أحداث شمال كوسوفا وانعاكاساتها الداخلية والإقليمية

عبد الباقي خليفة

5/04/2008م

لا يزال شمال كوسوفا يشهد بعض الاضطربات، ويعيش أجواء متوترة، وإن كانت وتيرتها تقل يوماً بعد يوم، لاسيما بعد أن أدركت موسكو وبلغراد بأن لا جدوى من العنف في منع استقلال كوسوفا، ولذلك بدل أن ترسلا الأسلحة والمتفجرات كما حدث في فصول تاريخية سابقة؛ فإنهما تعملان اليوم على إيصال الأدوية والمواد الإغاثية إلى صرب كوسوفا البالغ عددهم 120 ألف نسمة.

 

تراجع بلغراد:

تراجع بلغراد مرده إلى اختلال موازين القوى بينها وبين حلف شمال الأطلسي الذي يسيطر على كوسوفا منذ سنة 1999م، وعدم استعداد موسكو للوقوف عسكرياً معها، وبالتالي مواجهة حلف الناتو وجهاً لوجه، بل أن موسكو تجد نفسها محاصرة من قبل الحلف من خلال ضم دول الكتلة الشرقية سابقاً للحلف الأوروأطلسي، والاقتراب من حدودها المباشرة عبر التلويح بضم كل من أوكرانيا وجورجيا للحلف في وقت لاحق، إضافة لمضي الحلف قدماً في إنجاز الدرع الصاروخية التي تعتقد موسكو أنها في مقدمة المستهدفين من المشروع.

لكن أكبر العوامل التي تدفع بلغراد للتراجع هو انقسام الجبهة الداخلية (1) الصربية على نفسها بين أنصار التسليم والمغالبة، أو الراديكاليون والمؤيدون للغرب، رغم أن الطرفين لم يدعوا للحرب من أجل كوسوفا، وخلافاتهم تدور حول وقف مسيرة الاندماج في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي كما يطالب الراديكاليون - وهم القوميون المتشددون بمن فيهم رئيس الوزراء المستقيل فويسلاف كوشتونيتسا -، بينما يدعو المؤيدون للغرب إلى المضي في الشراكة الأوروأطلسية حتى الوصول إلى العضوية الكاملة بقطع النظر عن استقلال كوسوفا، مع الاستمرار في المطالبة بإلغاء استقلال كوسوفا، وعودة الدولة المستقلة إلى السيادة الصربية، وهو مطلب عبثي من الطرفين، ولكنه أدى إلى انهيار الحكومة، والإعلان عن انتخابات برلمانية جديدة في 11 مايو القادم.

 

ورطة صرب كوسوفا:

لقد ألقت الخلافات الصربية في بلغراد بظلالها على وضع صرب كوسوفا، بل الدولة الوليدة؛ حيث حرض الشق الراديكالي في الحكومة الصربية قبل سقوطها صرب كوسوفا على ترك مناصبهم في الحكومة الكوسوفية - ولاسيما رئيس الوزراء فويسلاف كوشتونيتسا، ووزير شؤون كوسوفا في حكومة بلغراد سلوبودان سمارجيتش، واعدين إياهم برواتب مضاعفة إن هم فعلوا ذلك احتجاجاً على استقلال كوسوفا -، لكن الصرب لم يحصلوا على ما وعدوا به في غمرة المزايدات السياسية في بلغراد، وهم يطالبون اليوم المسؤولين الصرب بالوفاء بوعودهم بعد أن خسروا وظائفهم، ولم يجنوا سوى الحصرم.

ويذكر الصرب الذين يشعرون بقلة عددهم في كوسوفا، وعدد من الدول البلقانية الأخرى؛ تلك الردود التي كانوا يسمعونها من الألبان والبوسنيين والأتراك وغيرهم في تبريرهم لتعدد الزوجات من أنه استراتيجية ديمغرافية، وليس بحثاً عن المتعة(2)، وبعد عدة عقود يجد الصرب أنفسهم أقلية ضئيلة لا تساوي 5% من عديد سكان كوسوفا (120 ألف نسمة)، ونحو 33% في البوسنة.

لقد منع التفوق الديمغرافي للبوشناق في البوسنة من تلاشي الدولة بعد أن قتل منهم أثناء العدوان أكثر من عديد صرب كوسوفا (200 ألف مقابل 120 ألف صربي حالياً في كوسوفا)، بينما كان تفوق الألبان الديمغرافي، وضحالة عديد الصرب في كوسوفا؛ قد أدى إلى جانب عوامل أخرى إلى استقلال البلاد في 17 فبراير الماضي.

وعندما أعلن الاستقلال في كوسوفا لم يستطع الصرب وقفه، كما لم يستطيعوا الحيلولة دون تحقيقه، فواقعهم الديمغرافي لم يسعفهم ولم يعطهم وزناً سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً بعد أن حال الاستقلال بينهم وبين التواصل الديمغرافي والسياسي والعسكري والاقتصادي مع صربيا، إلا ما تسمح به الحكومة في كوسوفا والسلطات الدولية في ميتروفيتسا.

فبعد وضع رئيس وزراء كوسوفا هاشم تاتشي لوحة على الحدود مع صربيا تقول: "مرحباً بكم في جمهورية كوسوفا"؛ انتهى رسمياً كل الماضي الإداري الذي كان سائداً بدون حدود دولية، وكان من ردود صرب كوسوفا بدفع من بلغراد الاستقالة من الشرطة، ومن القضاء، ومن مؤسسات الدولة الجديدة؛ وذلك في 21 فبراير الماضي احتجاجاً على استقلال كوسوفا.

وقد بلغت تلك الاحتجاجات أوجها في 18 فبراير الماضي عندما أحرق الصرب نقطتي الحدود بين صربيا وكوسوفا، لكن المظاهرات والاحتجاجات اتخذت شكلاً آخر منذ 17 مارس الفائت، عندما سقط العشرات من المتظاهرين الصرب ومن عناصر قوات كي فور التابعة للناتو والشرطة الدولية التابعة للأمم المتحدة جرحى، وقتل في تلك المواجهات جندي أوكراني، فبعد استقالة الصرب من المؤسسات الرسمية تم تغيير التركيبة الإدارية للمحاكم وغيرها من المؤسسات الحكومية في كوسوفا وفق النسبة الديمغرافية، وأدرك الصرب حينها أنهم لم يخسروا كوسوفا فحسب بل وظائفهم أيضاً، وبالتالي تغيرت مطالبهم من الاحتجاج على استقلال كوسوفا إلى الاحتجاج على فقدهم لوظائفهم.

ويطالب صرب كوسوفا بلغراد بتقديم التعويضات التي وعدت بها على لسان وزير شؤون كوسوفا سلوبودان سمارجيتش في 20 فبراير الماضي بأنها ستقدم لكل واحد منهم مبلغ 17 ألف دينار صربي، وهو مبلغ يزيد عما يتقاضاه الموظفون في كوسوفا.

وقال رئيس الحركة الاحتجاجية الصربية في كوسوفا بوبان بيتروفيتش "هذا الوعد لم يتم تحقيقه"، وطالب بعقد اجتماع عاجل مع رئيس وزراء صربيا فويسلاف كوشتوينتسا الذي طالبهم بترك العمل احتجاجاً على استقلال كوسوفا " نحن فعلنا ذلك، ولكننا لم نتلق الأموال التي وعدنا بها من بلغراد".

وقد بلغ عديد الصرب الذين كانوا يعملون في المؤسسات الهامة بكوسوفا 2300 شخص منهم وزيران في حكومة بريشتينا، ولا يزال صرب كوسوفا ينتظرون حل مشاكلهم، منهم 200 فرد كانوا يعملون في ميتروفيتسا في سلك القضاء، وهم يتظاهرون يومياً في ذلك القطاع.

ومما زاد الوضع تعقيداً إقرار الإدارة الدولية التابعة للأمم المتحدة بأنها لم تعد مسؤولة عن سلك القضاء بعد استقلال كوسوفا، وإنما الحكومة في بريشتينا حسب ما ورد على لسان المسؤولة عن قطاع القضاء في الإدارة الدولية إليزابيت رونالدو، ما يجعل الصرب مضطرين للاعتراف باستقلال كوسوفا، واعتماد وثائقه الرسمية في المعاملات القضائية، وهو ما عقد الأمر أكثر فأكثر بالنسبة للصرب.

ومن غير المحتمل السماح بقيام إدارة صربية موازية سواء تابعة لصربيا كما تطالب بلغراد، أو خاصة بصرب كوسوفا، كما من غير المحتمل اعتراف الصرب بالإدارة المحلية الجديدة في كوسوفا، وبالتالي استقلال كوسوفا، وهذا ما أكده رئيس وفد المفاوضات الصربي نيكولا كاباتشيتش.

المشكلة الأخرى بالنسبة للصرب أيضاً تتمثل في سعي بعثة الاتحاد الأوروبي يوليكس؛ إقامة خمسة مراكز أمنية وقضائية رئيسية في كوسوفا خلال 120 يوماً، يتم خلالها تولي البعثة مهمة الأمم المتحدة في كوسوفا، مما يجعل الصرب بين خيار الاستمرار في المقاطعة - وهو ما يرفضونه -، أو القبول بشرعية البعثة الأوروبية، وبالتالي القبول باستقلال كوسوفا وهو ما يرفضونه أيضاً، والحل الثالث لا يقل بؤساً من سابقيه بالنسبة للصرب وهو الرحيل إلى صربيا.

 

بين السلام والفوضى:

رغم أن فوز أي من الفريقين المتنافسين في بلغراد في الانتخابات القادمة التي ستجري في 11 مايو لن يؤثر على استقلال كوسوفا؛ إلا أن ذلك سيكون له دور كبير في مستقبل السلام والاستقرار، والفوضى ليس في كوسوفا وصربيا فحسب بل في المنطقة بأسرها، ولاسيما الدول المستقلة عن يوغسلافيا السابقة، وتحديداً البوسنة وكوسوفا؛ فانتصار الراديكاليين في الانتخابات سيضاعف من تدخل صربيا في شؤون كوسوفا الداخلية، وبالتالي مضاعفة حدة التوتر والفوضى من خلال صرب كوسوفا، وصرب البوسنة الذين طالبوا في وقت مضى بالانفصال.

بيد أن الراديكاليين في البوسنة ونظراءهم في صربيا ليسوا على وفاق، فالصرب البوسنيين كانوا من أنصار المؤيدين للغرب، رغم أن تأييدهم ليس مبدئياً وإنما لتحقيق مكاسب في البوسنة؛ فرئيس وزراء صرب البوسنة ميلوراد دوديك أفصح عن توجهه الانفصالي، ورغبته في الانضمام إلى صربيا بطريقة غير مباشرة أثناء الاحتجاجات الصربية في بلغراد على استقلال كوسوفا يوم 18 فبراير 2008م، ويدفع الراديكاليون باتجاه تقسيم كوسوفا بالاتفاق مع موسكو، وهو ما حذرت منه ألبانيا على لسان رئيس الوزراء صالح بيريشا ودول غربية أخرى، وفي حال فاز المؤيدون للغرب فإن الكثير من العقبات كما يبدو ستزول ولاسيما عملية تحريض صرب كوسوفا على الفوضى، وكذلك صرب البوسنة، لكن يبقى أمر هام للغاية وهو أن الصرب كالكثير مهما انقسموا، ومهما اختلفوا؛ فهم مجمعون وكلمتهم واحدة إذا تعلق الأمر بالمسلمين (3).

____________________________________

(1) سبب كل الهزائم للأمم المغلوبة في التاريخ.

(2) يجب أن تتغير نظرة بعض المسلمين لتعدد الزوجات من كونه بحثاً عن المتعة، إلى الأمن الديمغرافي لمن استطاع ولاسيما في دول الخليج، والدول التي توجد بها إثنيات متعددة، أو ديانات مختلفة، هذا إضافة إلى أسباب أخرى تخص المجتمعات والمشكلات الأسرية ليس هنا مجالها.

(3) وزير خارجية صربيا فوك يريمتش، ورغم أنه محسوب على المعتدلين كان يتساءل أثناء جولته الآسيوية عن "لماذا لم تستقل دارفور، والصحراء الغربية، وتركستان العراق"، كما أنه زار "إسرائيل" للحصول على دعمها، محذراً من أن الفلسطينيين سيطالبون بما حصل عليه الألبان في كوسوفا من استقلال، وللأسف فإن الدول العربية والدول الإسلامية خالية الذهن تماماً من أي نظرة استراتيجية سواء في مجتمعاتها أو محيطها الإقليمي، أو الآفاق الدولية، وقد أقعدها عن ذلك عقدة الشرعية كما يراها الغرب، فهانت وأهانت شعوبها وأمتها من أجل المنصب من جهة، وتأليهها للغرب من جهة أخرى.

http://www.almoslim.net:المصدر