إيران قابلة للتقسيم

آن صوفي فيفير موريسان *

31/03/2008م

كان وجود مناطق أقليات دينية سمة شائعة لدی عدد من المدن الإيرانية حتى العقد الأخير، ومن بين هذه المناطق ربما تكون المنطقة اليهودية لشيراز، والمنطقة الأرمينية لأصفهان، والمنطقة الزرادشتية ليزد الأكثر شهرة من دون شك، والأكثر خضوعاً للدرس، فتاريخاتهم مختلفة تماماً، فالمنطقة الأمينية أنشأت من العدم في أوائل القرن السابع عشر بإرادة من الشاه عباس الأول، وقد شكل جزء منها، وعلی مدی 50 عاماً؛ إقطاعة حقيقية ذات امتيازات عديدة.

أما المناطق اليهودية والزرادشتية فكانت - علی الأرجح - أقدم بكثير حتى ولو كنا لا نستطيع أن نعرف عملية ظهورها بدقة، ويكفي القول: بأن الوجود اليهودي في منطقة شيراز يعود إلى القرن السادس علی الأرجح، كما أن الزرادشتين كانوا في يزد منذ العصور القديمة بالطبع، حتى ولو أنهم لم يقوموا بتأسيس هذه المدينة كمركز رئيسي لهم إلا في القرن العاشر فقط، هاربين إليها من صعود الأسلمة، وبالرغم من هذه الوقائع التاريخية المتنوعة يبدو بأن هذه المناطق قد عرفت مصيراً متشابهاً تماماً في القرون الأخيرة، لتصبح نوعاً من الغيتوات العاكسة للتمييز العنصري المقاوم من قبل هذه الأقليات في المجتمع الإيراني، وعلی كل حال قاد التطور الأخير لهذه الأحياء إلى نتائج متنوعة جداً خاصة بالطريقة التي ينظر سكانها إليها الآن، كما كشف عن ذلك عمل ميداني تم في ربيع العام 2005م، فالبعض نافرون بالكامل منها، وشيئاً فشيئاً فروا من المنطقة وهجروها، ولا يزال آخرون محافظين بشكل مشرف علی موقفهم، وفي محاولة لفهم اختلافات كهذه شعرنا بالحاجة إلى إجراء مقارنة تحليلية عامة، حيث هناك نقص بالواقع حول هذه المسألة: بالواقع لقد ركزت الأعمال البحثية عموماً علی منطقة واحدة محددة، وبالاعتماد علی هذه الدراسات المتعددة، وعلی عملي الميداني الشخصي؛ فإني أرغب أن أقوم بمحاولة مختصرة بإجراء مقارنة تحليلية، وسأتقصى أولاً أصول هذا التنظيم المدني في الأحياء الدينية، لأناقش الرابط الضاغط عادة بينها وبين الصبغة المميزة للشيعة،

ثانياً سأحاول وصف ظروف الحياة والمؤسسات المجتمعية لهذه المناطق في القرنين الماضيين، وفي النهاية سأركز علی التطورات الأخيرة لحيين من هذه الأحياء لمحاولة شرح الاختلافات الحادة التي ظهرت فيها.

إن هذا الجزء الأخير مبني علی عمل ميداني شخصي تم خلال ربيع 2005م في أصفان ويزد، حيث أمضيت شهرين ومن ثم شهراً واحداً علی التوالي في كل من المدينتين، وأثناء عيشي مع عائلات زرادشتية وأرمينية استخدمت بشكل رئيسي ملاحظة مساهم، كما استخدمت نشاطات دينية مشتركة؛ بالإضافة إلى أنشطة جماعية علمانية بصفتها أنشطة محلية، وأنهيت تساؤلي بمقابلات شبه موجهة خاصة في يزد حيث كنت لفترة قصيرة، ولم أحصل علی فرص الذهاب إلى شيراز، وفي كل الأحوال كان الأمر سيكون أقل إثارة للاهتمام لأن المجتمع اليهودي قد اختفی تقريباً هناك.

 

الأحياء الدينية .. التشييع والمجتمع الإيراني:

ينظر أحياناً إلى وجود الغيتوات الدينية في المدن الإيرانية علی أنها نتيجة لعقائد دينية صارمة تتعلق بغير المسلمين، ويؤكد عدد من المؤلفين علی حقيقة تقول: بأن الظروف الحياتية للأقليات الدينية قد أصبحت أكثر سوءاً في العهد الصفوي عندما فرض التشييع كدين للدولة في إيران، فالتحول الإجباري من دين لآخر، المحرمات الدينية العديدة، والقيود المفروضة علی المهن، حق التملك، وسائل العيش، والثياب؛ كانت ملحوظة خلال هذه الفترة، فعلی سبيل المثال كان اليهود بظل حكم الصفويين وحتى نهاية القرن التاسع عشر مستثنين من مهن عديدة، وكانوا في عدد من البلدات مبعدين عن الوسط الاقتصادي أي البازار، إن هذه الصرامة ضد غير المسلمين غالباً ما تفسر بأهمية مفهوم النجاسة في الفكر الشيعي، فالنجاسة مفهوم إسلامي شائع: فلأداء الشعائر الدينية علی المؤمن أن يكون في حالة من النقاء الشعائري الذي يحصل عليه من خلال الوضوء، وهذا الأمر يقتضى ضمناً وقدر الإمكان وجوب تجنب كل مصدر من مصادر النجاسة، ويضيف الشيعة إلى قائمة النجاسة "أشياء" معترف بها من قبل السنة أيضاً "الدم، البول، الغائط، الكحول، وعدد معين من لحوم الحيوانات" أي الأشخاص غير المسلمين، وبهذا المنطق، وللابتعاد عن التلوث؛ قاموا بفرض عدد كبير من قوانين الاجتناب، وتحديداً إنشاء مناطق منفصلة لهؤلاء، وهو ما يعني علی سبيل المثال، وعلی خلفية النجاسة؛ طرد الشعب الأرمني من قلب أصفهان في العام 1655م، وإجباره علی الاستقرار في منطقة أرمينية منفصلة خارج المدينة، وبحسب المنطق نفسه فإن ذريعة التحويل الديني الإجباري لليهود ما بين العامين 1658م – 1956م تعود إلى حقيقة عيشهم وسط المسلمين من دون إشارات مميزة لهم ليمثلوا لاحقاً خطر تلوث دائم.

ومن الصحيح أن قوانين الاجتناب الشيعية العديدة لغير المسلمين جعلت مسألة التعايش مسألة صعبة، فالاحتكاك البسيط مع طعام أو جسم غير شيعي هو نجاسة، وبذلك حرم لاحقاً علی من هم من غير الشيعة استخدام الحمامات العامة الشيعية، والنوافير العامة، ولمس الطعام والمنتجات الغذائية "وبيعها بعد ذلك"، وحتى الذهاب إلى الشوارع عندما يكون الطقس ماطراً "فالماء – بالواقع - هو المادة الأكثر إيصالاً للتلوث في الفكر الإسلامي".

لكن علينا أيضاً أن نعبر عن ظلال اختلاف لإثبات قاطع كهذا، إذ يبدو أن وجود مناطق دينية منفصلة كان واقعاً إيرانياً قبل صعود الصفويين، ففي العهد الساسانيين، وعندما كانت الزرادشتية دين الدولة؛ كان للأقليات الدينية "المسيحيون النسطوريون - الذين يؤكدون علی وجود طبيعتين في السيد المسيح هما: الألوهية والبشرية -، والمسيحيون أنصار المذهب القائل: بأن شخص المسيح مثل طبيعة إلهية واحدة، واليهود، والمؤمنون بالعقيدة الفلسفية الثنوية" وضع مشابه جداً لوضع أهل الذمة مستقبلاً تحت الحكم الإسلامي، وعاشت المجتمعات المختلفة والمتنوعة في قری أو أحياء منفصلة، فعلی سبيل المثال كانت واحة أصفهان في ذلك الحين مأهولة بمجتمعات دينية متنوعة، تعيش في مواقع ومراكز مختلفة كانت أكبرها تدعی "اليهودية"، وكانت تلك بالواقع مستوطنة يهودية، علاوة علی ذلك، وعندما غزا المسلمون العرب إيران، واستقروا في المدن؛ رفض الزرادشتيون أنفسهم التعايش معهم بسبب قوانين الطهارة الملائمة الخاصة بهم التي كانت أكثر صرامة من تلك التي للمسلمين التي قيدت عدداً من مجالات التفاعل مع غير الزرادشتيين بحسب ما يقول تشومسكي، وعزلوا أنفسهم بكتل منفصلة.

إذن لقد تواجدت الأحياء الطائفية المعزولة منذ العصور الإسلامية السنية، وكانت أيضاً نتيجة مواقف من غير المسلمين.

علينا أيضاً أن نبرز حقيقة أن المناطق الدينية المنفصلة المشابهة كانت موجودة في مناطق سنية أخرى، حيث كان للشيعة حتى منطقة معزولة عن تلك التي للسنة، إذن لا يمكننا تفسير ظهور غيتوات علی أساس خلفيات عقائدية دينية فقط، والتي من الممكن نسبتها إلى نفس طبيعة التشيع، بالواقع يبدو من جهة أن الانعزال الديني حتى في إيران الصفوية الشيعية لم يكن قاعدة شاملة، وبأن انعزال غير المسلمين من جهة أخری لم يكن رداً علی عامل نجاستهم فقط، ففي أصفهان علی سبيل المثال كان جزء كبير من الشعب الأرميني الذي جلبه الشاه عباس الأول في العام 1604م مستقراً في وسط المدينة، حيث عاش هؤلاء حتى العام 1655م تاريخ طردهم إلى حي منفصل، فإذا كان هذا الطرد قد تم تنفيذه رسمياً بتبرير نجاستهم؛ فإنه يبدو بأن أسباباً سياسية أيضاً كانت وراء مرسوم كهذا"، كانت السلطة الملكية خائفة من نشاط حركة توميك الأرمينية الدينية، وهذه الأخيرة سميت بعد ذلك باسم مؤسسها الذي هو خياط أرميني تطور في نقابات حرفية، ورفض من قبل الكنيسة الأرمينية كمهرطق لأنه لم يعترف بالأسرار السبعة المقدسة، وبرمز الصليب، وأدينت هذه الحركة من قبل السلطة الملكية علی خلفية علاقاتها المفترضة بأنظمة صوفية والتي كانت مقموعة أيضاً في ذلك الحين بصفتها قوة مضادة هدامة.

ويجب التأكيد أيضاً علی أن الحي الأرميني المنفصل الأول الذي نشأ في أصفهان في العام 1604م والمدعو حي جولفا الجديد؛ لم يكن غيتو ديني، وإنما كان إقطاعة محفوظة لنخبة تجار غنية إذ تمتعوا بحكم ذاتي مستقل كبير، وبامتيازات عديدة، وتلقوا عدداً من ميزات الاحترام من الشاه نفسه الذي كان معتاداً علی زيارتهم غالباً، علاوة علی ذلك لم يكن مسموحاً حتى لأرمن آخرين الاستقرار في منطقتهم، وإنما سمح لهم بالعيش في مناطق أخری محيطة، فالأرمن الذين طردوا من وسط أصفهان في العام 1655م لم يكن مسموحاً لهم علی سبيل المثال الاستقرار في "جولفا الجديدة"، لكنهم عثروا علی مناطق أرمينية أخری حولها، فالانعزال آنذاك كان يعتبر امتيازاً، وحول هذه النقطة تجدر الإشارة إلى أن فقدان "جولفا الجديدة" لمكانتها الاستثنائية المحددة في ستينات القرن السادس عشر كانت ميزة بالتفويض الملكي المعطى لمسيحيين آخرين وحتى لمسلمين بالاستقرار هناك.

وعموماً كان الانعزال بالواقع مسألة مقدرة ومحافظ عليها من قبل الأقليات الدينية نفسها كوسيلة حماية، ويعلق أراكل وهو كاتب أرمينى من العهد الصفوي بشكل إيجابي علی طرد الشعب الأرميني من وسط أصفهان لأنه عندما يكونون معزولين - بحسب رأيه الصحيح - فإن بإمكانهم مقاومة الضغط الإسلامي للتحول عن دينهم بشكل أفضل، كما أن الفتيات المسيحيات يكن محميات من محاولات الإغواء التي كان يقوم بها الفتيان المسلمون، أما مؤخراً جداً فقد كان الراوون الأرمن الذين عدت إليهم فخورين بالتأكيد علی أنه وقبل 40 سنة "لم نسمح للمسلمين بالدخول إلى منطقتنا، من دون أسباب كان يتم ضربهم إذا ما تجرؤوا فقط، ومروا علی الجسر".

أما في شيراز في الستينات - وبحسب فريدة غولدن - فقد كان اليهود غاضبين جداً من أحد الرجال الذي عمد بعد تحوله إلى الإسلام إلى جلب قوانينه الإلهية الإسلامية إلى داخل الغيتو، وأضعف أمن المجتمع في حالة مذبحة منظمة ضد اليهود، وقد لاحظت مارى بويس نفس ردات الفعل السلبية بين أوساط الزرادشتين تجاه عمليات استيطان جديدة لمسلمين في حيهم، وبحسب ما يقول غرين: فإن الزرادشتين الذين تركوا منطقتهم في العشر سنوات الأخيرة حاولوا بيع منازلهم لزرادشتيين آخرين للمحافظة عليها من التعدي الإسلامي.

 

الأحياء الدينية في القرون الأخيرة:

يبدو أن هذه الأحياء قد مثلت ولوقت طويل مناطق مغلقة محاطة بجدران تم تفجيرها بشكل أكثر أو أقل مؤخراً، وعند منعطف القرن كانت جدران "نيو جولفا" المنطقة الأرمينية لأصفهان قد أصبحت ذكری، أما في شيراز فقد كانت الجدران المحيطة بالغيتو اليهودي - بحسب ما تسجل فريدة غولدن عن طفولتها في الستينات - لا تزال تمثل حقيقة واقعة، وبأن الناس كانوا يدخلون ويخرجون من بوابة ضيقة ومنخفضة، وكانت القيود التي ترافقت مع هذا الانعزال الحيزى متعدد، فالسكان كانوا ممنوعين من مهن عديدة، إذ كانوا ممنوعين من الخروج عندما يكون الطقس ماطراً - كما ذكر آنفاً -، كما كانوا مبعدين أيضاً عن مهن عديدة إذ كانوا مبعدين عموماً عن "الفنون الحرة"، وبالنسبة ليهود شيراز كانوا مبعدين عن التجارة الدولية، والنشاطات الزراعية والريفية الخاصة بالعناية بالحيوانات الداجنة "فهذه الفئة الأخيرة لم يكن لها حق الملكية".

وكان زرادشتيو يزد ممنوعين حتى القرن العاشر من ممارسة أي شكل من أشكال التجارة، وكان عملهم محصوراً بالأعمال الزراعية أو الصناعية، أما أرمن "جولفا" فلم يكونوا خاضعين لحظر كهذا بسبب دورهم الحيوي في تجارة الحرير الدولية، لكنهم وكالأقليات الدينية الأخری كانوا مقيدين أيضاً بالنسبة للبعض منهم بالتخصص بمهن كانت ممنوعة علی المسلمين، "ومحتقرة من قبلهم"، صناع وبائعو النبيذ، موسيقون وراقصون، دباغون، جواهرجيون، مرابون ... الخ، وكانت كل مجتمعات الأقليات مجبرة علی تولى وظائف قذرة ومذلة مثل تنظيف المدينة من أوساخها، أو سوق المجرمين المحكوم عليهم بالموت، ودفن جثثهم.

أما في العهد الصفوي فكانوا مجبرين أيضاً علی ارتداء إشارة أو ثوب مميز يشير إلى هويتهم الطائفية، فالزرادشتيون كانوا ممنوعين من ارتداء ثوب مصبوغ، وكان الأرمن مجبرين علی ارتداء قطعة ثياب زرقاء، أما اليهود وبشكل مشابه فكان عليهم ارتداء قبعة محددة، أو وضع إشارة مميزة.

وقد تمتعت كل هذه المجتمعات باستقلال ذاتي نسبي في تنظيمهم المجتمعي، وكان رئيس المجتمع عموماً هو جامع الجزية، ومحاور السلطة الملكية أيضاً التي كان معتمداً عليها، ويبدو بأن الأشخاص العاديين من غير رجال الدين الحرفيين أو المهنيين قد أخذوا جانباً هاماً في هذا التنظيم، فكان رؤساء الحي الأرمني في أصفهان، والحي اليهودي في شيراز تقليدياً أفراداً من أغنی العائلات، عز هذا الأمر في القرن العشرين مع إنشاء رابطات علمانية في المجتمعات الثلاثة كلها.

أما في هذه الأيام فإن لجاناً غير مختصة هي المسؤولة عن إدارة مؤسسات اجتماعية، وملكيات خاصة بالمجتمع، علی سبيل المثال فإن أرمن جنوب إيران "أي أرمن أصفهان، شيراز، والساحل الخليجي" الخاضعين لنطاق سلطة أبرشية أصفهان؛ ينتخبون 27 شخصاً يشكلون الشوری المسؤول عن الشؤون المجتمعية، وينتخب مجلس الشوری هذا أيضاً 5 لجان تدير المقبرة، المدارس، والمؤسسات الخيرية، ودار أيتام، ودار للعجزة"، وأملاك للأبرشية أراض عقارية وزراعية، لكن هذا لا يعنى بأن رجال الدين ليس لديهم وظيفة هامة، ففي أصفهان الأسقف هو علی رأس مجلس الشوری، وفي يزد يشكل رجال الدين لجنة مستقلة مسؤولة عن كل المسائل الدينية، أما في شيراز فقد شكلوا في الستينات والسبعينات بحسب ما يقول لويب جهازاً سياسياً خفياً، وهو جهاز كان بالواقع يقرر مسائل مجتمعية يومية، ويحكم عليها.

كان القرنان التاسع عشر والعشرون بالنسبة لهذه الغيتوات الثلاثة زمن الانفتاح، وتحسين ظروفهم الحياتية، وذلك بفضل مساعدة المتدينين أمثالهم من الأجانب والشتات العالي؟ بنفس الدين"، إذ استفاد الزرادشتيون اليزديون من الدعم المالي والسياسي لأعضاء في الطائفية الزرادشتية في الهند المنحدرين من الفرس، ومن الإيرانيين، وعلينا أن نشير هنا إلى شخصية مانيكجى الذي استقر في يزد، وكرس حياته لإحياء الزرادشتيين الإيرانيين، ونال من الشاه القمع والجزية والقيود المهنية 1882م، وجمع التمويل الهندي لبناء أولی المدارس المجتمعية الحديثة، وحاول تقديم إصلاحات دينية واجتماعية، أما أرمن أصفهان فجاءتهم المساعدة من الهند أولاً، "نيو جولفا" الأرمن الأغنياء كانوا قد استقروا في الهند عندما ساءت ظروف حياتهم في إيران، وحافظوا علی التواصل الذي أصبح في القرن التاسع عشر مثمراً.

علی سبيل المثال تم بناء مدرسة تشاهارسو في العام 1882م بالتمويل الهندي، أما في القرن التاسع عشر فقد كان الشتات العالمي المنظم جيداً ولا يزال، والذي نتج بسبب الإبادة الجماعية للحرب العالمية الأولى ذا دعم كبير، ففي شيراز أدت المساعدة المالية من المنظمات اليهودية العالمية إلى إنشاء مدارس ابتدائية في أوائل القرن التاسع عشر، وإلى إنشاء يشيفا "وهى مدرسة دينية ثانوية" في العام 1953م.

كما كان انفتاح الغيتوات متاح أيضاً بسبب علمنة وعصرنة المجتمع الإيراني تحت حكم البهلويين، وتم إلغاء التمييز العنصري القديم المبنی علی مفهوم النجاسة بشكل رسمي، وبدأ اليهود الأرمن والزرادشتيون عملياً الاختلاط مع المسلمين بحرية أكبر، وكان ذلك صحيحاً خصوصا بالنسبة للطبقات الأكثر تعليماً وحداثة، وفي هذا السياق الجديد لم يعد هناك حاجة بعد ذلك للمناطق الدينية التقليدية، بالعكس لقد أصبحت تلك المناطق مرادفة للفقر والتخلف، وبدأ أفراد تلك المجتمعات الأغنى بالانتقال إلى أحياء جديدة وحديثة، حيث كانوا بعيدين جداً عن شؤون المجتمع؛ ليتم لاحقاً وشيئاً فشيئاً استبدال المعيار الديني الذي كان ينظم المنطقة الدينية بمعيار اجتماعي.

كانت الطبقة البرجوازية من كل الطوائف تستقر في بيئات جديدة، في حين أعيد استثمار الغيتوات القديمة جزئياً من قبل مسلمين فقراء لم يكن لديهم خيار سوی الاستقرار في هذه الأحياء القديمة والرخيصة، وقد أدی هذا التمايز الحيزى إلى تمايز سياسي، كما كان الحال بين اليهود الشيرازيين الذين فضل أفرادهم الأغنى في مناطق جديدة؛ الاعتراف بسلطة الرابطة الجديدة غير الدينية "أنجومان" بدلاً من سلطة المجلس التقليدي الذي كان لا يزال مهيمناً في الغيتو.

 

تطورات أخيرة .. تباين حاد:

كانت هذه الملاحظات لمؤلفين كتبوا في السبعينات، أما كيف تطورت هذه العملية، وما الذي تبقی من هذه الغيتوات القديمة هذه الأيام فيبقی سؤالاً آخراً لكنه سؤال هام، ففي العقد الأخير ضربت هذه المجتمعات الثلاثة كلها الهجرة الشديدة نحو طهران أو الخارج، ففي شيراز كان السكان اليهود بحالة من الضعف بحيث أننا بالكاد نستطيع التحدث عن مجتمع يهودي شيرازي، أما في يزد وأصفهان علی كل حال فلا يزال بإمكاننا العثور علی مجتمعات زرادشتية وأرمينية حية، وبذلك فهي تستحق عناء استكشاف مصير الأحياء الدينية القديمة، وذلك بفضل إجراء مقارنة بين المدينتين.

ففي يزد تبدو العملية التي بدأت في السبعينات لا تزال جارية حتى اليوم، فالحي الزرادشتي القديم المدعو بــ "إبوشتى خان علي" لم يعد جذاباً، وتبدو مسألة تركه باتجاه مناطق جديدة أخری بمثابة إنجاز اجتماعي.

ويشكو الزرادشتيون القاطنون هناك من جيرانهم الشيعة - الذين بحسب ما يقولون - أصحاب عقول منغلقة أكثر من اليزيديين، والذين لا يزالون يعاملونهم بصفتهم أشخاص نجسين، علاوة علی ذلك لا يزال بعضهم يعيش في خوف: فالنساء لا يتجرأن علی السير بمفردهن في الأزقة الضيقة والفارغة بسبب خوفهن من تعرضهن للهجوم أو السرقة من قبل شبان شيعة يقودون الدراجات النارية، وحتى في المنزل لا يشعر الزرادشتيون بالأمان" فهناك تصبح التهجمات من قبل لصوص مسلمين "شيعة" متكررة أكثر من أي مكان آخر، وذلك يعود - بحسب ما يقولون - إلى أن هؤلاء اللصوص لا يخافون أن يتم التعرف عليهم، أو لأنهم يعلمون بأن الزرادشتيين سيترددون بالمطالبة بالعدالة.

أما العكس فحاد مع جولفا المنطقة الأرمينية في أصفهان، إذ يبدو هذا الحي كواحد من أكثر أجزاء المدينة حداثة وحياة، وهو مقدر جداً من قبل ساكنيه، فالقسم الأكبر من أرمن أصفهان يعيشون هناك، ولم أقابل أي شخص عازم علی ترك ذاك الحي، وعلی العكس فلقد أخبرت بأن مقام ووجاهة المنطقة عالية جداً، بحيث أن أسعار الملكيات العقارية كانت متفجرة تزداد فجأة وبحدة من دون تحكم بالواقع، إذا كان لا يزال هناك عدد من المنازل القديمة والتقليدية موجود فهناك مبان جديدة وحديثة مهيمنة، كما أن الشوارع مليئة بمحلات عدة، ويبدو الأرمن راضين جداً عن جيرانهم المسلمين.

مشددين علی القول بأن هؤلاء المسلمين هم أكثر ثقافة وتعليماً وانفتاحاً من الأصفهانيين "لقد جاؤوا واستقروا هنا لأنهم مثلنا، ويقدرون أسلوبنا بالحياة"، وقد يكون من المثمر استثارة الماضي القريب للمجتمع الأرميني، فإذا كانت "جولفا" تؤدى عملها كمكان إقامة بالنسبة للمسافرين الغربيين "الأوروبيين" من القرن السابع عشر؛ فإن ارتباطها بالثقافة الغربية كان ليزداد منذ منتصف القرن العشرين عندما كان النفوذ والحضور الفعال الأجنبي مخترقاً البلاد بشكل عميق بظل حكم البلهويين، وهذا الأمر يصح بالنسبة للمجالات الفكرية، كما يصح بالنسبة للمجالات الاقتصادية، فقد وظفت شركات البترول الأنكلو - أمريكية في جنوب إيران تحديداً عدداً من الأرمن الذين كانوا بالنتيجة علی صلة وثيقة باللغة والثقافة الإنكليزية.

أما في أصفهان فقد رحب الحي الأرميني بجزء من السكان الأجانب، وأصبح آنذاك وقبل الثورة الإسلامية إحدی أكثر مناطق المدينة حداثة تمثل جولفا الآن حتى "باريس صغيرة" كما يسميها الأصفهانيون، المجلات، الألبسة، والأحذية "الحديثة" المتعددة، وبالمقاهي ومطاعم الأكل السريع الموجودة فيها، علاوة علی ذلك لا تقع جولفا في قلب المدينة القديمة قريبة من البازار مثل المنطقة الزرادشتية الموجودة الآن في يزد، علی العكس إنها قريبة من المناطق الحديثة الجديدة التي تطورت، والواقعة علی جانب النهر الجنوبى لـ"زاندى رود".

فقد أفلتت لاحقاً وجزئياً من منطق الفقر الملائم لأوساط المدينة الإيرانية القديمة، كما وصفنا لاحقاً، وعلينا أن نضيف الآن یأن سكان أصفهان التي تمثل منذ عقد من الزمن مدينة صناعية وأكاديمية هامة ذات سياحة مزدهرة؛ قد يكونون طوروا موقفاً أكثر انفتاحاً وعصرية تجاه غير المسلمين أكثر من سكان يزد التي لا تزال حتى الآن أكثر تقليدية وانعزالاً.

ثانياً: علينا أن نشدد علی أن الحياة الاجتماعية المجتمعية للشعب الأرميني هي أكثر حياة وغنی من تلك التي للزرادشتيين، إذ يتمتع الأرمن بخدمات ناد كبير يفتح "السناك بار" فيه كل يوم، والذي يقدم عدداً من الأنشطة للأطفال والبالغين علی حد سواء "رياضة، موسيقی، رقص، مسرح ... الخ".

ويفتقر حي الزرادشتيين اليزدي إلى حياة اجتماعية حية، إذ لم يعد يحتفظ بالمدارس المجتمعية للأطفال الزرادشتيين - مدرسة الصبيان الابتدائية استثناء -، كما أن المجالات المجتمعية للاشتراك بنشاطات اجتماعية محددة فقط بالحقل الرياضي للشباب، وبرابطة النساء "بالواقع هي للأطفال أكثر منها للنساء" التي لا يمكن مقارنة أنشطتها النادرة ومبناها الضيق بنادي "جولفا"، إذ لا يقوم الزرادشتيون اليزديون بنشاطات اجتماعية معاً فقط في هذه المنطقة، وإنما يقومون بما هو أكثر بكثير كما ذكر آنفا بأماكن الحج الكبيرة المحيطة بالمدينة، فمن دون حياة اجتماعية حيوية يفقد التجانس المجتمعي جاذبيته.

وأخيراً علينا أن نضيف بأن الأرمن الذي يعتبر تمايزهم ليس دينياً فقط وإنما ثقافياً لغوياً ووطنياً هم - وهذا طبيعي - أقل ميلاً لدمج أنفسهم بالمجتمع العالمي من الزرادشتيين - الذين يعتبرون أنفسهم أولاً وقبل كل شيء إيرانيين -، فالشعور بالحاجة إلى الانعزال والمحافظة علی الثقافة قد يكون أقل لدی الزرادشتيين، كما أن وجود حي منفصل يسمح بعزلة كهذه لا يعتبر أمراً ضرورياً جداً.

وبالإجمال يمكننا التأكيد علی أن وجود أحياء دينية منفصلة هي سمة قديمة جداً لدی الحضارة الإيرانية، والتي تعود علی الأقل إلى العهد الساساني، لكن من الصحيح القول أيضاً: إن هذه المناطق أصبحت بظل حكم الصفويين فقط - خاصة خلال القرن السابع عشر - غيتوات حقيقية، وخضعت لعدد من أعمال التمييز العنصري، ومع انفتاح وتحديث وعلمنة المجتمع الإيراني الذي تطور في القرنين التاسع عشر والعشرين، كما كان لابد لهذه الغيتوات من أن تختفي.

وتجدر الإشارة إلى أن مصير هذه الغيتوات كان مختلفاً من مدينة لأخرى، ومن سياق لآخر، فعندما كانت منطقة تنجح في تبنى الحداثة، وكان يرتفع شأنها بعد ذلك في عين جميع سكان المدينة؛ فإنها كانت تحافظ علی سكانها من الأقليات، وتمثل حيوية وغنی الحياة الاجتماعية الخاصة بالمجتمع حوافز أخری للبقاء معاً، والمحافظة علی تجانس مجتمعي، ولنری إذن بأن الحالة الودية والتقبلية النسبية لممارسات اجتماعية؛ والتي نشأت عن أسلمة المجال العام بعد الثورة الإسلامية؛ لم تؤد بالضرورة إلى رعاية وتبنى أحياء دينية متماسكة.

وقد ظهر هذا التطور تماماً حيث سبق، ووجدت بنيات مجتمعية قوية، وحي حديث مقدر؛ كما هو الحال في أصفهان.

____________

* باحثة أمريكية.

http://www.alarabonline.org:المصدر