العلاقات الجزائرية المغربية إلى أين؟

أحمد النعيمي - كاتب جزائري

27- 4- 2008م

ما يكاد الوضع العربي يرى النور في نهاية نفق الأزمات حتى يغرق في بحر من التباينات الحادة بدءاً من الأزمة الداخلية الفلسطينية، وما يحدث بين أبناء القضية الواحدة، والبلد الواحد، إلى الأزمة اللبنانية، وما صار يعرف بأزمة الرئاسة التي أخلطت حسابات الشارع اللبناني، وأربكت ساسته، وقسمت ظهر الساعيين للملمة الشتات العربي، وانتهاء بأزمة ما أصبح يسمى "الحدود الجزائرية المغربية"، فمنذ إغلاقها سنة 1993م وإلى يومنا هذا وهي تؤرق مضجع شعوب المغرب العربي، وبشكل خاص الشعبين الجزائري والمغربي، إذ وبعد تفجيرات مراكش التي هزت أحد فنادق المدينة في منتصف التسعينات سارعت المغرب وبتهور واندفاع سياسي حسب بعض المتتبعين للشأن المغاربي إلى فرض تأشيرة على الجزائر، وما صاحبها من تجاوزات في حق السياح الجزائريين في تلك الفترة، الأمر الذي قوبل وبشكل أقوى من طرف السلطات الجزائرية بغلق الحدود بين البلدين، وهو ما أدخل مجدداً الرباط والجزائر في خلاف يضاف إلى ما كانت عليه العلاقات المتدهورة من قبل.

وحتى وإن قارب مشروع اتحاد المغرب العربي بينهما؛ فالإجراء الذي اتخذته الرباط في ملف التفجيرات يرى فيه عدد من المرقبين قصوراً واضحاً في معالجة الملف، وهذا من خلال اتهام الجزائر بهذه التفجيرات، ورغم اعتراف المغرب ضمنياً بعد ذلك بخطئه في اتهام الجزائر بالحادثة الإجرامية؛ لا زالت ترفض الإعلان الرسمي، والاعتذار عن هذه الاتهامات التي كانت سبباً رئيساً في تعميق الانكسار بين البلدين.

الآن، وبعد الخطوات التي اتخذتها الرباط في إلغاء التأشيرة على زوار المغرب من الجزائريين وهذا قبل عامين وبشكل انفرادي حسب الرواية الجزائرية؛ ما يزال التشنج سيد الموقف بين البلدين، فبينما يسعى إليه من أجل دفع الطرف الجزائري لفتح الحدود، وإحراجه إقليمياً وعربياً ودولياً بما يبديه من ليونة؛ تربط الجزائر كل الملفات العالقة مع بعضها البعض.

والمسألة عند سلطات الجزائر أبعد وأعمق بكثير من مجرد فتح الحدود، وهي المشكلة التي أثرت بشكل كبير على سكان المنطقة الشرقية للمملكة، حيث كان معظمهم يسترزق من تدفق السياح الجزائريين، وانعكس هذا سلباً على الحركة الاقتصادية، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن ما يقارب ثلاث ملايير دولار كانت تجنيها المملكة من الحدود الشرقية لها.

فالنظرة الجزائرية تفيد بأن الطرف المغربي لا يفتح ملفات أكبر وأهم وأولى من الحدود لضمان تحسن العلاقات، وارتكازها على تبادل مصالح مشتركة أمنياً واقتصادياً واستراتيجياً، وتتصدر هذه الملفات القضية الصحراوية التي هي الآن محل مفاوضات ثنائية بين المغرب وجبهة بوليساريو، هذا الملف الذي ظل يراوح مكانه لأكثر من ثلاثين سنة، وهو من أكبر عوامل الانسداد، ثم الملف الجامع والأكبر، والذي تتطلع إليه شعوب المغرب العربي في بناء اتحاد لتشكيل تكتل قوي سياسياً واقتصادياً واستراتجياً، وهو ما تعمدت السلطات المغربية بعدم الذهاب فيه أبعد مما هو عليه الآن بالنظر إلى التشنج المغربي الجزائري في قضية الصحراء الغربية، رغم أن ملف الصحراء كان سيرى الحل في سنوات حكم الملك الحسن الثاني الذي قبل باستفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي بعد ثلاثة عقود من التوتر والحروب التي كانت وبالاً على كل سكان منطقة المغرب العربي.

لكن الآن تغيرت السياسة المغربية بعد تولي الملك محمد السادس الحكم في المملكة المغربية، وإعادة الملف إلى نقطة الصفر، بل الذهاب إلى أبعد من ذلك، وتخليه عن أكثر رجال والده الملمين بهذا الملف جيداً، وانفراده (أو بالأحرى المجموعة التي تهيمن على القرار، والملتفة حول الملك الجديد، وهي بمثابة العقل المدبر) بقرار يعيد ملف الصحراء الغربية إلى نقطة البداية، ما جعل الجزائر تتحفظ على هذا التغيير الذي يمس بشكل مباشر بأمن المنطقة بحكم تداخل دول المغرب العربي فيما بينها جغرافياً وثقافياً وتاريخياً، الأمر الذي جعل الجزائر تتريث في اتخاذ أي قرار استراتيجي في ظل تخلي المغرب عن التزاماته حسب رؤية الجزائر، ما يجعل كثير من التساؤلات تفرض نفسها في العلاقة بين الجزائر والمغرب.

لماذا تقدم الرباط على قرارات توصف بالاستراتجية ثم تتراجع عنها؛ كقبولها باستفتاء تقرير المصير ثم يتم إلغاؤه واستبداله بحلول يصفها بعض المحللين بأنها إطالة لعمر الأزمة بدل حلها؟، ثم ألم تفرض الرباط ومن جانب واحد التأشيرة على الجزائريين في حادثة أرادت المغرب أن تحتويها للحفاظ على رواجها السياحي على حساب كرامة السياح الجزائريين بعد إهانتهم، وسجنهم، واستفزازهم؛ لمجرد أنهم كانوا على الأراضي المغربية أثناء انفجار فندق مراكش حسب الرؤية الجزائرية؟ هل ترضى المغرب بإهانة بلد بأكمله، ولا ترضى بقرار هذا الأخير في رد الاعتبار لنفسه؛ أم أن الأمر الآن يختلف بعد تولي محمد السادس الحكم، ولا يريد جني أخطاء الماضي؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تجتهد الرباط في التقارب بين البلدين في أول أيام حكم الملك الجديد؟ ثم لماذا تريد الرباط معالجة ملف فتح الحدود فقط دون المرور على كل الملفات الأخرى كمراقبة الحدود من مهربي السلاح والمخدرات؟ وهل الأمر في نظر المغرب مجرد فتح حدود؟ ومن جانب آخر أليس من الاستراتيجي تجاوب الجزائر مع ما تبديه المغرب من حسن نية؟ ما الضرر الذي تخشاه الجزائر من فتح الحدود، إذا كان هذا الملف مطلباً أوروبياً وأمريكياً قبل أن يكون مغربياً لأجل تشكيل سوق أكبر في بلدان المغرب العربي؟ أليست هذه الخطوة بادرة خير لتذليل العقبات الأخرى، ومعالجة الملفات العالقة؟

ألم تستلم الجزائر من الرباط رسائل واضحة المفاهيم بخصوص طي هذه الملفات؟ وحتى وإن سلمنا جدلاً بغموض الرباط في حل الملفات العالقة لماذا لا تدعو الجزائر الرباط لدراسة هذه الملفات العالقة للوصول إلى أرضية وفاق لكسر هذا الانسداد؟ أم أن الجزائر اجتهدت في طرح هذه الملفات والرباط غضت الطرف عنها؟ أو أنه لكلٍ وجهة نظره في ترتيب الملفات حسب الأولوية التي يراها؟ لماذا لا يسعي الطرفان للمصارحة والمصالحة؟ ما هدف الجزائر في توظيف مسؤول بارز ومن صناع القرار بحجم اللواء العربي بلخير في منصب سفير الجزائر بالرباط، إذا لم تقتنع فعلاً بضرورة تقارب وعلاقات قوية؟ أم أن الأمر لا يعدو ذراً للرماد في العيون؟ ألم يستضيف سفير الجزائر الحالي بالرباط الملك محمد السادس في عهد أبيه؟ ثم هل البطانة الحالية للملك هي من تفرض توجهها على السياسة الخارجية للمملكة؟ ما الذي تخشاه الجزائر من تقارب قوي وعلاقة أقوى؟ هل المغرب يشكل الخطر المزعوم حسب الاستراتجيات العسكرية؟ أم أن بناء علاقات بينية مسألة وقت فقط؟ أم أن صراع الأجنحة في البلدين، هو من يفرض منطقه؟

كل الخوف الآن أن يعجز الاتحاد المغاربي عن تجاوز حالات وملفات الانسداد والانقسام، وينحني أمام الموجة العاتية للاتحاد المتوسطي الذي رفع الرئيس الفرنسي ساركوزي شعاره منذ دخوله قصر الاليزيه، هذا المشروع الذي يختزل كل سنوات وتاريخ اتحاد المغرب العربي.

http://www.alasr.ws:المصدر