الرشوة

 

الحمد لله القائل في محكم تنزيله نداءً للمؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحل الحلال وحرم الحرام، وأمرنا بلزوم طاعته وتقواه في السر والعلن، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، ومصطفاه وحبيبه، كان من هديه - صلى الله عليه وسلم - في التحذير من مغبة الرشوة قوله: "ما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب"، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: إن من أخبث الأمراض الاجتماعية وأخطرها على وحدة الأمة وتماسكها وسلامة بنائها من الداخل داء الرشوة التي إن تفشت في المجتمع زعزعت أركانه، وهدت بنيانه وانتهكت حرمة إنسانه، لذلكم عدها الحق - سبحانه - من أفظع الجرائم وأخطرها، فحرم تعاطيها لأنها أكل لأموال الناس بالباطل، قال - تعالى -: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ".

والرشوة هي أكل لأموال الناس بالباطل وإن تعددت صورها وأشكالها، وسواء كانت في صورة هدية أو كانت بالطرق الملتوية والأساليب الخفية.

كما أن صاحبها ملعون على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "لعن الله الراشي والمرتشي"، وفي رواية: "و الرائش"، وهو الوسيط الذي يسعى في إيصال الرشوة إلى المرتشي، وحسب المرتشي أن يبوء بالطرد من رحمة الله، إلى جانب ما يصيبه من محق البركة في الدنيا، وفي الآخرة بالحساب العسير والعذاب الأليم، فيا لسوء عاقبة المرتشي في الحال والمآل.

عباد الله: إن الأموال التي يكتسبها المؤمن من طرق مشروعة وينميها بوسائل شريفة، يعتبرها الإسلام أموالا طيبة، كما يعتبر صاحبها عضوا صالحـا، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "نعم المال الصالح للرجل الصالح".

والإسلام يحمي هذه الأموال من أن تَعتدي عليها يد ظالمة بأي وسيلة من وسائل الاعتداء، قال - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: "إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".

ووقف النبي - صلى الله عليه وسلم - مواقف حازمة ضد هذه الظاهرة الخبيثة وقاومها دون هوادة، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي حميد - رضي الله عنه - قال: استعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا على الصدقة (أي على جمع الزكاة)، فلما قدم قال: "هذا لكم وهذا أُهدي لي" فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - مغضباً، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك، وهذا أُهدي لي. فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر..." (أي تصيح)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا (أي جعلنا له أجره) فما أخذ بعد ذلك فهو غلول ".

والغلول هو الخيانة في المغنم أو في مال الدولة، يقول الله - تعالى - في هذا المعنى: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ".

وإن من اغتصب أموال الناس واستولى عليها بطرق محرمة، فإن الله يحشره يوم القيامة ومعه ما استولى عليه في الدنيا، حتى يفضحه ويشنع به ويحاسب عليه، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، منها: " عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه".

إن هذا الذم الفظيع للرشوة، وهذا الوعيد المنذر بسوء الحال والعاقبة لمن يسعى في سبيل هذه الكبيرة مرده إلى خطورة هذه الجريمة الاقتصادية والاجتماعية والخلقية، وإلى جسامة ما يترتب عنها من اعتداء على الأموال وتضييع للحقوق، إذ من شأن الرشوة أن تجعل الباطل حقاً والحق باطلا ما لم يحصَّن المجتمع من شرورها ويحمى من ويلاتها.

اللهم إنا نسألك أن تغنينا بطاعتك عن معصيتك وبحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم، من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى، ومن يعص الله ورسوله فقد ظلم واعتدى ولا يضر إلا نفسه.

عباد الله: إذا تأملنا الأغراض التي تُدفع من أجلها الرشوة نجدها إما لقضاء حاجة، أو لتأخير عمل عن موعده تأخيراً يفيد شخصاً ويضر بآخر أو لسلب حق من صاحبه ظلماً وعدواناً، فيجمع المرتشي حينئذ بين جريمة الرشوة، وبين جريمة هضم الحقوق، لذلك حرم الإسلام هذه الآفة بمختلف أصنافها وأهدافها ومظاهرها.

وتسميتها بالهدية لا يخرجها من دائرة الحرام، فالرشوة مِعْول هدم وتخريب للأمة وحضارتها واقتصادها وأخلاقها، وهي خيانة عظمى لله وللدين والوطن، جاء في حديث طويل: "وإن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه، ما يتقبل منه عمل أربعين يوما، وأيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به".

فاتقوا الله في أنفسكم وفي أموال الناس ولا تمدوا أيديكم إلى ما حرم الله، فإنه طريق الهلاك: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا}.

فاللهم أهدنا إلى صراطك المستقيم، واجعلنا من عبادك المخلصين.

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن أصحاب رسولك الكرام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

06-01-2007م

 

http://www.habous.gov.ma                     المصدر: