جرأة الأمل وسراب التغيير الأمريكي
علي الصراف
21/4/1429هـ
ميدل ايست اونلاين/ لو كان لدى المرشحين الديمقراطيين لانتخابات الرئاسة الأمريكية السيناتور هيلاري كلينتون، والسيناتور باراك أوباما؛ أي شك بأن التغيير قادم، أو أي شك بأن السلطة ستؤول إلى الفائز منهما؛ لما أصبحت حملاتهما الانتخابية هجمات شخصية من أحدهما على الآخر، فالفائز في سباق الترشيح عن الحزب الديمقراطي في نظرهما فائز بالرئاسة لا محالة، الأمر الذي يجعل الضراوة مبررة.
كلينتون لم تترك شيئاً لم تفعله: انتقدت، وهاجمت، وشهّرت، وميّزت، وصرخت، وكذبت، وبكت.
أوباما في المقابل لم يكن أقل عنفاً وإن بدا أكثر حذراً في مسعى منه للحفاظ على صورة المرشح "النموذجي"، و"اللائق"، و"الصحيح" في كل تصرف.
الافتراض السائد هو أن الولايات المتحدة "تعبت"، وفاض بها الكيل من سلطة الرئيس جورج بوش، ومن عثرات ثماني سنوات تكاد حصيلتها تبدو وكأنها كارثة من جميع الوجوه.
فالاقتصاد دخل في دورة ركود قد تدوم عدة سنوات، وأزمة القروض العقارية غير المضمونة يتوقع أن تسحق أكثر من 520 مليار دولار من القيمة الاسمية للبنوك في مختلف أرجاء العالم، والبنوك الأمريكية في مقدمتها، والبطالة تتجاوز بثبات ملموس حاجز الـ5%، والعجز التجاري السنوي يتوقع أن يتخطى بحلول نهاية العام 750 مليار دولار، وبرغم أن انخفاض قيمة الدولار تساعد الصادرات الأمريكية على المنافسة في الأسواق العالمية؛ إلا أن تراجع مكانة العملة الأمريكية يلحق أضرارا أكثر ضراوة بالاقتصاد الأمريكي، وبمكانة الوهم التي ظلت تتيح لبنك الاحتياط الفيدرالي طباعة المزيد من الورق الأخضر من دون قيمة، وخداع العالم بها على أنها "عُملة".
ومع ارتفاع معدلات التضخم التي يتوجب مكافحتها برفع أسعار الفائدة؛ فإن الركود يجبر الاحتياط الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة؛ أي السير في عكس الاتجاه، وفوق ذلك؛ ضخ مئات المليارات من الدولار في سوق تنقصها الثقة، وهو ما يعني؛ رفع معدلات التضخم إلى مستويات صاروخية.
وبينما يأمل الاحتياط الفيدرالي بأن تواصل شاحنة الاقتصاد بالسير في عكس الاتجاه بسرعة جنونية؛ من دون أن تتعرض لحادث سير؛ فالكل يعرف أنها تحمل ديوناً داخلية تزيد على 9 تريليون دولار، وأخرى خارجية تزيد على 6 تريليون دولار، وبدلاً من رفع معدلات الضرائب للحد من الاستهلاك، وزيادة عائدات الخزانة لتسديد عجوزاتها الكارثية؛ فإن الركود يتطلب خفض الضرائب للحؤول دون انهيار شركات يعتمد ثلاثة أرباعها على الاستهلاك الداخلي.
والظن هو أنه متى ما شعر أولئك الذين يشترون سندات الخزانة، وأسهم الشركات الأمريكية؛ بأن أموالهم ستدخل في البالوعة، ويسحب عليها انهيار قيمة الدولار الشفّاطة؛ فإن الشاحنة ستكون وهي ما تزال بأقصى سرعتها؛ قد ضربت الجدار، وخرجت من الجهة الأخرى هباء منثوراً.
كل هذا قبل أن نحسب حساب الهزيمة والفشل في العراق، ولا حساب الفوضى العارمة التي حولته إلى مستنقع مليشيات، ومقبرة لملايين الضحايا والمشردين والفقراء.
وكل هذا قبل أن نحسب حساب الانهيار المتواصل في مكانة "القوة العظمى الوحيدة" وسط ثقة وطنية متزايدة في روسيا، وتوسع اقتصادي ملموس للصين في الخارج، ونمو متسارع في الهند، وبروز دوائر اقتصادية دولية فعالة مثل البرازيل، وجنوب أفريقيا، وقوى نكاية تستفيد من ارتفاع أسعار النفط لتوسيع نفوذها الإقليمي مثل فنزويلا في أمريكا اللاتينية، وإيران في الشرق الأوسط.
وكل هذا قبل أن نحسب حساب ارتفاع أسعار النفط نفسها التي وإن كانت تُغني بعض الشركات الأمريكية؛ إلا أنها تعزز ثقة الدول المنتجة للنفط، وتتيح لها للمرة الأولى النظر في خيارات استثمارية بديلة داخلية وإقليمية خاصة، وذلك بينما تضعف قدرة الدول المستهلكة على أن تكون سوقاً للمنتجات والبضائع والخدمات الأمريكية.
ولكن هل "تعبت" أمريكا حقاً؟ وهل فاض بها الكيل فعلاً لكي يُصبح "التغيير" أمراً لا مفر منه؟
الجواب الذي سيأتي كما الصفعة على وجه كلينتون وأوباما هو: لا.
أمريكا لم تتعب لا من رئاسة جورج بوش، ولا من حماقات المحافظين الجدد، ولا من الكوارث التي تحيط بها من كل حدب وصوب، ولو كان الرئيس بوش يستطيع الترشيح لانتخبه الأمريكيون مجدداً.
هناك أسباب تجدر بالأخذ في عين الاعتبار:
أولاً: الخدعة التي تدفع بنك الاحتياط الفيدرالي على قيادة شاحنة الاقتصاد بعكس السير ليست مجرد خدعة أرقام فحسب، إنها خدعة ابتزاز وتهديد ونهب أيضاً، وهذه الخدعة تتطلب لكي تستمر زعماءَ يتسمون بالوقاحة والقدرة على فعل كل شيء من دون اعتبار لأي تقاليد وأعراف وقيم، ومثلما هم يدفعون الصين ودول آسيا والخليج العربي إلى تغطية كل تكاليف الحرب ضد العراق؛ فإنهم سيُجبرون كل الدنيا على مشاركتهم في حمل تكاليف إعادة "التوازن" لاقتصاد الخدعة، والارتفاع في أسعار المواد الغذائية (من دون أن يقولوا لك: أن انخفاض سعر الدولار هو السبب) هو أحد الأمثلة.
وهنا لا كلينتون بـ"لطافتها" الأنثوية، ولا أوباما بـ"ظرافته" الأخلاقية؛ ينفعان كمنقذ، المطلوب: كلب حراسة شرس ينبح ويعض وينهش.
ثانياً: ما يزال لدى الولايات المتحدة بقية أمل في العراق، الإمبراطورية قد تبدو أنها توشك على الانهيار، وهي تتعرض بالفعل لخسائر جسيمة، إلا أنها لم تسقط بعد، نوع الأمل هو الذي يتغير، الأمل السابق كان يقوم على تحويل العراق إلى قاعدة لنهب النفط بواسطة عملاء وأتباع يتم التحكم بهم مثل الدمى، أما الأمل اليوم فإنه يقوم على تحويل العراق إلى قاعدة لنهب النفط إنما عبر سلسلة لا تنتهي من المجازر الوحشية التي يرتكبها الجميع ضد الجميع من داخل وخارج "العملية السياسية"، ومن الواضح أنه بالرغم من كل أعمال سفك الدماء التي تدور رحاها على طول وعرض البلاد فإن النفط ما يزال يتدفق بقدرة قادر.
والمقاومة التي أظهرت الكثير من الشطارة في إلحاق الخسائر بالجنود والمرتزقة؛ لم تنجح في قطع شريان الحياة عن الاحتلال.
ثالثاً: إذا كانت هزيمة الولايات المتحدة في العراق تعني هزيمة إسرائيل في المنطقة، وإذا كان الانسحاب الأمريكي سيجعل مصير الكيان الصهيوني تحت رحمة فصائل مقاومة لا تنقصها القدرة على السخرية من "التفوق" الإسرائيلي بصواريخ "عابرة للجدران الإسمنتية"؛ فإن إسرائيل هي التي ستقرر ما إذا كان يجوز للولايات المتحدة أن تنسحب أو أن تقبل بالهزيمة، وإسرائيل أبعد ما تكون عن هذا الوضع، فحتى ولو اقتضى الأمر إبادة ثلاثة أرباع العراقيين فإنه سيكون على الرئيس الأمريكي المقبل أن ينتظر أربع سنوات أخرى على الأقل، ومن الأفضل أن يتم اختيار رئيس "يرغب" بأن ينتظر.
رابعاً: عملاء الولايات المتحدة في العراق والمنطقة سيكشفون عن "الرغبة" بأن يضخوا كل ما لديهم من إمكانيات (نفط وأموال دعاية) لانتخاب رئيس يُبقي حذاءه فوق رؤوسهم، وهؤلاء "ناخب كبير" حقيقي ومهم في المعادلة.
خامساً: وحيثما اقترف العديد من كبار المسؤولين في البيت الأبيض وخارجه الكثير من الانتهاكات والجرائم وأعمال الخداع التي تجعلهم تحت طائلة الحساب والمحاكمة؛ فإن تسليم الرئاسة إلى "ديمقراطي" سوف يعني انتحاراً حقيقياً ليس للطاقم السياسي وحده؛ بل ومعه أيضاً الكثير من مجالس إدارات الشركات الكبرى التي ساهمت في طبخة الغزو، وهؤلاء سيفعلون المستحيل لكي يحظوا بأربع سنوات لعله يمكنهم خلالها مسح الطاولة.
سادساً: "الناخبون" في الولايات المتحدة (كما هو الحال في كل "الديمقراطيات" الغربية) وعلى عكس الاعتقاد السائد هم القلة، فـ"الجمهوريون" يصوتون للجمهوريين حتى ولو انقلب عاليها سافلها، وكذلك يفعل "الديمقراطيون"، الولاء للحزب في هذه "الديمقراطيات" مماثل تماماً للولاء للعشيرة والقبيلة عندنا، الانتخابات تُجرى فقط لكسب الأصوات "غير المحددة"، والتيار المحافظ والديني ما يزال قوياً في الولايات المتحدة، وفي الأزمات فإنه يقوى ويزداد تصلباً.
سابعاً: "الناخبون" يريدون "تغييراً" ربما، ولكن لماذا لا يُعد جون ماكين مرشح الحزب الجمهوري "تغييراً" أيضاً، تبنيه لبعض مواقف الديمقراطيين في الكونغرس يمنحه أفضلية على منافسيه في كسب الأصوات "غير المحددة" وليس العكس، وبمقدار ما يتعلق الأمر بالأزمة فهو "بطل حرب"، وبمقدار ما يتعلق الأمر بالنباح والعض والنهش فهو كلب حراسة مُجرب.
ثامناً: كلينتون وأوباما لا يقترحان "تغييراً" واحداً بل تغييرين اثنين بالأحرى، وقد يثبت أن هذا كثير على "الناخبين"، وزائد عن حاجتهم فعلاً، فالتغيير لا يتعلق فقط باستبدال رئيس من حزب برئيس من حزب آخر، بل بانتخاب رئيس امرأة أو رئيساً أسوداً أيضاً، وأمريكا المحافظة والمتدينة والتي تنتخب رئيساً يقول لها: إنه يتلقى مكالمات شخصية من الله؛ ما يزال من المبكر عليها أن تنتخب رئيساً امرأة أو رئيساً أسوداً.
تاسعاً: التهديد الذي يمثله الإرهاب ما يزال خدعة كافية ليس لجذب الأصوات بل لبقاء الولايات المتحدة على عرش الاتجار بالمخاوف على المستوى الدولي أيضاً، وخدعة الخوف لم تنكشف بعد، وما يزال يمكن للمرء أن يراها ماثلة في كل مطار، وكل معبر حدود، بل وفي عيون كل الناس عندما ينظرون إلى شرقي أو مسلم، المحافظون الجدد ربما انكمشوا، ولكن حربهم "ضد الإرهاب" ما تزال مزدهرة، والإرهاب "ناخب" سيدلي بصوته لحساب أقرانهم.
عاشراً: الإمبراطوريات مثل الثورات لا تنهار وهي تحارب، وانهيارها الحقيقي لا يبدأ إلا من الداخل، وإلا تالياً، وإلا عندما يبلغ التفسخ مداه.
في كتابه "جرأة الأمل" رسم باراك أوباما سيناريو وردياً لتغيير الولايات المتحدة باستعادة "قيمها" الدستورية، ودورها "الأخلاقي"، ولكنه لم يسأل ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لأي تغيير فيما تعرفه عن قيمها وأخلاقياتها، وهذه لم تظهر بعد كفضيحة إلا في عيون قلة قليلة من النخبة، ولذلك فإن التغيير سراب، وجرأة الأمل في الطريق إليه لن تفضي إلا إلى خيبة أمل.
ولكن هذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً، التفسخ لم يبدأ إلا الآن، وحسناً لو جاءت نهايته عارمة ومدوية.