهاد الجماعي أقرب إلى التوفيق من الاجتهاد الفردي.

المجمع الفقهي التابع للرابطة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - أصدر في هذه المسألة قرارا في الدورة الرابعة عشرة، قرر المجمع أنه لا يجوز في المضاربة أن يحدد المضارب لرب المال مقدارا معينا من المال؛ لأن هذا يتنافى مع حقيقة المضاربة، ولأنه يجعلها قرضا بفائدة، ولأن الربح قد لا يزيد عما جعل لرب المال فيستأثر به كله، يعني مثلا لو قال لك: أربعة آلاف قد تكون الأرباح هي كلها أربعة آلاف، وحينئذ يستأثر بالربح كله، وقد تخسر المضاربة أو يكون الربح أقل مما جعل لرب المال فيغرم المضارب.

قالوا: والفرق الجوهري الذي يفصل بين المضاربة والقرض بفائدة الذي تمارسه البنوك الربوية: هو أن المال في يد المضارب أمانة لا يضمنه إلا إذا تعدى أو قصر، يعني فلا تضمن الخسارة، والربح يقسم بنسبة شائعة متفق عليها بين المضارب ورب المال، وقد أجمع الأئمة الأعلام على أن من شروط صحة المضاربة أن يكون الربح مشاعا بين رب المال والمضارب دون تحديد قدر معين لأحدهما، هذا ما يتعلق بهذه المسالة.

فإذا يجب ألا يحدد مقدار ربح، ويجب أن تكون تجارة مبنية على الربح والخسارة، تكون قابلة للربح والخسارة، فلا تضمن عدم الخسارة، ولا يضمن الربح، وأن يكون الربح مشاعا.

الخسارة من الذي يتحملها؟ الخسارة يتحملها رب المال، وأما المضارب الذي هو العامل لا يتحمل الخسارة. ففي مثالنا السابق هذا الشخص أعطيته خمسين ألفا وقلت له: تاجر بها ضارب بها والربح بيننا أنصاف لك خمسون في المائة ولي خمسون في المائة. لنفترض أن هذا المضارب خسر، فهل يتحمل شيئا من الخسارة؟ نقول: لا يتحمل؛ هو في الحقيقة خسر جهده، فلا يتحمل شيئا من الخسارة، الخسارة كلها عليك أنت رب المال.

قد نص على هذا الفقهاء - رحمهم الله -، بل ذكروا أنهم حتى لو شرط عليه، لو شرط رب المال على المضارب عدم الخسارة، فإن هذا الشرط غير صحيح، لو قال: أنا أعطيك خمسين ألفا لكن أشترط أن الخسارة عليك، وليست علي، هذا شرط غير صحيح، حتى لو قبل المضارب،

واختلف العلماء، هل هذا الشرط يبطل العقد أو لا يبطله؟ الجمهور على أنه لا يبطله، والشافعية ذهبوا إلى أنه يبطله، والأظهر هو قول الجمهور في هذه المسألة.

فإذا الخسارة يتحملها رب المال ولا يتحملها المضارب حتى لو شرط ذلك عليه، وبهذا أيضا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي أنه قد قرر: بأن الخسارة في مال المضاربة على رب المال في ماله، ولا يسأل عنها المضارب إلا إذا تعدى على المال أو قصر في حفظه، نعم، إذا تعدى أو فرط فهنا يتحمل المضارب الخسارة بسبب تعديه أو تفريطه لكن إذا لم يتعد ولم يفرط، فالخسارة إنما يتحملها رب المال؛ لأن مال المضاربة مملوك لصاحبه، والمضارب أمين عليه ما دام في يده وهو وكيل في التصرف فيه، والوكيل والأمين لا يضمنان إلا في حالة التعدي والتقصير.

والمسئول عما يحدث في البنوك والمؤسسات المالية ذات الشخصية الاعتبارية هو مجلس الإدارة؛ لأنه الوكيل عن المساهمين في إدارة الشركة، والحالات التي يسأل عنها مجلس الإدارة هي الحالات التي يسأل عنها مضارب الشخص الطبيعي، فيكون مجلس الإدارة أيضا مسئولا أمام أرباب المال عن كل ما يحدث في مال المضاربة من خسارة بتعد أو تفريط، أما إذا لم يكن هناك تعد ولا تفريط، فإن الشركة أو البنك لا يتحمل شيئا من الخسارة، وعلى المساهمين محاسبة مجلس الإدارة على التعدي أو التقصير.

فإذا عرفنا ما يتعلق بمسألة الربح والخسارة في الشركات المضاربة. هذه هي أبرز الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع - يعني الشركات - وإن كان الأمر أو الكلام أوسع من هذا، وبعض الإخوة اقترح في الأوراق التي أخذتها بالأمس أن نتوسع في الكلام عن الشركات الموجودة في النظام السعودي وشرحها وتكييفها، وفي الواقع أن هذا سيأخذ منا وقتا كثيرا وربما يكون على حساب موضوعات أخرى أهم، واحنا ذكرنا أن منهجنا في هذا الدرس هو أن نركز على المسائل الواقعية التي يحتاج إليها الناس، ولذلك نقتصر في كل موضوع على الأهم فيه؛ حتى نغطي معظم الموضوعات الموجودة والواقعية، والتي يكثر التساؤل عنها. إذا هذا ما يتعلق بالأوراق المالية وكذلك أيضا موضوع الشركات.

 

http://www.taimiah.org              المصدر: