اللغة والقضية الفلسطينية
أحمد فال بن الدين - كاتب موريتاني
26- 4- 2008م
في كتابه: "فلسطين: سلام لا فصل عنصري" (Palestine: Peace Not Apartheid) يذكر الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر في معرض حديثه عن أجواء اتفاقية كامب ديفد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن كان يحرص أثناء كتابة مسودة الاتفاق أن لا توضع أي كلمة دون أن يرجع إلى القواميس اللغوية والقانونية حتى يتأكد من أن اللغة لن تضيع حقوق شعبه، بينما كان الرئيس السادات لا يعبأ بصياغة النص، ويضيف كارتر: "كان السادات يفوضني شخصياً أو أحد مساعديه لاختيار صياغة النص، ولا يقف كثيراً عند التفاصيل".
لقد كان بن غوريون يدرك حساسية اللحظة وأهمية اللغة في عالم لا يرحم المهملين ولا السذج، فكان يعصر دماغه في ليالي كامب لمصلحة شعبه قبل أن يوقع على أي سطر، أما السادات فكان يجهل خطر المصطلحات اللغوية ومزالقها، أو كان - إذا أحسنا الظن - لا يبالي، ولا يقدر اللحظة التاريخية التي يُختصر فيها مستقبل أمة داخل عبارات لفظية.
وقد عانت القضية الفلسطينية كثيراً من تلاعب الإسرائيليين بالألفاظ، وتطويعها لمصلحتهم، إلا أن اللوم لا ينصب عليهم - فذلك حقهم -، إنما اللوم كله على أولئك الذي يناضلون ويفاوضون باسم الشعب الفلسطيني، ولا يدركون خطر الألفاظ، ودقة المصطلحات، ومزالق اللغات، ويذهبون إلى طاولات التفاوض وهم عزل من أهم أسلحتهم: الوعي اللغوي.
ولعل قرار الأمم المتحدة 242 أكبر نموذج لخداع اللغة، فقد صدر قرار عن الأمم المتحدة بتاريخ 22/نوفمبر/1967م، قرأه الفلسطينيون والعرب على أنه يأمر إسرائيل بالانسحاب من "الأراضي التي احتلتها عام 1967م"، لكن الحقيقة أن هذا هو نص القرار بالعربية، أما نصه بالإنكليزية - وهو النص المعتمد - فيقضى بالانسحاب من "أراضٍ احتلت في الصراع الأخير" بصيغة النكرة.
وبناء على ذلك فإذا انسحبت إسرائيل من أي شبر من غزة أو سيناء تكون قد نفذت قرار الأمم المتحدة 242، فنص القرار حرفياً هو:"Withdrawal of Israel Armed forces from territories occupied in the recent conflict"، وهكذا تضيع حقوق أمم نتيجة غياب أداة التعريف لا غير!.
ويبدو أن القضية الفلسطينية لا تخسر نتيجة الخيانة اللغوية من الأعداء فحسب، بل يوجد بين الفلسطينيين من يستخدم اللغة سلباً ضد شعبه، وحتى أنه يفعل ذلك عن عمد في بعض الأحيان، إذ يذكر مدير سي آي أيه السابق جورج تينيت في كتابه: "في قلب العاصفة" (At The Center Of The Storm) أن "دينيس روس ذهب ليجتمع بمحمد دحلان في قطاع غزة، وعرض عليه خطة أمنية عليه أن يطبقها حتى يقبل الإسرائيليون أن يستأنفوا المفاوضات، لكن دحلان رفض المسودة، وقال بأن الفلسطينيين سيصفونه بالخائن إن قبلها، فما كان من دنيس روس - وهو المتمرس بعقلية قادة المنطقة - إلا أن اقترح عليه أن يغيرها "لغوياً"، ويحتفظ بنفس المضمون، فوافق دحلان على الفور.
وهنا يكمن الإشكال: فدنيس روس يريد أن يخدع الفلسطينيين لغوياً فيريهم أنه قد غير مضمون الاتفاقية، لكن الحقيقة أن النص هو الذي تغير، ويوافق دحلان فوار على خديعة قومه كذلك، وكأنه يوافق على أن تظل القضية الفلسطينية ضحية لألفاظ ومصطلحات الأذكياء.
وقد صعقت عندما قرأت هذه المعلومة، وتذكرت عبارة دالة لحكيم الصين كونفشيوس، فقد جاءه أحد طلابه وسأله: "أريد أن أتعلم الحرية ما ذا أفعل"؟، فرد كونفشيوس قائلاً: "تلعم اللغة .. تتعلم الحرية"، من المؤسف حقاً أن تكون وفود التفاوض الإسرائيلية مشكلة من لغويين وقانونيين، وعلماء خرائط، ويتم اختيار أعضاء وفد التفاوض الفلسطيني على أساس الولاء والحزبية فقط.
إن عدم "الوعي اللغوي" من أخطر الثغرات التي يمكن أن يدخل منها الخصم، ورحم الله محمد بن حزم فقد كان يقول: "إذا قوي قوم قويت لغتهم، وإذا ضعفوا ضعفت لغتهم"، وقد ضعفت لغتنا وانهدت أركان وعينا اللغوي، حتى أصبحت أخطر قضية بين أيدينا - قضية فلسطين - تنقض عروة عروة نتيجة "التخلف اللغوي".
ولعمري لقد صدق حكيم الصين: تعلم اللغة .. تتعلم الحرية!
http://www.alasr.ws:المصدر