الرشوة خلل كبير في الواجب الوظيفي

عبدالله بن راشد السنيدي (*)

 

تشمل الوظيفة سواء كانت وظيفة حكومية أو وظيفة خاصة حقوقاً للموظف وواجبات عليه، ومن أهم الواجبات ألا يقع الموظف فيما من شأنه الإخلال بشرف الوظيفة وكرامتها وعدم استغلال الموظف لعمل وظيفته بهدف الكسب غير المشروع؛ كأن يقبل الرشوة من أحد أصحاب المصالح أو أحد المراجعين بهدف إنجاز العمل الذي يخصه لديه بالمخالفة للقواعد النظامية أو على حساب مصالح الآخرين.

وتعد الرشوة أشد الجرائم التي تؤثر على نزاهة الموظف وتفقد الثقة فيه وذلك للأسباب الآتية:

- إنها من وسائل الظلم وإعانة الظالم على ظلمه، فالراشي عندما يقدم الرشوة للموظف لتمرير ظلمه ومخالفته، فإن الموظف بهذا التصرف يكون قد أعانه على ظلمه وسهل له الاستمرار فيه.

- إن في الرشوة تفويت للحقوق على أصحابها الحقيقيين عندما يقوم الموظف المرتشي بإعطاء الحق لغير مستحقه متجاوزاً صاحب الحق الأصلي أو بتقديم من يستحق التأخير وتأخير من يستحق التقديم.

- إن في الرشوة جوراً وحكماً بغير الحق؛ ذلك أنه عندما يقوم الموظف المرتشي بإعطاء الحق لغير صاحبه، فإنه يكون بذلك قد خالف القواعد النظامية التي تنظم عمله.

- إن في الرشوة إخلالاً بمبدأ العدالة والمساواة الذي تتطلبه واجبات الموظف تجاه مراجعيه؛ ذلك أن الخدمة الوظيفية التي تقع على عاتقه ينبغي أن تؤدي وفقاً لهذا المبدأ.

- إن في الرشوة فساداً إدارياً عندما يستغل الموظف مهام وظيفته للكسب غير المشروع، حيث يصبح الموظف حينئذ خطراً على الجهة الإدارية أو الخاصة التي يعمل بها، وقد يكون أسوة سيئة لغيره من الموظفين، بل إنه يصبح خطراً على المجتمع بإشاعة هذا التصرف الفاسد ونشره. وبسبب فضاعة جريمة الرشوة حُرِّمت في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية...ففي القرآن الكريم..

ورد في الآية (29) من سورة النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.

وورد في السنة النبوية الشريفة: (لعن الله الراشي والمرتشي)، وهو حديث حسن صحيح أخرجه الترمذي.

أما القوانين أو الأنظمة المعاصرة فهي تنظر للرشوة إلى أنها انتهاك صارخ لواجبات الوظيفة ونزاهتها؛ لأنها تشكل خطراً على العمل الحكومي وحسن سيره للأسباب التي أوردناها فيما سبق.

وجريمة الرشوة موجودة - مع الأسف - في كثير من الدول، وبالذات الدول النامية، ويعود سبب انتشارها في كثير من هذه الدول إلى عدة أسباب منها:

- ضعف الرقابة والمتابعة من المسؤولين على الموظفين الذين يعملون تحت إشرافهم، إذ إن كثيراً من المشرفين يمضي في مكتبه معظم وقت الدوام، بحيث لا يعلم ما يجري حوله من مخالفات أو تسيب في الدوام ونحو ذلك.

- قلة الرواتب والحوافز التي تصرف للموظفين في بعض الدول، مما يجعله فريسة للإغراءات المادية.

- ضعف الوازع الديني وانعدام الضمير؛ ذلك أن الموظف أو المراجع الملتزم كل منهما بدينه وبما يملي عليهما ضميرهما من الموضوعية والمنطق لا يمكن على الإطلاق أن يكون الموظف مرتشياً مهما كان دخله المادي من راتب ونحوه، كما لا يمكن للمراجع أن يكون رائشاً مهما كانت المزايا المادية التي ستعود عليه من ذلك.

وفي بلادنا تمت محاربة الرشوة ووضع العقوبات القاسية للمتعاملين بها، بل إن الدولة أصدرت نظاماً خاصاً هو (نظام مكافحة الرشوة) الذي أكد على عظم جريمة الرشوة ويعد من أبرز ما ورد فيه ما يأتي:

- إن هذا النظام قد أخذ بالمعنى الواسع للرشوة، إذ لم يقصرها على معناها الضيق المتمثل في المقابل المادي الذي يتقاضاه المرتشي، والمعنى الواسع للرشوة هو المقابل الذي يتم الاتفاق عليه بين الموظف والمراجع الذي يطلب تمرير معاملته بطريقة غير نظامية سواء كان هذا المقابل مادياً أو غيره.

- إن هذا النظام قد حدد المجالات التي يعد فيها الموظف مرتشياً والعقوبات المناسبة لها؛ وهي أن يطلب الموظف لنفسه أو لغيره مقابلاً لقاء القيام بأداء عمل أو الامتناع عن أدائه مشروعاً أو للإخلال بواجبات وظيفته، والعقوبة المقابلة لذلك هي السجن بما لا يزيد على عشر سنوات، والغرامة المالية بما لا يزيد على مليون ريال أو بإحداهما، أو كل موظف عام أخل بواجبات وظيفته بأن قام بعمل أو امتنع عن عمل من أعمال تلك الوظيفة بسبب رجاء أو توصية أو وساطة، والعقوبة المقابلة لذلك هي السجن بما لا يزيد على ثلاث سنوات، والغرامة بما لا يزيد على مئة ألف ريال أو بإحداهما، أو من عرض الرشوة ولم تقبل منه، فيعاقب بالسجن بما لا يزيد على عشر سنوات وبغرامة لا تزيد على مليون ريال أو بإحداهما.

- إذا تمت إدانة الموظف بأي من جرائم الرشوة (سالفة الذكر)، فيفصل من وظيفته مع حرمانه من شغل الوظائف الحكومية إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وبشرط مضي مدة خمس سنوات على تاريخ الفصل من الخدمة.

مما تقدم تتبين لنا خطورة جريمة الرشوة وسبب تحريمها ومحاربتها في الشريعة الإسلامية والقوانين المعاصرة؛ وذلك لآثارها السيئة على سير العمل وانتظامه في الأجهزة الحكومية حسب القواعد الموضوعة له، وعلى مصالح الناس ونزاهة المجتمع.

ولذلك فإن مسؤولية القضاء على هذه الجريمة هي مسؤولية مشتركة بين المسؤولين والموظفين والمجتمع.

فبالنسبة إلى المسؤولين أو المشرفين يتطلب هذا الأمر منهم الآتي:

- الحرص على المتابعة الميدانية في أجهزتهم؛ لأن ذلك يعزز من هيبتهم ويقوي شعور الموظفين بحرص رؤسائهم على متابعة الأعمال وتطبيق الأنظمة وحسن الانتظام وسلامة سير العمل، كما يساعد ذلك الرؤساء على كشف المخالفات.

- على الرؤساء والمسؤولين أن يضعوا الموظف المناسب في المكان المناسب، فمثلاً عليهم أن يحرصوا على أن يكون موظفو الإدارات أو المكاتب التي لها علاقة بالجمهور وتقديم الخدمات من المشهود لهم بالأمانة والنزاهة والاستقامة.

أما بالنسبة إلى الموظفين فيتطلب الأمر منهم في هذا الشأن ما يأتي:

- تطبيق الأنظمة والتعليمات المتعلقة بسير العمل على أساس العدالة والمساواة، وإن انتهاكهم لذلك يعد خيانة للأمانة وإخلالاً بالواجب الوظيفي.

- إن تحسين الوضع المادي لا يتم بالمخالفة لأحكام الدين الحنيف والقواعد النظامية، فالرشوة وإن كان فيها عائد مالي سهل إلا أن على الموظف أن يتذكر بأن العائد المادي من الرشوة إنما هو سحت ومحرم وظلم، وقد يؤدي في الغالب إلى فضيحة للموظف وفقدانه لوظيفته وسقوط اعتباره ومكانته في المجتمع.

أما بالنسبة إلى واجب المجتمع تجاه مكافحة الرشوة فتتمثل في الآتي:

- الالتزام بتعاليم الدين وقواعد الأنظمة التي تحث على التحلي بالنزاهة والصدق أثناء التعامل فيما بين الناس أو من خلال المطالبة بالحقوق.

- ألا يكون تحقيق المكاسب وإنهاء المعاملات على حساب حقوق الآخرين ومعاملاتهم؛ لأن في ذلك عدواناً وظلماً للآخر.

- التعاون بين أفراد المجتمع لنبذ التصرفات غير الأخلاقية - ومنها الرشوة - لما تحمله من فساد وظلم للجميع.

 

(*) وكيل وزارة الخدمة المدنية

المساعد للمراجعة والدراسات - في المملكة العربية السعودية

 

http://www.al-jazirah.com.sa                  المصدر: