العراق والحرب المستترة خلف أبواب البنتاجون
جيم هوجلاند[1] - واشنطن بوست
ترجمة: شيماء نعمان
16 ربيع الثاني 1429هـ الموافق له 22- 4- 2008م
فيما يعلو صوت الجدل والخلاف داخل أروقة الكونجرس الأمريكي، وفي الحملات الانتخابية حول أزمة التورط الأمريكي في العراق؛ يرى الصحافي الأمريكي البارز "جيم هوجلاند" أن المعركة الأعلى صوتاً تستعر داخل البنتاجون، وخلف الأبواب المغلقة.
وتحت عنوان "حرب في البنتاجون" كتب هوجلاند لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية:
إن المناقشات الأكثر حدة التي تتعلق بالتورط الأمريكي في العراق ما زالت لم تندلع بعد في"كابيتول هيل" - مقر الكونجرس الأمريكي -، أو خلال الحملة الانتخابية، فجميع تلك المعارك الكلامية تبدو خافتة إذا ما قورنت بالصراع المحتدم الذي يتأجج خلف الأبواب المغلقة في البنتاجون.
ففي جانب يقف "رجال الحرب من أجل النصر" - كما يصف البعض نفسه - وعلى رأسهم الجنرال "ديفيد بيترايوس"، وقادة عسكريون آخرون، حيث يدافعون عن ضرورة استمرار مسعى "مكافحة التمرد" في العراق كأولوية قصوى للجيش، كما يتم وقفه في النهاية وفقاً لشروط أمريكية.
ويرى ذلك المنظور الشرق الأوسط الساحة الأكثر ترجيحاً لصراعات مستقبلية، والعراق هو النموذج الأولي للحرب التي يجب أن تتدرب القوات الأمريكية، وتتجهز للنصر فيها.
ويقف في مواجهة ذلك قادة الخدمات العسكرية ذوو الزي النظامي الذين يتوقعون "جيشاً منهكاً" خارج من التزام تام حيال العراق، أدى إلى تجاهل احتياجات أخرى، وصراعات محتملة.
إن الوقت قد حان لإعادة بناء كتائب دبابات الجيش، والقوات البرمائية التابعة للبحرية، وغير ذلك من المعدات التقليدية اللازمة للعمليات العسكرية الخاصة بدولة عظمى، بينما نتعثر في العراق.
وأركز بصورة ضرورية على ما هو صراع جدي ومعتبر بشأن الموارد، والاستراتيجية العسكرية، والأيديولوجية السياسية.
إن الأسلحة في هذا الصراع المستتر تتضمن طلبات الميزانية، وجداول نشر القوات، وكذلك - على نحو متزايد - الخُطب والعروض العامة التي تحجب طبيعة الصراع الداخلي الحقيقية بينما تميط اللثام عن الكيفية التي يعمل بها كبار قادة الجيش.
وقد شكل ذلك الصراع الشهادة الحذرة المخيبة للآمال إلى حد كبير التي أدلى بها بيترايوس أمام الكونجرس الأسبوع الماضي، كما كان كذلك وراء إعلان الرئيس بوش - الذي استحوذ على اهتمام وطني بالغ - الخاص بتقليص مدة خدمة انتشار جنود الجيش المقاتلين في العراق وأفغانستان إلى 12 شهراً، كما ساهم كذلك في الإقالة المفاجئة الشهر الماضي للأدميرال "ويليام فالون" من منصبه كقائد للقيادة الأمريكية الوسطى.
ومنذ ذلك الحين صار الجنرال "ريتشارد كودي" - نائب رئيس هيئة الأركان - المتحدث الرئيس العلني لمناصري "الحرب كاملة الطيف" يُحذر من خلال خطبه أن "جاهزيتنا العسكرية تُستنزف بنفس السرعة التي تُبنى بها".
ويعاني جنود مشاة البحرية "المارينز" كذلك من حالة مراجعة حادة للنفس، في الوقت الذي يحذر فيه بعض الضباط من أن سلاح البحرية يتحول إلى "جيش لدولة أخرى" بالقيام بنشره مجهزاً بدروع ثقيلة من أجل مهام قتالية طويلة الأمد في العراق، ويتطلع أولئك الضباط للرجوع إلى مهام خفيفة ترتكز على طبيعة برمائية تُُعد أكثر ملاءمة لمنطقة المحيط الهادي عنها لمناطق الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى.
إن "الأقلمة" أصبحت كلمة رنانة في صراع القوة المستقبلية هذا.
وقد شارك كل من سلاح البحرية وسلاح الجو - واللذان لم ينخرطا في استراتيجية "مكافحة التمرد" التي طوّرها بيترايوس إلا بصورة هامشية - في التأكيد على الحاجة إلى الاستعداد في الوقت الراهن من أجل حرب تقليدية مستقبلية في بقعة أخرى.
لقد تم الاستغناء عن فالون كقائد عام للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط وأفغانستان ليس بسبب خلافات مع وزير الدفاع "روبرت جيتس" حول مهاجمة إيران، أو بسبب تأييده لحرب تقليدية كاملة الطيف، ولكن وفقاً لمسئولين عسكريين ومدنيين سبق لهم العمل معه؛ فإن صرامة فالون، وأسلوبه المستبد، وإحجامه عن الاستماع إلى الآخرين؛ قد كلفه تدريجياً ثقة جيتس.
وخلال رحلته الأولى إلى العراق كقائد للقيادة الوسطى أصر فالون على محاضرة ضباط مشاة البحرية إزاء ما يجري بمنطقة مسئوليتهم أكثر من اهتمامه بالنظر بعين الاعتبار لوجهات نظرهم بحسب روايات معاصرة لمصادر عسكرية تواجدت في الاجتماع.
هذا، ويخبر مسئولون أمريكيون هنا قصصاً مماثلة حول موقف فالون غير المكترث إزاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" وغيرها.
وفي الواقع فقد شجع جيتس الخلاف النشط بين معسكري بيترايوس و"فالون - كودي" دون أن يزج بنفسه، إلا أن رؤيته سوف تتجلى بينما تتخير مطالب الميزانية المقبلة بين أنظمة تسلحية عالية الكلفة من أجل المستقبل، أو الحاجة الماسة إلى قوات ومعدات لمهمات "مكافحة التمرد" في الوقت الحالي.
إن للعدو دوراً في التصويت في الاستراتيجية الأمريكية، وهو القول المولع باستخدامه بيترايوس؛ فهل سيرى تنظيم القاعدة، أو حركة طالبان، أو عناصر المقاومة العراقية أن في صالحهم مواصلة الهجوم ضد الأمريكيين في محاولة للتأثير على الحملة، وانتخابات نوفمبر؟ وإذا كان الأمر كذلك ففي أي الاتجاهات؟
هل ستستقبل إيران الرئيس أوباما حديث الانتخاب بتجميد للتخصيب النووي أم - وهو الخيار الأرجح - بوضعه في اختبار عن طريق الدفع بوحدات ميليشية إيرانية يمكن التعرف عليها إلى محافظة البصرة على نطاق واسع، كما قد تخشى بعض الدول العربية في الخليج؟ أو إذا ما كان الرئيس هو ماكين فهل سيُبدي آيات الله شيئاً مشابهاً لردة فعلهم عقب تولي ريجان للحكم؟ فبالرغم من كل شيء فإنهم قد رحبوا بانتخاب محافظ متشدد عام 1980م، حيث قاموا بإطلاق سراح رهائن أمريكيين.
تلك أسئلة عاجلة تحتاج الأمة إلى أخذها بعين الاعتبار بينما نتقدم تجاه انتخابات من شأنها تشكيل حقبة زمنية، إنهم من بين الأسئلة التي تقنعني أن بيترايوس قد أعاد تشكيل ميدان القتال العراقي بما يكفي لإعطائه الفرصة لمواصلة استراتيجيته، إن الحرب "الراهنة" لابد وأن تُعلن عن الحروب "المحتملة" على الأقل بالنسبة للعام المقبل.
________________________________
([1]) جيم هوجلاند: صحافي أمريكي، حصل أكثر من مرة على جائزة بوليتزر الصحفية، يعمل كمساعد تحرير ومراسل خارجي، وكاتب عمود بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.