الإسلام سبق كل الأنظمة في محاربة الفساد
عبدالقادر بن محمد العماري
الإنسان ابن عصره ووليد بيئته علما وأخلاقا وفكرا وسلوكا، والبيئة التي تلقفت الإنسان حين مولده تترك أثارها الواضحة في حياته ولا يستطيع الإنسان أن ينكر هذه العوامل على شخصيته وسلوكه وأخلاقه وثقافته ولكن قد يكون هناك انحراف عند بعض الأشخاص على الرغم مما يمكن من المحافظة على تأثير بيئته ومجتمعه فهناك من حافظ على ما تلقاه من بيئته من سلوك حسن وطاعة لله وإخلاص للحق فلا يخاف إلا الله ولا تأخذه في الحق لومة لائم يجاهد بقول كلمة الحق عند كل مناسبة ويلتزم بما يفرضه شرع الله عليه وما تفرضه العدالة والنظام والمصلحة العامة لا مجال عنده للمصالح الخاصة ولا يداهن ولا يتحايل لتحقيق الأغراض بما يخالف العدالة، وبعض الناس يزين لهم الشيطان أعمالهم فيفسدون في الأرض وتستهويهم شهواتهم في الدنيا فينغمسون في الظلم وقد يكون لأصدقائهم وأخلائهم وأقاربهم دور في ذلك فيندم يوم لا ينفع الندم: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلانا خليلا * لقد اضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} «الفرقان: 29-27».
{يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا اطعنا الله واطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيراً} «الأحزاب 68-66».
فالفساد في المجتمعات أعظم مصيبة تهلكها، وتقضي عليها، فإذا انتشر الفساد في أي مجتمع لم تعد هناك حياة في المجتمع وخسر أفراد المجتمع دنياهم وآخرتهم: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} «الروم 41».
{واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} «الأعراف: 74».
{فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} «الأعراف: 85».
فآيات القرآن التي تحارب الفساد وتنبه المفسدين وتنصح المؤمنين كثيرة ولكن مع الأسف لم يتبع المسلمون في آخر زمانهم إلا أهل الأهواء: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} «البقرة: 12-11».
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- : «أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -.
ومن آثار الرشوة على مصالح الناس ظلم الضعفاء وهضم حقوقهم أو إضاعتها أو تأخر حصولها بغير حق، بل من أجل الرشوة.
ومن آثارها أيضا فساد أخلاق من يأخذها من قاض وموظف وغيرهما وأنصاره لهواه، وهضم حق من لم يدفع الرشوة أو إضاعته بالكلية مع ضعف إيمان أخذها وتعرضه لغضب الله وشدة العقوبة في الدنيا والآخرة، فإن الله - سبحانه - يمهل ولا يهمل ولا يغفل، وقد يعاجل الظلم الظالم بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة؛ كما في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أن قال: «ما من ذنب أجدر عند الله من ان يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم».
ولاشك أن الرشوة وسائر أنواع الظلم من البغي الذي حرمه الله وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم تلا النبي - صلى الله عليه وسلم- قوله - تعالى -: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} «هود: 102».
وحكم الرشوة في الشرع حرام بالنص والإجماع وهي ما يبذل للحاكم وغيره ليميل عن الحق ويحكم لصاحبها فيما يوافق هواه.
ومن أعظم الفساد الرشوة التي يتقاضها بعض المكلفين بأعمال الناس من الموظفين وخاصة المختصين بالسلطة القضائية والإدارية الذين يجب أن تتوافر فيهم النزاهة عند توليتهم الأعمال التي يكلفون بها، وقد أحسن فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله - عندما تحدث عن الرشوة وآثارها في فتاويه بعد توجيه عدة أسئلة إليه قال: عن أثر الرشوة في المجتمع لاشك أن المعاصي إذا ظهرت بسبب فرقة المجتمع، وانقطاع أواصر المودة بين أفراده تسبب الشحناء والعداوة، وعدم التعاون على الخير.
ومن أقبح آثار الرشوة وغيرها من المعاصي في المجتمعات ظهور الرذائل وانتشارها، واختفاء الفضائل، وظلم بعض أفراد المجتمع فيما بينهم للبعض الأخر بسبب التعدي على الحقوق بالرشوة والسرقة والخيانة والغش في المعاملات وشهادة الزور ونحو ذلك من أنواع الظلم والعدوان، وكل هذه الأنواع من أقبح الجرائم.
ومن أسباب غضب الرب، ومن أسباب الشحناء والعداوة بين المسلمين، ومن أسباب العقوبات العامة، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه لعن الراشي والمرتشي.
وروى عنه - صلى الله عليه وسلم- أنه لعن الرائش أيضا، وهو الواسطة بينهما.
ولاشك أنه آثم ومستحق للذنب والعيب والعقوبة لكونه معينا على الإثم والعدوان، وقد قال - سبحانه -: {وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} «المائدة: 2».
فالرشوة وغيرها من المعاصي تضعف الإيمان، وتغضب الرب - عز وجل -، وتسبب تسليط الشيطان على العبد في معاص أخرى، فالواجب على كل مسلم الحذر من الرشوة ومن سائر المعاصي مع رد الرشوة إلى أصحابها على الفقراء مع التوبة الصادقة عسى الله أن يتوب عليهم.
ومن الفساد الغش والمعاملات فالذي يغش أو يزور فهو يرتكب أعظم المنكرات، البعض يزور فيما يكتبه من اجل الحصول على ما لا يستحقه مثل الذي يزور شهادات العلم أو شهادات الميلاد من أجل الحصول على امتيازات لا يستحقها، فهو مفسد ومجرم، وبعضهم يبيع شهادات الميلاد لعائلته من أجل من يريد المساهمة في الشركات بأسماء أصحاب هذه الشهادات مثل ما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية بالرياض عندما سئلت عن بيع شهادات الميلاد فقد جاء في الفتوى: "لا يجوز للإنسان أن يبيع شهادات الميلاد الخاصة بعائلته على شخص آخر من أجل أن يساهم في هذه الشركات بأسماء أصحاب هذه الشهادات بناء على أنهم أولاده، وهم في الواقع ليسوا بأولاده، وكذلك شهادات الجنسية، فإن منح الجنسية من الدولة للشخص وصفة تمتع الشخص بهذه الجنسية له أنظمة، وقد تختلف هذه الأنظمة باختلاف الدول فعلى من يتعامل بما ذكر أن يتقيد بأنظمة الدول بالنسبة لشهادات الميلاد وبالنسبة للجنسية إذا كانت هذه الأنظمة لا تتعارض مع الشرع الإسلامي، فإن هذا من التعاون على البر والتقوى، وقد أمر الله في قوله - تعالى -: {وتعاونوا على البر والتقوى} والخروج عن أنظمتها بما يعود على الفرد والمجتمع والدولة بالفساد من التعاون على الآثم والعدوان، وقد حرمه الله بقوله: {ولا تعانوا على الإثم والعدوان} لأن هذا كذب حرام، ولأنه من أكل أموال الناس بالباطل من الجانبين؛ لأن كل واحد منهما أخذ المال بطريق محرم وهو الكذب والغش والخيانة للدولة.
لقد أثبت تاريخ الإسلام أن العدالة فيه كانت أعظم عدالة وكان القضاء في التاريخ الإسلامي لا يماثله قضاء في التاريخ من حيث النزاهة وكفاءة القضاة والحكم بالعدل.
ومع الأسف أن نجد في هذا العصر في دولة عربية أن يدان قاض بالفساد ويحكم عليه بالسجن 25 عاما وتصادر أملاكه التي جمعها من الرشوة، ومع الأسف أن نجد اليوم في الغرب عدالة قد لا توجد في بلاد العرب والمسلمين، ويذكرنا ذلك عندما زار أحد علماء المسلمين أحد بلاد الغرب قال: "وجدت إسلاما ولم أجد مسلمين" لما رائه من عدالة ومساواة.
06/04/2005م