احتمالات المواجهات في البصرة وموقف أهل السنة منها
نشأت صبري - بغداد
10- 4- 2008م
أثارت المواجهات الأخيرة بين قوات الائتلاف الشيعي وميليشيات الصدر العديد من التساؤلات حول طبيعة الأطراف المتحاربة فيما بينها، وماهية الأهداف المتوخاة منها: هل حقاً الصدر والمالكي هما طرفا الحرب؟ أم أن هناك جهات أخرى اتخذتهم أدوات لتحقيق أهدافها المرحلية؟
ولنأخذ أولاً الجانب الأميركي، ولننظر إلى الأمور التي من الممكن أن يكون قد كسبها من هذه المواجهات الأخيرة، فمن الممكن القول بأن الولايات المتحدة كانت تهدف إلى تطويق وحصر التيار الهلامي (الصدري) في مواقع معينة، وبالتالي إفقاده خاصية الانتشار الجغرافي الواسع الذي يمتلكه هذا التيار.
ومن زاوية أخرى، ومن خلال الموقف الأميركي من المواجهات؛ هناك من يقول بأن الولايات المتحدة لم تكن تسعى لإضعاف الصدريين بل على العكس كانت تعمل على تقويته بشكل من الأشكال، للضغط على المالكي والقوى المشاركة في الحكم لتطويعهم، وحملهم على توقيع الاتفاقية الأمنية المتبادلة التي رفضتها هذه القوى في وقت سابق.
وهنالك وجهة نظر أخرى تقول: بأن الولايات المتحدة ربما سعت إلى ضرب مصالح إيران في بؤرة نفوذها في العراق ألا وهي البصرة، من أجل انتزاع أوراق ضغط جديدة تستخدمها في المفاوضات القادمة.
أما عن مقدار استفادة الجانب الإيراني من هذه المواجهات؛ فهناك من يقول: بأن الائتلاف الشيعي الحاكم قد حاد في كثير من الأمور عن المخطط الإيراني المرسوم له، وأن هناك العديد من رجالات الائتلاف فكوا ارتباطهم مع الجانب الإيراني، والتحقوا بركب المشروع الأميركي، ولهذا كان لازماً على إيران أن تدعم جيش المهدي، وأن تخرجه منتصراً في هذه المعركة حتى توصل رسالة تحذير إلى المالكي، ولعل ما يدعم ذلك كثرة الأسلحة الإيرانية التي دخلت البصرة أثناء المواجهات، وذلك ما اعترف به المالكي.
وكما هو الحال في الجانب الأميركي فإن إيران لم ترغب في انتصار طرف معين في تلك المعركة حتى لا تُحشر في موقف ضعف أمام الضغط الأميركي.
وفيما يتعلق بمقتدى وتياره فمنذ فترة حاول الصدريون تسويق أنفسهم كطرف مقاوم، بل أحياناً الجهة المقاومة الوحيدة في العراق، ومع أن الجميع يعلم بأن سلاح جيش المهدي كان موجهاً نحو صدور أهل السنة؛ إلا أن تصديق بعض السذج له، والدعم الإعلامي لهذا الطرح؛ قد يحقق ما يصبو إليه الصدريون من سرقة ثمرة المقاومة العراقية، خصوصاً مع إبراز جماعات مسلحة مرتبطة بهذا التيار تدعي المقاومة مثل "عصائب أهل الحق"، و"كتائب حزب الله"، وعليه كانت معركة البصرة ومدن الجنوب قد سُوقت على أنها جزء من مقاومة المحتل وأذنابه كما صرح بذلك عدد من القيادات الصدرية!!
وأخيراً كان للمالكي والأحزاب الموالية له أهدافهم أيضاً من هذه المعارك، ولعل أبرزها: إضعاف التيار الصدري من أجل انتخابات مجالس المحافظات القادمة، ولعل ذهاب المالكي للبصرة، وإعلانه قيادة العمليات بنفسه؛ ما هو إلا تلميع إعلامي له لمكتسبات انتخابية قادمة، بعد أن خسر الائتلاف الشيعي الحاكم شرائح واسعة من الجماهير الشيعية التي لم تر تحسناً ملحوظاً في أحوالها، وقد يفسر ذلك ظهور الجماعات الشيعة المتطرفة التي ثارت على الدولة مؤخراً.
إذن ما هو الموقف الذي من المفترض أن يتخذه أهل السنة في ضوء هذه الحقائق والمتغيرات؟ وما هي الخطوات التي يجب أن تتخذ من جميع أطراف أهل السنة سواء كانت فصائل مقاومة، أو أحزاب ومؤسسات أخرى؟
من الممكن الإجابة على هذه التساؤلات من خلال النقاط الآتية:
أولاً: ينبغي على المؤسسات الإعلامية السنية أن تكشف إلى الجماهير - وخصوصاً الشيعية منها - أن هذه الأطراف المتحاربة فيما بينها إنما تقاتل لمصالحها الشخصية، والمعارك والصراعات التي قادتها هذه الأطراف في السابق ضد أهل السنة لم تكن من أجل الدفاع عن المذهب أو المظلومية الشيعية كما كانت تسوق لها، والدليل على ذلك هو اقتتالهم فيما بينهم وهم أبناء المذهب الواحد، وكذا تضحيتهم بجمهورهم وأتباعهم من أجل كراسي مجالس المحافظات، وتوسيع نفوذهم تحقيقاً لمنافع شخصية.
ثانياً: على المقاومة العراقية الوطنية أن تنشط ميدانياً وإعلامياً من أجل تفنيد محاولات مقتدى وتياره في فرض نفسه كجزء من المقاومة في العراق، وتبيان أن سلاح مقتدى وجيشه يُستخدمان كأدوات وظيفية.
ثالثاً: على الجهات السياسية السنية مساومة المالكي وهو في حالة ضعفه هذه من أجل انتزاع قضايا مصيرية مثل إعادة التوازن في الأجهزة الأمنية، وإرجاع المهجرين السنة إلى مناطقهم بعد أن أرجعت "الصحوات" السنية جل الشيعة إلى منازلهم في المناطق السنية.
رابعاً: إبراز فشل المشروع الشيعي في العراق، فبعد إقصائه وتحطيمه لأهل السنة؛ هاهو يتناحر فيما بينه، وحان الوقت لتبني مشروع الإصلاح الوطني وذلك عبر إعطاء كل ذي حق حقه.
خامساً وأخيراً: على أهل السنة المحافظة على مشروعهم الواحد، وتقوية أواصر العمل التكاملي بين العمل السياسي والمقاومة، لأن الذي جرى على الشيعة اليوم من الممكن أن يفعله الأعداء بنا غداً، بغية إضعافنا وتمزيقنا، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى أن نكون صفاً واحداً، وكتلة واحدة لتحقيق أهدافنا المصيرية.
وما نريد الوصول إليه أن جميع الأطراف المشتركة في المواجهات الأخيرة كانت لديها مصالح تريد تحقيقها، ولا بد لأهل السنة في العراق أن يحللوا الأمور من منطلق الفائدة المترتبة من الفعل، فما الذي كسبه أهل السنة وما الذي خسروه، خصوصاً وأن كثيراً منهم قد غلبهم منطق العاطفة، واعتبروا أن ما جرى هو عقاب رباني لأعمال جيش المهدي الشنيعة بحقهم، وهذه الخاصية السلبية التي تميز بها أهل السنة من المهم أن يتم تجاوزها حتى يصلوا إلى الإدراك الصحيح في التعاطي مع الأمور.